الصمت

الصمت”

بقلم 

د/عبد الحكيم  العبسي

يقولون إن الصمت لغة العظماء، وهو صمت فى ظاهره لكن في جوهره ضوضاء يغلي قد يكون هروباً من واقع لا يطاق وفيه الكثير من النوايا، وقد يكون الصمت رسالة موجهة، وقد يكون جواب، وربما هو شيء من العتاب.
جميعنا نهوى الصمت ونغرق فى بحوره، فهو ذلك الصديق الخفي الذى نلجأ إليه كلما ضاق بنا الحال وعجزنا عن البوح والكلام.
قد نصمت قهراً، نصمت حزناً، خوفاً، نصمت ظلماً، غضباً، نصمت ضعفاً، قد نصمت حباً، عشقاً، شوقاً، وحنيناً.
فإصمت إن لم تكن رابحاً فلست بخاسر، أصمت وإن اجبرتك الظروف على الصمت فكن كسكون الليل، فسلاماً على صمتنا حين يؤلمنا شيء.
فالصمت في لحظات الضياع هو وجهتك التي لا يمكن أن تُخطئها، في لحظات الصمت هو المُستمع إليك دون أن تخاف وترتبك، وهو الأمان في لحظات الخوف الذي لا يزول، وفي لحظات اليأس هو الأمل الذي لا ينقطع.

الصمت هو نور
ينير بنوره قلوبنا المعتمة، يفتح لنا ألف طريق في سبيل العودة إليه… فقد نعصيه مراراً وتكراراً ومع ذلك يقبل استغفارنا الدائم وإلحاحنا في التوبة.

ألم يحِن الوقت لأن نخطو خطوات واثقة بالتوجه نحوه… ألم يحن الوقت لأن نعترف لأنفسنا أن الوجهة التي لا يمكن أن نُخطئها هو الاتجاه نحوه… ألم يحن الوقت لأن نكُفّ عن وضع المسوغات كعثرات في طرقاتنا لنلتهي فننسى أن الدنيا فانية وأن طريقنا أوشك على الإنتهاء وما استعددنا للنهاية هذا الطريق الوعر جيداً.
تمر عليا لحظات أكتفي بالصمت والنظر لتصرفات من كانوا بجانبي يوماً ما وتغيروا، بعدها تاتي القناعة بان كل شي وارد حدوثه واعود للضحك وتمضية يومي وكأنه لم يكن.

وإذا كان ‏العتاب دليل المحبة فإن الصمت فهو بداية نهايتها لا تحزن من شخص يعاتبك لأنه أحبك بصدق لكن إحزن عندما يقرر الصمت فلا تحاول إثارة الصامتين، فداخلهم ضجيج مكبوت فإن تحدثوا ندمت على استفزازهم، وإذا رأيت شخصاً يطيل الصمت، ويهرب من الناس، اقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة.
وعندما لا تقتنع بكلام الآخرين يكون الصمت احتراماً، وعندما يتجاهلك عزيز يكون الصمت ألماً، وعندما يتلفظون بكلمات جارحه يكون الصمت قوة، وعندما يفارقك أحب الناس إليك يكون الصمت حزناً.
فالصمت لا يعني دائماً عدم القدرة على الرد وإنما هو البعد عن التفاهات المطروحةحينما لا ترى جدوى من الحديث.

فقد كنت أعتقد يا صديقي أن العزلة مميتة لكني تغيرت ونضجت كثيراً، تعلمت أن الصمت أفضل من رد بارد يقتل، وأن العزلة رغم مرارتها أحن ممن لا يشعر بك أحد، وأن الوعود كثيرة والأعذار كاذبة، وأن الكلمات لم تعد تؤثر بي وتبهرني، وحدها المواقف والأفعال من تقوم بذلك، ولا طاقة لي بخيبة أخرى، وأن نفسي أولى بي منهم، أذهب إلى عزلتي لأعالج ألمي، وأرمم روحي من خراب البشر وأعود للحياة بقوة.

كم نحن بحاجة إلى الإنصات أكثر من الكلام وإلى التشجيع أكثر من النقد وإلى المواقف أكثر من الكلمات وإلى الإبتسامة أكثر من العَبرات وإلى الإصلاح أكثر من بث المشاحنات نحن بحاجة إلى صفاء الجوهر أكثر من أناقة المظهر، بحاجة لأن نفهم بعضنا أكثر من أن نلوم بعضنا، وأن نشعر بمن حولنا أكثر من أن نؤنّب من حولنا، بحاجة نحن إلى نظرة مستقبلية ثاقبة، ولسنا بحاجة لنظرة ماضية يائسة، بحاجة إلى قلب يُملئ أيماناً وقناعة وفي غنى تمام عن قلب يُملئ هموماً وتعاسة.
على الرغم من أنه يوحد بداخلنا أشياء كثيرة نود البوح بها ونعجز، نتمنى كثيراً أن يلمحها أحدهم على ملامحنا دون الحاجة لنا لقولها، نتمنى أحياناً لو أن شخص يستطيع فك شفرة ما نخفيه وما نحمله بأعماقنا، متعبون جداً من هذا الطريق الذي نسلكهُ بمفردنا، متعبون من ملاحقة أحلام تأبى أن تنظر لوجوهنا حتى، متعبون من معاناتنا الداخلية التي لا يلاحظها أحد، نتمنى أن ينتهي حقاً كل شيء ونستيقظ ذات صباح وقد تحققت كل الأماني، نتمنى أن نجد في آخر المطاف الطمأنينة التي لطالما بحثنا عنها، نعلم لا شيء يستمر على حاله لكننا لم نعد نستطيع تحمل ما يفوق قدرتنا، لم نعد نملك الطاقة الكافية لنبدأ مع أشخاص جدد بعدما خذلنا أغلب من وثقنا بهم، ليست لدينا الطاقة لنختار طريقاً آخر بعدما قطعنا مسافات طويلة في هذا الإتجاه، لا شيء بوسعنا قوله سوى أن كل هذا من عند الله وأنه سيعوضنا بوماً عن كل هذا التعب.
لا تهد من روع الأرواح المتعبة إلا من يشعر أن شوكة في قدمه كأنها سِكين في قلبه، وتفاصيلها الصغيرة هي أكبر انشغالاته، وأتفه اهتماماتها هي من أولوياته حتى زواياها المهجورة هي محورة ومركزة، لا تصدق محب في حبه حتى ترى الدمع يسيل من عينيه قبل أن يسقط على خد من يُحِب، لا يُطيب خاطر مكسور ويشفي روحاً عليلة إلا روح تبعث الأمان فيها وتملأها سعادة وراحة أبدية..فيكون الحزن واحد لكنه محمول بقلبين.

وما أقسى بعض البشر في حكمهم عليك وفي إسلوبهم قد يرى البعض أن التسامح انكسار، وأن الصمت هزيمة، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج قوة أكبر من الإنتقام، وأن الصمت أقوى من أي كلام.

د.عبدالحكيم عبدالجبار العبسي

Related posts