تونس/بقلم البشير الجلجلي
وأنا أفتح حاسوبي في الرابع من رمضان سنة 1441 هجريا الموافق لـ 26 أفريل سنة 2020 ميلاديا أو الموافق لـ 3 أشهر و27 يوما من الكوفيد -19 في العالم و شهر و26 يوما في تونس حسب التقويم الكورونيّ المستجدّ ، أجد صديقي الكاتب محمد صالح مجيد يشرّفني بالتّحدي للكتابة حول أيّام الحجر الصحّي مشيرا إلى عشقي لأنهج تونس العاصمة نهارا قبل رمضان ، و ليلا في شهر رمضان…
نعم – صديقي- لقد انزعجت به خبرا مخبّرا في وسائل الإعلام أنّ الحياة لا تكون إلاّ في أركان البيوتات …وأن الشّارع هو خطر وغول علينا تجنّبه….وقتها فهمت أنّ الإنسان لم يعد مدنيّا بطبعه ….فلا سلام و لا مصافحة ولا مقاهي ولا ملتقيات ولا محاضرات ولا جميلات…فكيف لي الاحتمال…؟ وأنا الذي تعوّدت الحجّ إلى شارع بورقيبة ومقهى باريس يوميا أسرّح النّظر في الشّجر والبشر …والأسلاك التي أصبحت تعيقني أحيانا فأتعثر في أهمّ شارع بعد الثورة…وقتها يقول لي أبو أمين البجاوي ” تونس ماكنتشي هكا”…تذكرت كيف لم تكن تعجبنا الشوارع وبعض المحاضرات الاخوانية فينقذني رضا بن صالح بمهاتفة تحثني أن أسرع الخطى إلى مقهى الدينار أو قهوة تونس أو قهوة الصفصاف لنرسم مشروعا ثقافيا أو محاضرة أو رحلة إلى الجنوب أو الشّمال لنعدّل ميزان النّقد …أو ربما أعتذر له لانشغالي بإنجاز الدورة التاسعة للمهرجان العربي البشير التلمودي التي تنظمه جمعيّة أقلام الأدبية بجميع أعضائها( صاحب النص وعمر السعيدي وما جدة الظاهري ومحمد يليغ التركي ونورا الورتاني وبلقاسم الهمامي) ، تحضيرا لتكريم الشاعر صاحب الوصيّة محمد الصغير أولاد أحمد …وقتها عينت سمير بن علي رئيسا للجنة القصّة صحبة عمر السعيدي وزياد خدّاش الفلسطيني …وقبل اللّقاء قررنا التقهوج فهاتفني سائلا عن مكان وجودي قلت له ونحن سنة 2015 “نتقابل بحذا الصنبة”….قهقه سمير وقال لي ” نعم بجانبها ….لقد أزيلت منذ ربع قرن”….وبعدها بسنتين تحققت نبوءتي وعادت الصنبة تسرّح النظر في الشارع الكبير….
نعم سبحت في حلمي وتذكّرت رحلة المحاضرات في معرض تونس للكتاب بشارع بورقيبة أو في معرض تونس الدّولي للكتاب بالكرم أو في شهر رمضان تلبية لدعوة الشاعر منير الوسلاتي …أو محاضراتي في السليمانية وبيت الشّعر والطّاهر الحدّاد ودار الثقافة بوليمان وابن رشيق وابن زيدون و ابن خلدون وحي الخضراء وأريانة وقبة النحاس واتّحاد الكتّاب ونادي القصة بالورديّة والكتّاب الأحرار وفي الماتلين وسوسة وقابس وقفصة وصفاقس وغيرها من المدن والفضاءات…أجدني أسامر نقدا جديدا تفاعليا كاسرا خشبة المسرح على شكل مسرح براشت الألماني …لتعميق التّفاعل بين الجمهور و الناقد الكاتب تماشيا مع شهر رمضان….
