كتب/عمر علاوي/المغرب
من أخطاء المعارك و الحروب عالميا هي الإصابة او القتل بسبب نيران صديقة . وهي تعني خطأ في التصويب و خطاء في تمييز الاعداء . لكن عندنا تحمل معنى مغايير يحكمه سبق الاصرار و الترصد . فتقافتنا تقول انه لن يسرقك إلا من يعرفك ولن يحاربك إلا من يدخل بيتك . ولذلك اسباب تكمن في ثقافتنا و قناعاتنا الموروثة عبر التاريخ و الازمان . يقال أن لنا تقاليد في الديمقراطية قديمة جدا قبل ولادتها في الغرب ، بل هي تقاليد انتخابية غابرة في الازمان مرتبطة بتنصيب شيوخ القبائل ، خاصة في جبال الأطلس الكبير الأوسط الذي ينتمي إليه اقليم الحوز ” هذا مكتوب في كتب التاريخ الاجتماعي للاطلس الكبير ” . في هذا المجال الجغرافي هناك قبائل ، وكل قبيلة تنقسم لفخدات متعددة كان يحكمها شيخ واحد ” امغار ” الذي كان يخضع للانتخاب . و بسبب تعدد الفخدات داخل قبيلة واحدة ، كان شيخ القبيلة ينتخب بالتناوب بين الفخدات . لكن السر يكمن في طريقة انتخابه و اختياره ، لذلك وضعت للأمر طريقة و منهجية غاية في الدقة و بتصور رهيب كانت غايته هي خدمة القبيلة أولا و الحفاظ على مبدأ اسمرار المساواة و استدامته بشكل هندسي عجزت كل الدراسات العلمية على استيعاب حقيقته . مفاد التصور القبلي لانتخاب الشيوخ بالتناوب بين الفخدات كان مبني على الشكل الثالي : حينما تفرض ضرورة التناوب على فخدة معينة تقديم شخص من داخلها لتولي مهمة “امغار “، كانت ترشح اكثر من شخص لتتولى باقي الفخدات اختيار احدهم دون ان تصوت الفخدة التي ينتمون لها . هذه الاستراتيجية كانت لها غاية نبيلة، ابعاد القرابة و العائلة و الزبيونية عن التدخل في تحديد من يحق له تسيير شؤون الناس . و حينما يتم اختيار شخص كفء ، يتسلم أمر تدبير شؤون القبيلة من سابقه الذي ينتمي لفخدة أخرى . حينها تقوم فخدة الشيخ السابق بتنصيب خيمة أمام بيته لأيام طويلة يتولى هو اطعامهم حتى يعلن فقره و عدم قدره في الاستمرار في توفير شروط الاحتفال . اتعلمون لماذا ؟ إنها قاعدة اساسية لتدمير مبدأ احتكار الثروة و السلطة و طريقة لاستدامة المساوة بين ابناء نفس الفخدة الذي يمتد لكل القبيلة .
كل من يتأمل هذا الموروث التاريخي ، سيشعر فخر الانتماء إلى هذا الوسط المجالي الحامل لكل هذه القيم . لكن بعد أن فقدت القبيلة استقلاليتها ، وبعد أن فقد الشيخ – وكل من يحمل صفة الزعامة – قيمته التاريخية و التدبيرية و صارت القبيلة خاضعة لتسيير الدولة ، فقدنا الياتنا الديمقراطية في علاقتها بقيمنا ولكن لم نفقد شئ أساسي من تلك الحقبة الماضية ، ألا و هو سعينا الأبدي لتدمير كل من حاول تزعم القبيلة و الدفاع عن مصلحتها . الحروب الطويلة مع سيطرة الدولة على قباىلنا استنزفتنا و جعلتنا ندعن مرغمين لفكرة الدولة الموحدة و منطقها ، لكن لم نخض نفس الحروب للتخلص مما بقي عالقا في ثراتنا حينما نوجه تفكيرنا لزعماءنا المحليين . فتاصلت فينا فكرة تدمير بعضنا و سعينا الدائم لاحتقار كل من يحاول الظهور بمظهر الزعامة . فرغم ضرورة الحضور الوجودي للزعامة المحلية بمفهومها السياسي و الاجتماعي الحديث الذي تفرضه آليات التدبير العصري للمصالح المحلية ، ما زلنا غارقين في تقليدنا الماضوي الذي يفرض تدمير من يحاول الدفاع عن مصالحنا .
النيران الصديقة ، او حقيقة الإنسان في إقليم الحوز. ” من ثراتنا الاجتماعي “