إعداد الدكتــور / صــبري فـــوزي أبوحســـين
أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات
في البدء فتحت فيه منطقة كانت خافية غائمة، لا نعرفها عنه، هي النشأة: طفولةً وفتوةً، فساءلته:
أريد فيضًا عن طفولتك وصباك، ومن اكتشفك وأسسك وبناك؟! فأجاب مستدعيًا من الذاكرة: أنا أصغر أشقائي، آخر العنقود، لأسرة متوسطة الحال من مركز (دكرنس) في محافظة الدقهلية، كنت كثير النظر إلى السماء، والسؤال عن الشمس والقمر ومن صنعهما، ولماذا يسير القمر معي؟!.. أدمنت لعب الكرة وتنس الطاولة قبل دخول المدرسة وظهر نبوغي غير العادي في الحساب والأرقام حتى كان ذلك مثار إعجاب موجهي الإدارة التعليمية، في الصف الأول الابتدائي. كانت أختي الأستاذة زينات خلف مدرسة في المدرسة، دخلت مرة الفصل الذي أمتحن فيه ولطمتني بقوة، فذهلت من المفاجأة، كان السبب تسرعي في الإجابة، لأني حين طلب استخراج تاء مربوطة من الفقرة، اخترت كلمة ساعة من أعلى الورقة ( الزمن: ساعة !لم أكن من الذين يذاكرون، لكن وهبني الله بعض القدرات . مات أخي بطل كمال الأجسام المحبوب (الحسين) عن عشرين عامًا إلا ستة أيام، أمام عيني في حادثة حسد، كما قيل لي: شهيدًا.. انْهرْنا جميعًا كنت في الصف الرابع حينذاك يوم الجمعة ٢٥ أكتوبر ١٩٩١م. فأحسست أن بداخلي براكين وجع مكتوم لا يفي البكاء وحده بالتنفيس والسلوى، فبدأت الكتابة العامية المسجوعة في ذم الدنيا وغدرها، وكنت في مواضيع الإنشاء المعروفة وقتها بالتعبير أحصل على عشر درجات من عشر. بعد أربعين أخي بثلاثة أيام، ماتت أختي ليلى الجميلة الطيبة شهيدة مبطونة عن سبع وعشرين حزنًا، وتركت ولدين صغيرين. عاصفتان نالا من أبي وأمي رحمهما الله.
في المرحلة الإعدادية جاء إلى بيتنا بعض المسؤولين من نادي دكرنس لألعب كرة القدم في فريق ١٣ سنة، لم يكن أبي يرغب في انضمامي إلى الأندية ورفض كل العروض، ظننت أنه لا يريد مصلحتي، لكنه كان يشفق على صغيره من صعوبة التدريب. كنت أحلم منذ صغري بالثانوية الجوية، ولم أحاول، ودخلت الثانوي العام، وكتبت الشعر الخليلي في الصف الأول الثانوي، ونشر في مجلة المدرسة، ولا زلت أحتفظ بنسختها، كانت قصيدة وطنية على مجزوء الوافر، رافقها أخرى على الرمل، وثالثة على الكامل، وهكذا.. نال ذلك استحسان المدرسين وشجعني (الأستاذ رجب عز الدين) مدرس اللغة العربية، وأهداني كتاب الصرف والعروض الذي قرره الدكتور حماسة -رحمه الله- على طلاب الفرقة الثانية بدار العلوم، ساعدني في معرفة الحركة والساكن والتفاعيل وبعض القواعد العروضية، فنقحت ما كتبت وتركت التسكين وسطَ الكلام وكذلك الإشباع بغير ضرورة. قرأت بعض شعر نزار في الصبا وأحببت الشعر الجاهلي والعباسي.اشتركت في فرق الصحافة والمناظرة وأوائل الطلبة وكرة القدم وكنت أمينًا للاتحاد ووجهًا معتادًا في الإذاعة المدرسية. ووقت التقدم للكليات العسكرية في صيف ١٩٩٩م أصيبت قدمي في مباراة ودية ضيعت حظوظي في محاولة تحقيق حلم طفولتي. ثم تقدمت إلى مكتب التنسيق بدار العلوم رغبةً أولى فقدَّرَها الله، وذهبت إلى القاهرة وحيدًا بعيدًا عن أهلي وأصحابي لأبدأ رحلة مدهشة من الآلام والانتصارات”، فكانت رحلته مع الشعر منذ بدئه طفلاً في الإذاعة المدرسية، ومرورًا بمرحلة صباه وفتوته الإعدادية مع مدرس اللغة العربية، وانطلاقًا في كلية دار العلوم الزاخرة بالأدباء العظام الأفذاذ أمثال الدكتور محمد حماسة عبداللطيف العروض الضلعة والشاعر المنطلق، والدكتور عبدالحليم عبداللطيف أبوهمام الناقد الأدبي الكبير، والشاعر