نعم…كيف أترك هذا كلّه…وأغلق غرفتي وأراقب السيدة المحترمة “ك” وهي تعبث بالعالم وتسجن 8 مليارات نسمة في بيوتهم…تعجبت من هذه السيدة الحديديّة وتحكمها في العالم …ضاربة عرض الحائط العولمة والرأسماليّة والتطوّر التكنولوجي …وكأنّها تضع الإنسان الحديث أمام زيف حضارته فلم يعرف بعدُ نفسه …فقد طوّر كلّ شيء إلاّ معرفته بنفسه …وهو ما خلق قِيما جديدة و هُويات مختلفة…شبان يعوّلون على أنفسهم بعدما أوهمتهم حكوماتهم لعقود بقوّة الآخر، فبان ضعف القويّ وبدأ الشبان يخترعون ولا يعوّلون على حضارة ما وراء البحار…نعم خَلَت الشوارع والمزارع والمصانع والمدارس والجامعات والبرلمانات…في عطلة خدمت الطبيعة والفضاء…فقد تقلص التلوّث إلى النصف وقارب ثقب الأوزون أن يُرتق… وجعلت العائلة تتحاور وتتعرّف إلى بعضها …فاكتشف الأب ابنه والأمّ ابنتها والزّوجة زوجها…وهي نِعَمُ الكورونا التي لم نقدرها سابقا… فلا يمكن ونحن نرصد هذه الحرب البيولوجية الجرثومية لإحكام السيطرة على الإنسان أن نتغافل عن العنصر الأساسي فيها وهو رأس المال الذي غدا القوّة الضاربة بتحويل الإنسان عبدا للآلة بعدما كان سيدا على الطبيعة بترييضها بعبارة ديكارت…هذه الآلة الجهنّمية خلعت من الإنسان صاحب القرار أهم عنصر فيه وهو القلب أو الشعور على قول أبي القاسم الشّابي التّونسي “عشْ للشعور وبالشّعور” ، فانفصم الإنسان المعاصر وتباعدت المسافات بينه وبين ذاته…ولم يعد إليها إلاّ نتيجة الخوف من الموت أو الجوع …فعادت بعض أخلاقه …في الحيّ والأسرة تقاسما لرغيف خبز رغم التّلهف عليه في المغازات الكبرى في جميع أصقاع العالم ….فسوّت الكورونا بين المجتمعات المتحضرة وغير المتحضّرة حسب تقسيم الأقوياء ….وعاد الإنسان إلى الفِطرة…فِطرة الغذاء كما أشار إلى ذلك “ابن مسكويه” في كتابه” تهذيب الأخلاق” يقول:”قد قلنا فيما تقدّم أنّ أوّل قوّة تظهر في الإنسان وأوّل ما يتكوّن هي القوّة التي يشتاق بها إلى الغذاء الذي هو سبب كونه حيّا”.
وأنا أحاول فهم صديقتي الكورونا التي جعلتني أكتشف أبنائي وعائلتي وحرقة أصدقائي وشكوى الأحبة من فقدان مواعيدهم المقدّسة ، أجدني ألعنها مع اللاعنين لأنّها تأتي بلا موعد فتفرّق بين الوالد وأبنائه والأمّ وفلذة كبدها…حمدت الله أن أمّي خُميسة غادرت إلى وجه الله …وإلاّ كيف أحبس دموعها على أبنائها وهم محبوسون في منازلهم…وعن أبي المنفلت دوما من الرّقابة…وتمنّيـت حضنها ولو ليلة قبل أن أخرج كل يوم لمواجهة الكورونا بحثا عن رغيف خبز قد لا أعود بعده أمام خبّاز هو الباي إبّان الدّولة المراديّة…فأراها توصي وتُعيد وتنصح وتتفقد وتنظر في احمرار عين وانتفاخ وجنة ، فتُعدّ الشاي وتثنّيه بالتيزانا والحشائش…أفقت من حلمي وحاولت تأويله…فقال لي” س.فرويد” : إن الأطبّاء يقولون برأي معاكس جذريّا لرأي الفلاسفة ، فالحلم ينجم عن إثارات جسميّة وحسيّة تأتي إلى النائم من العالم الخارجيّ ومن أعضائه الداخلية على حدّ سواء…فكيف سيفهمون الحلم والكورونا عصيّة عليهم…ابحث عن الحلم لدى غير العارفين بالطّبّ…فهو ثلاث فئات خلاصتها أنّه” ثمّة علاقة سرّية وضروريّة بين الطابع المبهم واللاّمفهوم للحلم وبين المقاومة التي تواجه كلّ محاولة لبيان فكرته الكامنة”. أمعنت النّظر في ترجمة ” ج .طرابيشي” التي أرهقتني وحاولت تفسير حلمي …فبان واضحا أنّ الوالدة هي تونس وهي تحنو علينا خوفا وجزعا…وهو الوطن العربي مكمن عزّتنا والواو الصغرى الضائعة منّا وهي كامنة فينا.
