الاهمال الطبى فى المستشفيات المصرية

بقلم : عزة محمد
لمهنة الطب قدسية لا حد لها، فهي مهنة علمية، إنسانية وأخلاقية، تتطلب فيمن يمارسها التمكن العلمي والفني، وأن يكون رحيماً بالناس قادراً على بذل أقصى ما عنده لرفع المعاناة عنهم. ومن مقتضيات ممارسة هذه المهنة أن يتمتع الطبيب بقدر كبير من الحرية والاطمئنان بما يمكنه من مباشرة عمله بثبات وثقة،

فيمهد له ذلك سبيل اكتساب الخبرة وزيادة المهارة. وحياة الإنسان سواء كان سليماً أو مريضاً، وسلامة بدنه تعد من أهم الحقوق التي حرصت التشريعات المختلفة على حمايتها، بتحديد عقوبات زاجرة لكل من اعتدى عليها بقصد أو بخطأ. وعليه فإن علاقة الطبيب بالمريض هي علاقة إنسانية وقانونية، توجب على الطبيب بذل العناية اللازمة لحفظ حياة المريض وسلامة جسمه، وقوام هذه العناية هي تلك الجهود الصادقة المخلصة، المحفوفة باليقظة والانتباه، التي يجب أن تكون متفقة مع الأصول والقواعد العلمية الثابتة.
داخل أروقة المستشفيات، قصص وحكايات عن الموت، وداع وصرخات واتهامات بالتقصير، لذا أصبح مصطلح الموت الجيد «good death»، يتربع على عرش المؤسسات الصحية، يسود مستشفيات المؤسسات الحكومية بالشرقية الإهمال ونقص الخدمات والإمكانيات العلاجية، الأمر الذى أدى إلى نفور المريض منها والبحث عن مستشفيات أخرى للعلاج بعد أن كانت هذه المستشفيات هى البديل الأمثل عن المستشفيات الخاصة من حيث الخدمات والرعاية الصحية وبسعر بسيط ولكنها أصبحت الآن مهجورة، فالناس يرددون شعار «الداخل مفقود والخارج مولود» عن مستشفى «الزقازيق» الجامعى، الذى يقوم بالتردد عليه العديد من محافظات الوجه الشرقي الشرقيه والمنصورة وغيرهم ، ويوجد به العديد من حالات الإهمال الطبى، من حيث قلة الإمكانيات الطبية والعلاجية حتى تعقيم غرف العمليات، حيث إنه من الضرورى توفير كافة السبل العلاجية وأن تدعمه الدولة وخدمة المريض، وتوفير المستلزمات الطبية.
رغم أن الإهمال الطبى فى مصر ليس بالأمر الحديث أو الغريب على مجتمعنا إلا أنه فيما مضى كان غالبا ما ينحصر فى بعض المستشفيات الحكومية والمؤسسات الصحية التابعة للدوله وكثيرا ما رأينا وسمعنا عن مآسى لأشخاص قتلوا عمدا نتيجه لإهمال طبى جسيم فى بعض مستشفيات التأمين أو غيرها.

ولكن ولأن العقاب دوما لا يكون رادعا بالقدر الذى يحد من تكرار تلك الأفعال ولأننا ايضا تعودنا وتأقلمت مسامعنا على تبريرات السادة الوزراء والمسئولين حول ضعف الامكانيات وصعوبة الأجواء والظروف التى يعمل بها الأطباء وقلة الموارد.

ولأننا أيضا شعب متدين بطبعه يؤمن جدا بأن الأعمار بيد الله ويستسلم جدا لمقولة الأطباء الشهيرة “عملنا اللى علينا والباقى على ربنا”، فدائما وابدا يبقى الوضع كما هو عليه.

وقد يتم لفت نظر الطبيب أو توجيه اللوم له او الشطب على أقصى تقدير او حتى لو وصلت للمحاكمه فغالبا لا يستطيع أهل المرضى إثبات شئ من الإهمال المستتر خلف أوراق “مضروبه” أو اقوال زور أو شهادات مكتومة أو إقرار سئ السمعة بتوقيع إجبارى عن إخلاء مسئولية الأطباء قبل إجراء أى جراحة.
صحيح أن الأعمار بيدالله حقا وقولا، ولكن الله لم يأمرنا أبدا بالتخاذل مع من أهملوا فكانوا سببا فى ضياع فلذات أكبادنا من بين أيدينا او كانوا سببا فى غياب آباء وأمهات عن أحضان ابنائهم وبناتهم.

