في حوار غير عادي.. صالح وهبه يوجه رسالة في غاية الخطورة حول ثقب الاوزون الأخلاقي

حوار _ امل اللقاني

 

ما يحدث من انفلات أخلاقي واسع المدى هو شيء مخيف ومرعب للغاية.. فقد ساد الفساد في الأرض بملوثاته التي تكاد أن تُكون سحب سوداء مخيفة في سماء المجتمع، أصبحنا نعيش في عصر إفلاس القيم و افتقرنا إلى المبادئ والفضائل وحل محلها الفضائح والانحلال وأصبح الشغل الشاغل هو البحث عن الشهوات و اللذات والنذوات والحب الزائف المفعم بالأنانية والذي بات يولد لنا جرائم تدق على مسامعنا بصفة مستمرة

ضيفنا اليوم سيمطرنا بعلمه الغزير عن هذه الظاهرة المخيفة فهو مفكر فيلسوف، كاتب مبدع، موسوعة علمية.. «عصير الكتب، قهوة الفكر، كوكتيل الفلسفة» هي مشروباته المفضلة .. استطاع بعبقريته أن يُصهر كل العلوم في بوتقة جميلة لينتج لنا أهم الاكتشافات والنظريات.. له بصمات مشرفة في كل عمل يعمله
اني في حيرة فيمن احاور.. احاور صاحب القلم النابض ام احاور صاحب الرؤية الفلسفية
احاور من يتلاعب بالألفاظ ويراقص الكلمات على أحلى نغمات لتشد القارئ ليقرأ مقالاته مرات ومرات ام احاور البحر الذي يفيض بالحوارات والمسرحيات
احاور صقر الإعلام الذي لا يختلف عليه اثنان في جراءته وحدة آراءه
حقيقة كان يراودني شعور مزدوج.. شعور بالخوف في إدارة الحوار معه وشعور بالسعادة عندما يقترن اسمي بهذا العملاق

 

الى نص الحوار

_ ثقب الاوزون الأخلاقي يزداد اتساعاً « مقولة ذهبية لحضرتك» تدق اجراس خطيرة في آذان البشرية لتعزف أحزان حزينه وتنذر بأننا داخلين في نفق مظلم لا يعرف مداه الا الله سبحانه وتعالى والسؤال حدثنا عن مخاطر هذه الجائحة والعوامل التي أدت إلى تفشيها بصورة بشعة في هذه الآونة الأخيرة ؟

سؤال جميل كما اعتدنا منك، لقد استشرى الفساد في الأرض وتزايدت الجرائم بمتوالية هندسية فكثيراً ما نسمع عن أم تذبح أبناءها، ابن عاق يقتل والديه وزوجة تتفق مع عشيقها لذبح زوجها
هذا الانحطاط الأخلاقي ناتج عن تقليد أعمى لما يبث على القنوات من أفلام عنف وافلام إباحية وموضات عري وقصات شعر وخلافه فأصبح للفساد مؤسسات وأصبح للفوضى دولاً .. والكل يجري ويلهث وراء شهواته ونذواته كل هذا بسبب غياب التربية والتعليم والأسرة والمسجد والكنيسة وكافة المؤسسات المعنية بنشر الوعي الثقافي والديني ومن خلال هذا الحوار أوجه دعوة « لا نستطيع الخروج من عنق هذه الزجاجة إلا بالرجوع للدين والتدين »

_حضرتك ذكرت الدين والتدين ياريت توضح لنا الفرق بينهما؟

الدين الهي أي الإيمان بوجود الله الواحد الذي نعبده جميعاً أما التدين فهو بشري ويعني التمسك بالقيم والمبادئ السامية التي نستمدها من الأديان السماوية والتي تظهر على سلوكياتنا وأفعالنا
ويحضرني في هذا توضيح حقيقة هامة غائبة عن البعض وهي: الأديان تنويعات على نفس اللحن الأساسي فلا تصادر على طريقة عزف الأخرين فاللحن واحد والنغمات تتعدد وفي النهاية يكون القاسم المشترك الأعظم هو «الدين المعاملة» فالسماء غير قابلة للتأميم ولا يحتكرها أحد والجنة لا يملك تصريح دخولها شخص ومفاتيحها ليست في خزينة شيخ أو قس