ماذا أصنع صديقي محمد صالح وفكري مداه الشارع والوجوه…؟ ماذا أصنع بكتابة دون وجوه…ولو كانت أقنعة…؟ أحبكم أصدقائي بوجوهكم وأقنعتكم…وعليّ أن أكتشف لوحدي من خلال إشارة أو إعادة أو هفوة الأصيل من الزائف…قهوتي في لافيات مقدّسة وفي شارع بورقيبة كتاب سماويّ لا كفر به…أين أخطّ كتاباتي وركني في شارع بورقيبة خال…؟
قررت ألاّ أموت يوم الأحد ولا الاثنين ولا الثلاثاء ولا الأربعاء ولا الخميس ولا الجمعة ولا السبت …كما قررتَ أنت شقيقي محمد صالح في نصّك الطريف الذي قرأته لي بالمقهى المقابل لنزل أفريقيا بعد ملتقى محمد العروسي المطوي بمدينة الثقافة…وقد شاركنا الشيخ رضا بن صالح لذة الاستماع والبلاغة…
وأنا أتذكّر ما خلا من مغامرات النّقد والحياة والتّمتع برائحة المدينة العربي وأزقتها الضيقة وأصالة المعمار والأعمدة الرّخاميّة في فندق العطّارين وقهوة العَلي و قهوة المدينة والكراسي الخشبية القديمة ورائحة القهوة العربي والززوة والحصير ونقش النّقاشين على النّحاس والباب والخوخة و مكتبة العطّارين بتاريخها العثماني وأصلها السّجني وتحريرها للكتاب وصوت الباعة واحتكاك المارّة حدّ العناق … وصولا إلى جامع الزيتونة المعمور وترتيل القرآن… أجدني بعد هذا أمرّ في هذه الشوارع عبر الذكريات فأرسمها في ورقي وأمشيها بحبري ، أمّا أصدقائي وخلاني فوجدتهم في شخصيات أعمالهم القصصية والرّوائية …أحدّثهم وأتفاعل معهم …أشكوهم تشابه الأيّام والأشهر …فأسأل ابني محمد أمير عن اليوم ورنيم ابنتي عن الشهر وأبي البعيد الذي آثر الطبيعة عن الأشهر الهجريّة التي ضاع تقويمها بتشابه الأيّام في ذهن ناقد كان يلتقط مادته من شارع ولهجة وموقف وابتسامة وشكوى…وحكاية الميكانيكي وصاحب التاكسي وبائع اللّبن ونادل المقهى والإسكافي العيّاري بشارع الحرية بجانب محطّة الجمهورية ، وحمَامات الرّجل النّصف بعبارة عمر السعيدي، الجاثم الواقف الواثق بجانب جامع الفتح… الذي أعارني تحّدي القلم وحريته ، وبائعات الملسوقة و اللّيموناظة بسيدي البحري وروحهن الفكهة رغم ضنك العيش…كيف يغيب هؤلاء عن وجه أوراقي وهم حبرها…كيف؟؟ كيف انسى رحلاتي مع الصديق عمر السعيدي الى ابن زيدون أو ابن رشيق أو الدندان وتوقفنا بمحطة باب الخضراء قرب قوسها لنشرب الليموناظة والفراولة زمن الربيع والبرتقال صيفا وخريفا…وفي الطريق يحدثني عن قصصه وشخصياته فنضحك ونتناقش ونترافع….وهذا دأبنا مساءات السبت حتى تلتقي الخلان والأصدقاء …..ويعد خروجنا من دار الثقافة نتقهوج مع محمد بليغ التركي والهادي الخضراوي ومحمد الطاهر السعيدي وكريم مباركي وغيرهم لندلف راجعين إلى خزندار…وفي عقولنا فكر وأدب في نوادي أشرفت عليها لسنوات أو قادها عمر السعيدي شيخ الأدباء….