الله لم يأمرنا أبدا أن نتركهم يعبثون بأعمار البشر ونقول قضاء وقدر.. الله لم يأمرنا إلا بكل ما فيه خير وصلاح للفرد وللمجتمع، لذا كان لزاما علينا عدم السكوت والقنوع بأن كل ما يحدث من إهمال يندرج تحت بند “قضاء وقدر”!

ما اتحدث عنه اليوم يا سادة هو الإهمال الجسيم فى المستشفيات الخاصة الفاخرة ذات “الخمس نجوم” ومن أطباء أسمائهم رنانة يعرفهم القاصى والدانى، ولهم شهره تفوق أحيانا شهرة الفنانين احيانا !!. نعم يحدث الآن فى مصر!

فعدوى الإهمال واللامبالاة انتقلت من مستشقيات الحكومة إلى تلك المنتجعات العلاجية التى من المفترض أن يحظى فيها المريض بكل أشكال الرعاية والاهتمام.. ولما لا وقد أيقن ملاك تلك المستشفيات الاستثماريه الهادفة للربح “فقط”.

إن كل الأبواب مفتوحه وكل الطرق ممهدة للربح بأى وسيلة ومن دون رقيب رادع ولأن دائما وأبدا علمتنا الحياة أن
“من آمن العقاب أساء الأدب”، فقد أساءوا إلى كل شئ إلى أنفسهم وإلى مجتمعهم وإلى مهنتهم بأن اتخذوا من أقدار وأعمار المواطنين سلعة تباع وتشترى ويقبضون أتعابهم مقابل قتل ابنائنا بأيديهم أو بأيدى إهمالهم الجسيم!!

اليوم أتحدث عن حاله بدأت تأخذ منحى “حالة عامة” من كثرة ما نسمع الآن عن مآسى تحدث فى أكبر المستشفيات الخاصة ومن أكبر الأطباء.
تقوم وزارة الصحة بالمشاركة مع نقابة الأطباء ومنظمة الصحة العالمية بتحديد مستويات للخطأ الطبي في كل مرحلة من مراحل تقديم الخدمة ومستوي الضرر الناتج عنها والعقوبة المناسبة. ويجب أن تتدرج العقوبات تبعا لنوع الخطأ ومدى الضرر الذي لحق بالمريض بحيث تزيد من درجة الاهتمام والجودة وتقلل نسب الأخطاء وتضع عقوبات رادعة للمهمل والمخطئ وعقوبة للمنشأة الطبية التي يحدث بها الخطأ.

بحيث نضمن أن يكون نظام المحاسبة/العقاب محكوم بقواعد معلنة وبأطر تنفيذية لا علاقة لها بميول مدير المنشأة الصحية المزاجية والشخصية، بل يجب ضمان تمتعها بدرجة استقلال كبيرة لمنعها من أن تكون تحت تأثير سلبي من أي طرف داخل الوحدة الصحية وخارجها تؤثر على صلاحيات عملها، وأن يكون نظام المحاسبة ليس مبنيا على أساس العقاب للطبيب فحسب، بل بنية تحديد وتحليل الأخطاء الطبية محاولة للارتقاء بالنظام الصحي في مصر. ولكي يتم ذلك تقترح الورقة تطبيق التقييم والرقابة على ثلاث مستويات، يقيس الأول المستوى المهني الطبي والتمريضي، والثاني النظام الإداري والمالي، أما الثالث فيقيس المستوى الإنساني وحسن معاملة المرضى بهدف عدم اقتصار الخطأ على الطبيب وحده، ولكن أيضا على ظروف المنشأة الصحية التي ترجع إلى إدارتها.
وتعد وقائع الإهمال الطبى، من الوقائع التى يصعب اكتشافها وإثبات الجريمة على الطبيب أو المستشفى الصادر ضدهم البلاغ، حيث إن تقرير الطب الشرعى هو العامل الوحيد المحرك لتلك القضايا، وبنسبة 80% يفشل فى تحديد سبب الوفاة وينسبها أنها نتيجة مضاعفات للعملية التى تم إجرائها.

Related posts