الديواني الفحل، صاحب الديوان المنسرحي الفذ، إذن عاش (أبو ديوان) مع الإبداع الشعري السامق المغاير، خلال هذه الرحلة العمرية الأولى-إن شاء الله- (وحيدًا) في رؤيته له، (بعيدًا) في إبداعه إياه، حيث كان له من اسمه كل نصيب، فهو (السيد) أي المقدم النابه صاحب السؤدد، وهو من عائلة (خلف) بكل ما تعنيه الكلمة من مغايرة وتفرد وتميز، وهو المكنى (أبا ديوان) نسبة إلى ابنه الأول-حفظه الله- الذي سماه هذا الاسم الطريف (ديوان)، الدال على عشقه الشعر فنًّا مكتوبًا منشورًا…
والعجيب أن (أبا ديوان-حفظه الله-) ليس الشيخ الهرم، بل إنه شاب دقهلاوي من جيل ثمانينيات القرن العشرين، لما يصل الثلاثين من عمره؛ إذ وُلِد يوم الاثنين الثالث والعشرين من رجب للعام ألف وأربعمائة واثنان من الهجرة، 23/7/1402هـ= 17/5/1982م، يسمى (السيد علي محمد خلف)، تعلم التعليم العام، ثم انتقل إلى مدرسة الأصالة: دار العلوم، حيث التخصص في اللغة العربية وفروعها، والعلوم الإسلامية، حيث الأقسام العلمية الشاملة للُّغة والأدب، والشريعة الإسلامية، والفلسفة، والتاريخ والحضارة، فنال درجة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة 2003م بتقدير جيد جدًّا مع مرتبة الشرف، وكان الثالث على الدفعة، ثم تخصص في قسم التاريخ والحضارة، فعين معيدًا بقسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة منذ 23/3 سنة 2004م حتى 18/ 12/ 2013م، ثم انتقل إلى درة مدرس مساعد التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة منذ 19/ 12/ 2013م حتى تاريخه؛ حيث نال درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة سنة 2013م بتقدير ممتاز، عن موضوع(عنوان الماجستير صورة مصر الحضارية في كتب الرحالة المسلمين من القرن الخامس حتى الثامن الهجريين). وهكذا قدر الله له أن يكون مؤرخًا ومصريًّا جسدًا وعقلاً، إضافة إلى شاعريته الأصيلة، ورؤيته التنظيرية البديعة…
ومن الخبرات العملية التي حصلها في محيط الجامعة خبرة في (التدريس الجامعي) ضمن الهيئة المعاونة لأعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة لمدة عشر سنوات، وخبرة في مجال (التدريب والتنمية البشرية وإدارة الوقت وإعداد المعلمين والتأهيل التربوي)، وخبرة في مجال التدقيق والتصحيح اللغوي وتحقيق المخطوطات، وخبرة في مجال التدقيق والتصحيح اللغوي وتحقيق المخطوطات، والعمل مدربًا في مجال تنمية مهارات اللغة العربية وتوظيفها لدى الإعلاميين بمعهد الإذاعة والتليفزيون من خلال عدة دورات انعقدت سنة 2014م-2019م، والعمل مدربًا بمشروع تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب تحت رعاية وزارة الشباب والرياضة في موسم صيف سنة 2006م بالقاهرة، والعمل منسقًا ومديرًا تنفيذيًّا لعدة مهرجانات شعرية وفعاليات ثقافية بعدد من المؤسسات التعليمية والجامعات المصرية ومنها كلية الهندسة جامعة بنها في العام الجامعي 2007- 2008م، والطب البيطري جامعة القاهرة 2015-2016م، وكلية التمريض جامعة القاهرة 2016-2017م. ومن ثم نال عضوية كثير من الجمعيات والمنتديات الثقافية والأدبية، وشارك في عدد من المؤتمرات العلمية، وحصل على عدة دورات ضمن الهيئة القومية لضمان الجودة والاعتماد. وقد استضيف في عدة برامج ثقافية في بعض القنوات الفضائية المصرية والعربية كقناة التعليم العالي والنيل الثقافية والفضائية المصرية والحدث وأبو ظبي والكويت. واستضيف في عدة ملتقيات وبرامج ثقافية في المحطات الإذاعية كالشباب والرياضة والقرآن الكريم.