_ هوس طلب الفتوى والتفاخر بدخولنا موسعة جينس في عدد الفتاوى.. هل من تعليق ؟

كثيراً ما نجد على السوشيال ميديا شخص يلقي محاضرة في السلوكيات والقيم والمبادئ ويعطي فتاوى وأحكام حسب ما يراه وما يحلو له؛ لأن المعلب مفتوح أمامه وأي كورة بتدخل في الجول لا يوجد حكم أو رقيب عليه إلا رب العباد علاوة على أنه لا يوجد تخصص فهو يدعي المعرفة والفتوى والعلم والعلم منه بريء وفي النهاية فاقد الشيء لا يعطيه بل يثير بلبلة وزعزعة في الفكر وهذا إن دل يدل على هشاشة فكرية وكساح ثقافي ، هؤلاء في نظر القانون مجرمون لأن جريمة الفكر لا تقل خطورة عن جريمة الفعل، فقتل الفكر يسبق قتل الفعل بل يمهد له هؤلاء ينطبق عليهم القول: فاسدون ضد الفساد.. أغبياء ضد الجهل.. منحرفون ضد الرزيلة « مشهد بات متكرر في المجتمعات »

_ماهو الشيء الذي تكرهه وبشدة
استعمار العقول وإن صح التعبير استحمار العقول وغسلها بملوثات الغدر والخيانة والبلطجة وجعلهم يظنون أن السجن فندق ٧ نجوم وان الزنزانة استراحة كبار الزوار أو صالون ضيافة وأن القيد في يد المرأة اسورة شبكة

_أصبحنا هذه الأيام نستشق الفساد مع الهواء حتى كاد أن يصاب المجتمع بتليف في رئتيه.. هل حان الوقت لفتح النوافذ وتجديد الهواء وتنقيته والتخلص من هذه الملوثات.. روشته علاجية من فضلك؟

لكي يتم التخلص من الملوثات يجب تنقية الفكر من كوليسترول التزمت وهذا يحتاج إلى عدة أمور أهمها:

١.. إرساء ثقافة التسامح والمساواة والعودة إلى الدين والتحلي بالقيم والفضائل التي تقرها الأديان السماوية وهذا يقع على عاتق المؤسسات الدينية والتربوية والجهات المعنية كما ذكرنا آنفا
٢.. تنفيذ الحكم الرادع لمرتكبي جرائم القتل وكلنا ثقة كاملة في عدالة ونزاهة القضاء المصري الذي لا يتوانى لحظة في إصدار الأحكام العادلة والعاجلة لاعلاء كلمة الحق
٣.. وضع علامات استفهام حول جملة «مختل عقليا» تلك العباءة التي يرتدونها مرتكبوا الجرائم لتبرير أنفسهم من جرائم القتل العمد مع سبق الاصرار
٤.. وضع قانون رادع من أجل الفتاة التي يتم التحرش بها عن طريق التليفونات أو الرسائل حتى يتم وأد المشكلة في مهدها الأول لأن الجرائم تبدأ من هذه الأفعال
٥.. تفعيل لجان من علماء متخصصين لحالات مرضى«وسواس الحب» لمتابعتهم بالتوعية أو العلاج قبل تفاقم المرض حد الأذى
٦.. تجديد الرقابة على ما يبث على السوشيال ميديا وغيرها من أناس غير متخصصين الا في إثارة الفتن ويصدرون فتاوى بالحلال والحرام على حسب أهوائهم
٧.. اعتبار التحرش جريمة مخلة بالشرف وتحريم كل من تسول له نفسه بتجريح المرأة والكلام عن خصوصياتها ولبسها وإصدار أحكام عليها وتحميلها الذنب .. يحب ترك النصح والإرشاد المشورة لأهلها
٨.. تنقية المنهج من الموضوعات التي تخص على العنف والكراهية والقتل كمنهج المدرسة الذي يحتوي على قصص فيها قطع رقاب هو فى الحقيقة مشتل إرهاب

_ تعريف المواطنة من وجهة نظرك وما شعارها

بداية إذا لم تذهب الدول للأمان ذهبت الدول بالأمان بمعنى بسفك الدماء لا تنمو البلاد وبانعدام الأمان لا تحكم الحكومات .
فالمواطنة هي عندما انظر إلى نفسي فأراك وعندما انظر اليك فأراني وكأننا شخص واحد وشعارها التسامح والمساواة

_هل يوجد تطابق بين الأخلاق النظرية والأخلاق العملية؟

حقيقة لا يوجد فصل تام بين مفهوم الأخلاق النظرية ومفهوم الأخلاق العملية فكلاهما مكملان لبعض فمثلا قيم الصدق والوفاء والإخلاص هي قيم نظرية تنبع من داخل أي إنسان يعيش داخل أي مجتمع ، لكن ترجمتها إلى الناحية العملية التطبيقية هي الأهم.
فما فائدة الصدق إذا لم يمارس ويؤت ثماره من بين البشر وينجم عنه المحبة والوفاء ويوثق العلاقات بين الناس ؟!