لم أعرْ اهتماما للسيدة المتجبّرة “ك” و هي تعصف بالأرواح بلمس أو عطاس أو اقتراب ، فمنذ الأيام الأولى للحجر تحديتها وتسابقت معها بـ 5مقالات فكرية مطوّلة بالجريدة المصرية الالكترونيّة والورقيّة “أخبار العالم “…فسابقتها وبيّنت ضعفها حينا وقوّتها أحيانا ضمانا للعدل …وأنصفتها في مقال أظهرت فيه مزاياها وختمت سلسلة مقالاتي بإعلان الحبّ زمن الكورونا…فتقهقرت ..أمام قلمي…
أستفيق صباحا أفتح كتابا اخترته ….ثم أصحب شخصياته في رحلة إلى شارع بورقيبة والمدينة العربي فنعيش الورق والطريق….ثم أدخل مكتبي مع الثالثة سائحا بين الرّفوف حتى آذان المغرب…وبعد صلاة العشاء وبعض ركعات التّراويح حسب السنّة لمن قدرها…أدخل مكتبي حتى موعد السّحور…في رحلة جديدة مع أصدقائي الكتّاب …من تركية وأمريكا وروسيا وأفريقيا والعالم العربي بشامه وحجازه ومغربه ومشرقه…رواية وقصة ونقدا وشعرا وفلسفة وووو…وحياة…فاذا بـ”التّقارير التّونسيّة المهرّبة ” أجدها في إيطاليا مع الوفد الطبيّ التونسي عبر رحلة كتابي ” العجائبي”… فإيطاليا قد نهشتها الكورونا، عذرا صديقي أحمد القاسمي…فـ”الرجل الذي نهشته الكلاب” استسلم ” إلى صندوق العجب وكهب علي بابا”…
لقد عاش العالم -صديقي-جنازة كبرى بخلوّ الأرض من سكّانها، حتى وصلت بهم اللاإنسانيّة إلى دعوة إيطاليا الطّاقم الطبيّ بعدم استقبال العجائز والشيوخ و لا ترغب أمريكا، بلاد حقوق الإنسان ومبادئ ويلسون، في مداواة الأطفال المتوحدّين …وربّما في زمن قريب تُغلق المستشفيات …لاكتشافهم أنّ السيّدة “ك” لم تعد ترغب في مواصلة رحلتها الجهنّمية ، فقد ملّت المشي وحيدة على هذه الأرض. وهي التي كانت تتمتع برحلات العشّاق في شوارع العالم والحبيب يقول لحبيبته: ” أعدّي لي الأرضَ كي أستريحَ…فإني أحبّك حتّى التّعبْ…” .لا تخفْ يا ابن حوريّة فالعالم وإن وجد نفسه في المجهول كما قلت لي ذات منّوبة ” الذّاهب إلى المجهول هو الذي يبقى”، فإنّ الحبّ الذي غزا العالم بسبب الخوف من السيّدة “ك” والعلم الذي بدأ يستجيب لعقول الشعوب المستضعفة ، سيغيّران الخريطة الجيوسياسية ما بعد زمن كورونا…يقيني بعد رحلتي مع السيدة “ك”، أنّني اكتشفت الدّواء وسأخبركم به…هو دواء الحبّ والأمل والثّقة في النفس والله.
فكيف لي أن أحقد على السيّدة “ك” وقد لملمت مشاريع لم أقدرها منذ سنوات ، وصديقي فتحي بن معمر يحثّني كل يوم على العمل والمشاركة في ملتقى ألق للقصّة…يهاتفني ويحاسبني …ويسأل هل تكاسلت ويحثّني على الصعود إلى القمر لأفتكّ نوره وأصبّه في جيب كلماتي …
شكرا لكِ السيّدة “ك” ، لقد أدّيت واجبك ولقّنت العالم درسا في القناعة وحبّ الحياة لن ينساه أبدا. فرغم ضيق العيش وعدم اقتناعنا به أصبحنا نأمل أن يُعاد إلينا ولو برهة في مقهى صغير أو شارع ضيّق أو حبيبة متنمّرة لا يعجبها أيّ شيء أو لقاء أدبيّ اخوانيّ يسترجِع فيه الإنسانُ مدنيته… فلا مجال للشّجع والطّمع والتّناحر… وآن الأوان أنْ ترحلي …فقد تربّى الإنسان….مرة أخرى نظاما ونظافة والتزاما ما عجزت عنه الحكومات لقرون…وإن عاد إلى غيّه فأمهليه قرنا وعودي حاكمة للعالم من جديد…
في الختام أدعو الأديب فتحي بن معمر رجل المغارات المعتكف بطبعه أن يرسم رحلة الاعتكاف الإجباري في ورقاته المتصوّفة…
الناقد البشير الجلجلي
السيدة “ك” ونعمها على البشرية