وقد تنوعت تآليفه بين الكتب أو الأبحاث التاريخية ممثلة في (الدولة الأموية بين القيام والانهيار)، و (دولة المعز لدين الله الفاطمي)، و(أبو مسلم الخراساني (دراسة وتحقيق)، وسيرة علي الزيبق (تقديم وتعليق) وسيرة الزير سالم (تقديم وتعليق)، وألف ليلة وليلة (تقديم وتحقيق) وتاريخ الرومانيين لنجيب طراد (مراجعة وتقديم) والتقديم لدواوين شعرية، هي( ديوان أبي القاسم الشابي “أغاني الحياة” (تقديم ودراسة)، وديوان كثير عزة (تقديم ودراسة) وديوان جميل بثينة (تقديم ودراسة)، ثم كتاب (روائع الشعراء في الغزل والحب)، هذا إضافة إلى مقال (منهجية التأريخ عند الدكتور عبد الله العسكر): مقال منشور بصالون غازي الثقافي- الكتاب السابع سنة 2007م.
وللشاعر ثلاثة دواوين صدرت حديثًا، هي:
1- كلمات آخر رجل عربي (ديوان شعر) سنة 2016.
2- أعراف (ديوان شعر) سنة 2018.
3- كلام الجن (ديوان شعر) سنة 2018م. ومثلها تحت الطبع.
وقد ظهر نبوغه الشعري من خلال حصوله على عدة جوائز في مسابقات متنوعة منها جائزة مسابقة القلم الحر للإبداع العربي في دورته التاسعة 2019م(شعبة شعر الفصحى) المركز الأول على مستوى الوطن العربي. وجائزة المركز الثاني في كتابة الشعر العربي في مسابقة فؤاد طمان الشعرية تحت رعاية مؤسسة أخبار اليوم سنة 2006م. و جائزة المركز الثاني في الشعر العربي من المجلس الأعلى للثقافة بجمهورية مصر العربية في موسم ثقافي سنة 2008م، وجائزة جماعة الشعر بكلية دار العلوم في أكثر من موسم ثقافي.
و(أبوديوان) يلقب نفسه بالسلطان: سلطان الكلام، وشاعر الثقلين، ومارد وادي عبقر، والشيخ الرئيس المجدد، ويُعرَّف عند جمهرة المثقفين برائد مدرسة الجن. وقد تابعه جيل من الشباب الأصيل المثقف الواعي، الذين عددهم ووصفهم الباحث الجِنِّي عمرو الزيات بقوله: “كذلك صاحبنا أبو ديوان هو وحده – في رأينا – يمثل مدرسة الجن إبداعا ونقدا وجهدا ؛ رغم وجود مردة النثر ومردة الشعر، نذكر منهم ولي العهد ركن المدرسة الركين محمد ناجي، وسفير الجن بمدن القناة الشاعر على أحمد، وأمير السرد صنو نجيب محفوظ د. سيد شعبان، والأستاذ حمادة عبد الونيس، والأستاذ أحمد ركابي هريدي , وغيرهم كثير، أقول : يظل السيد خلف وحده مترجمًا عن مدرسة الجن وهو عنوانها، كما هو الحال مع العقاد ومريديه وتلاميذه”
ويقول الناقد محمد الشحات محمد:” ظهرت منذ خمس سنوات تقريبًا هذه المدرسة بريادة د. السيد خلف أبو ديوان (السلطان) وضمت “مردة في الشعر والنقد والسرد ، منهم الناقد الفذ عمرو الزيات (الوزير) ، د. سيد شعبان ، علي أحمد ، محمد ناجي ، وغيرهم ، حيث “اكتفت بالشدو على الوزن العروضي؛ سيما الصعب والمهمل من بحور الشعر العربي، فما كان الشعر تهريف مدع، تجدها والناس في سؤل من أين أتى هؤلاء؟ أحقا هم جن؟ أم تراهم يوحى إليهم من وادي عبقر؟ بل هي الحياة تبحث عن طاقة نور في حنادس الثقافة والأدعياء المعجبين بنفسهم والمتهاوين في تقليد مميت”، وحول مدرسة الجن يقول مؤسسها الدكتور السيد خلف:“يتساءلون أين هي؟ وما يدري القوم بحديث ملء الأسماع وموضع الأفئدة تبدع في زحف وتشدو في محفل البيان إن في إذاعة أو في صحافة. نرجوها بعثا فنيا يشمل العرب جميعا، نأتلف في معزوفة الحرف العربي، نذر التشظي والتفرق ونبحث عما يؤلف للعرب جديلة تزهو بها الأجيال القادمة.”
فالغاية من مدرسة الجن يتمثل في حالة إبداعية عالية، وحالة مبدعين مجيدين مغمورين، وأكاد أجاهر مع أمير الشعراء شوقي قائلا:
عَسى تأتونَنَا بمعلقاتٍ نروحُ على القديمِ بها نُدِلُّ
لعلّ مواهباً خِفيتْ وضاعَتْ تُذاعُ على يَدَيْكم تُسْتغَلُّ
(رائد مدرسة الجن الشعرية السيد خلف أبوديوان)(2)