_ لا شك أن هناك أيادي تريد لأهل العفة الفساد عن طريق قلم مأجور أو إعلام مفسد موجه يستهدف شبابنا وشاباتنا وأمتنا حتى يتمكن من استضعافنا ويأتي أيضا من العربي المستغرب الذي يريد للمجتمعات أن تكون نسخة من المجتمع الذي عايشه وأعجب به والسؤال : هل من عاصم لهذا الفساد ؟

نحن أمام ثلاثة أضلاع من مثلث ، الضلع الأول هو اختيار وانتقاء ما يبث على الفضائيات وما يروجه الإعلام
الضلع التاني هو التربية قبل التعليم فاذا لم يذهب التعليم للتربية ذهبت التربية بالتعليم وهذا يتم بإقامة علاقات مع المدرسة بالزيارات الدورية والتوجيه الأسري ومراقبة الصحبة.
الضلع الثالث وهو دور الإمام المربي والموجه الذي كان يسأل ويتفقد أحوال الشباب بالتزامن مع دور الكنيسة في تفعيل المشورة والنصح والإرشاد من جهة الآباء الكهنة .
اكررها مرات ومرات الى ما لانهاية : لابد من معرفة الرأي الآخر دون قمع أو تجريح أو تقريع لاحتواء وتقريب وجهات النظر .
فلو فقد ضلع من أضلاع هذا المثلث لفقد المثلث اتزانه وكأننا ندور في حلقة مفرغة

_ لو طلبت من حضرتك تلخيص هذا الحوار في جملة أو جملتين .. ثم ضع عنوان لهذا الحوار

اذا تزاوج الانفلات الأخلاقي مع الأنانية تتوالد الجراءة وعندما يتزاوج العقل مع العاطفة ينجب اتزان نفسي والعنوان «الجريمة لا تفيد»

_ المجتمع المصري يحتاج “لجنة لتنمية الأخلاق ” هل المقصود بعمل اللجنة هنا هو تعليم الأخلاق ؟

بالتأكيد لا وألف لا .. ولكن كان الهدف من عمل اللجنة هو التواصل مع الجهات الفاعلة مثل الشرطة بطلب حسن معاملة المواطنين أو العدل بالإسراع والتعجيل بالحكم أو بالإعلام لتبني الخطابات البعيدة عن المشاحنات وانتهاك الخصوصية حتى نصل إلى أن يشعر الإنسان الذي يتعامل مع هذه الجهات بالفارق الذي يصب في مصلحته ومصلحة الوطن .
إن هذه اللجنة لها عدة مسارات، مسار ما قبل التعليم الجامعي والتعليم الجامعي ومسار قبل سن المدرسة ومسار آخر يتبع الإعلام والتليفزيون فمثلا تكون اللقاءات التليفزيونية تتحدث عن كيفية النهوض بالأخلاقيات .. فما أسوأ من “مدرسة المشاغبين ” التي جعلت الأطفال يتطاولوا على المدرسين .

هذه اللجنة ممكن نسميها لجنة “القيم والانتماء” لأن الناس تعتقد أننا سنعلمهم الأخلاق، بل سنوجه النصيحة فلا نقدم قوانين ولا أوامر نحن نطلب من الجميع الرجوع إلى أخلاق المصريين .

_ في نهاية الحوار نريد رسالة موجهة من حضرتك

نقوا أفكاركم .. طهروا قلوبكم ؛ فمن فضلة القلب تتحرك الحواس وتنتج الأفعال ، وكل ما يجول بداخلنا تفضحه عيوننا..بمعنى : كل مايزرع بداخلنا ينبت على ملامحنا ، فمثل ما يولد الفكر من العقل تولد الجرائم من الفساد ..
الله خلقنا أحرارا ومنحنا حرية الإرادة فلا تكون إرادتنا سببا في إبادتنا ..الله خلق لنا الماء فلماذا نصنع منه الخمر ؟!!
عجبا على هذه الدنيا !!
ينفقون أموالًا طائلة في تجميل أنفسهم ويعجزون عن تجميل اخلاقهم رغم أنها بالمجان . .
شيئان يحدد من أنت ، صبرك عندما لا تملك شيئًا وأخلاقك عندما تملك كل شيء
وفي النهاية..
افيقوا من غفلتكم ، اجعلوا الدين مرجعكم وتمسكوا بتعاليمه ، فالحياة زائلة أشبه بديكور من ورق اللعب، الحياة كالبخار يظهر قليلًا ثم يضمحل، اهتموا بالباقيات لا بالفانيات، لا تقلدوا ولا تنجرفوا وراء نزواتكم وشهواتكم ولا تقلدوا كل ما يعرض عليكم تقليد أعمي خذوا المفيد واضربوا عرض الحائط بما يكون سببا لوقوعكم في الشر ،
واذكركم : “شيوع الشر لا يعطي للشر شرعيته”.
أيها الإنسان: كن عظيما ودودا قبل أن تصبح عظاما ودودًا .

Related posts