بقلم: المستشار الإعلامي والسياسي خميس إسماعيل
في زمن بقت فيه الأرقام سلاح، والكلام بيتنقل أسرع من الحقيقة، لازم نقف ونسأل: هل فعلاً مصر واقفة على “18 مليار دولار”؟ ولا الصورة أكبر بكتير من كده؟
خلينا نتكلم بلغة الأرقام… مش الانفعال.
إجمالي الودائع الخليجية داخل البنك المركزي المصري يبلغ حوالي 18.3 مليار دولار، موزعة كالتالي: 10.3 مليار دولار من السعودية، و4 مليار من الكويت، و4 مليار من قطر.
وفي المقابل، يصل الاحتياطي النقدي لمصر إلى نحو 52.7 مليار دولار.
يعني ببساطة:
الاحتياطي المصري يغطي هذه الودائع حوالي 2.8 مرة كاملة.
طيب… هل ده معناه إن سحبها سهل؟
الإجابة: لا.
ولو اتسحبت فجأة؟
أكيد هيكون فيه ضغط اقتصادي، واهتزاز مؤقت في السوق، لكن مش انهيار دولة… لأن الدول الكبيرة لا تُقاس برد الفعل اللحظي، بل بقدرتها على امتصاص الصدمات.
نيجي بقى للسؤال الأهم:
هل مصر “بتاخد الفتات” زي ما بيتقال؟
الأرقام ترد:
استثمارات دول الخليج في الولايات المتحدة تتجاوز 1.1 تريليون دولار، موزعة تقريبًا إلى 456 مليار للكويت، و371 مليار للسعودية، و281 مليار للإمارات.
وفي سندات الخزانة الأمريكية وحدها: تمتلك السعودية نحو 149.5 مليار دولار، والإمارات 95.6 مليار، والكويت 66.1 مليار.
يعني إيه الكلام ده؟
يعني إن ودائع الخليج في مصر (18.3 مليار دولار) تمثل فقط حوالي 1.6% من إجمالي أموالهم في أمريكا.
لكن… هل المقارنة دي عادلة؟
الحقيقة: لا.
لأن الاستثمار في أمريكا بيكون في أكبر سوق مالي في العالم، بمخاطر أقل نسبيًا، وتنويع أوسع.
أما الاستثمار في مصر، فهو بعائد أعلى، لكنه أيضًا بمخاطرة أعلى.
يعني العلاقة مش “كرم من طرف”…
ولا “استغلال من طرف”…
دي ببساطة “حسابات مصالح”.
وهنا نجي لنقطة أخطر من كل الأرقام…
لما يتحول الدعم لمعايرة، والأرقام لسلاح ضغط، الشعوب هي اللي بتدفع التمن.
لأن الشعوب لا تنسى، ولا تغفر الإهانة بسهولة.
مصر مش دولة قامت بالأمس…
ولا اقتصادها وليد لحظة.
دي دولة عبرت آلاف السنين، وشافت ما هو أصعب من أزمات اقتصادية وودائع.
وفي نفس الوقت، دول الخليج مش خصم…
دي شريك، وداعم، وحليف استراتيجي.
العلاقة بين الطرفين أكبر من “رقم”…
وأعمق من “وديعة”.
الخلاصة:
نعم… سحب الودائع قد يسبب صدمة.
لكن لا… لن يُسقط دولة بحجم مصر.
ونعم… الخليج يمتلك استثمارات ضخمة في الخارج.
لكن لا… هذا لا يعني أن ما في مصر بلا قيمة.
الدول تُدار بالعقل…
والتحالفات تُبنى بالمصالح…
والشعوب تُحترم… لا تُعايَر.
أنا وقلمي وقهوتي
وأنا قاعد في هدوء الليل، ماسك قلمي، وبشرب قهوتي، بفكر…
في بلد مش أول مرة تتضغط… ولا آخر مرة تتحدى.
بلد علّمت الدنيا يعني إيه حضارة…
ويعني إيه صمود.
الأرقام بتتغير…
الظروف بتتقلب…
لكن الحقيقة الثابتة:
إن اللي جذوره في الأرض…
عمره ما يقع.
دي مش مجرد دولة…
دي حكاية وطن.
مش بالودايع تُقاس الدول… ولكن بالأرقام تُفهم الحقائق