رمضــان الــــذي كـــان

رمضــان الــــذي كـــان (2)

بقلم / دكتور : أحــمـد مـصــطــفى
كاتب وناقد وباحث في الادب العربي

لقد ازدحمت ساحة المسجد بالشباب والشيوخ ، منهم من أرهقه الصيام فنام ،ومنهم من جاء ليستمتع بهواء المسجد المريح ، وعادة كنت أجد لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كنت مع من يتخذ ركنا لقراءة القرآن ،فإذا احتاج الجسم لقسط من النوم لابأس .
مازلت أشاهدُ مسجد العمري وأعيد النظر لأركانه العامرة ودوراته الواسعة وخزان مائه العميق ،الذي تحوطه ماسورة ضخمة ،كثيرا ما كنا نتعلق بها ونلعب ،كافراد السيرك،وأتذكرُ وجوهاً رحلت،وذكريات يعلوها الغبار، وأصوات العمال زاجرة الأطفال الذين يعبثون بأروقة المسجد، أتذكرُ حجرة سلم المسجد وشكله الحلزوني، وارتفاعه الذي يشعرك بأنك تشاهد العالم من فوقه،كنا نصعد خلسة وعندما يمرّ الأمر بلطف، كنا نعاود الصعود مرات ومرات ، ندلف من الباب شبه السري باتجاه الشارع .. ونعود مع آذان العصر،وقد امتلأت ساحة مسجد العمري بالمصليين كبارا وصغارا،ولم يبق الوضوء من درن النائم شيء، ركعتان خفيفتان بين الآذان والإقامة، ثم صلاة الجماعة .
ولم يكن في بلدتي – وقتها- سوى مسجد العمري ،وزاية أبي زينة ،وزاوية حجازي(البلد الآن بسبب اتساع رقعة المباني بها عدد كبير من المساجد يتجاوزالعشر بفضل الله ثم بجهود أهل الخير) مازالت تقفز في مخيلتي صورة المسجد العامرة ونقوشه الزاهية،ومئذنته الشاهقة،ولكن فكرة رمضان في بلدتي هي الاكثرقفزا في المخيلة،ربما لأنها مرحلة الطفولة البرئية التي تأتي وتأتي ولاتختفي..
ومع أخر تسليمة للشيخ (أذكر أنه كان يسلم عن يمينه فقط ،سالته مرة لماذا يامولانا لاتتم سلم الشمال ،قال:هذا مذهب مالك،فسكت على غير اقتناع) يصبح المسجد أشبه بقوس النصر بفرنسا،تتشابك الأيدي وترتطم الاكتاف، ويتزاحم كبارالسن على مدخل المسجد للجلوس في حرم بابه العالي الذي صنع من اجود أنواع الخشب ، أملا في ملء صدورهم بهوائه البحري ..
لكن رمضان بعد العصر كان أجمل وأجمل ،كأنك في رحاب القاهرة الكبري التي يأتيها الناس من كل فج لقضاء مصالحهم ،هكذا كانت بلدتي في رمضان ،كانت أشبه بمنتجع سياحي يأتيه الناس من القرى والعزب المجاورة للشراء والبيع ،فهي البلد الأم خاصة حين تذهب إلى (السويقة) –مكان واسع في مدخل القرية يتخذه الناس سوقا- وهناك لرمضان كل يوم ميلاد،تبدو البلد خضراء من كثرة بائعي الجرجيروالخضرة والنعناع،الهواء صارنقيا،وفية يسندون ظهورهم على جدار منزل الحاج على ىسالم مستقبلين الهواء البحري، لايزعجك صوت الباعة العالي،وفضولهم المفرط،وضجيج المصطفين أمام الحاج حسن أبوشهبه بائع العرقسوس،ولا المكتظين على محل الحاج الشحات لشراء الدقيق والعناب،ولا زحام الأطفال والشيوخ أمام منزل الحاج صلاح إمام،البلد كلها سعيدة برمضان وبركة رمضان وأجواء رمضان ، لكن أطفال القرية صائمهم وفاطرهم كانوا أشد سعادة وأكثرفرحا..خاصة حين يجتمعون في سويقتهم يلعبون ويمرحون حتى وقت السحور..

Related posts