الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة تفتح ملف الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي

بقلم: د. نرمين جمعة
المستشار الإعلامي للوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة

لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقلٍ للمعلومة أو منصةٍ لعرض الأخبار، بل أصبح أحد أهم ميادين الصراع على الوعي، وصناعة التأثير، وتوجيه الرأي العام. ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، برزت تحديات جديدة فرضت على الإعلاميين إعادة النظر في أدواتهم وأساليبهم، وأصبح فهم الخوارزميات ضرورة مهنية لا تقل أهمية عن إتقان فنون التحرير أو مهارات الإلقاء.

ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة التي نظمتها الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة بعنوان “مستقبل الإعلام في عهد الذكاء الاصطناعي.. سيادة الخوارزميات”، لتقدم رؤية علمية متكاملة حول التحولات التي يشهدها الإعلام العالمي، وكيف أصبحت الخوارزميات شريكًا رئيسيًا في صناعة المحتوى وتحديد أولويات الجمهور.

الندوة لم تكن مجرد لقاء نظري يتناول مفاهيم الذكاء الاصطناعي، بل كانت مساحة للحوار المسؤول حول مستقبل الإعلام في ظل الثورة الرقمية، وكيف يمكن للإعلامي أن يحافظ على رسالته المهنية وسط عالم تحكمه البيانات، وتوجهه المنصات الرقمية، وتؤثر فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة.

لقد ناقشت الندوة بعمق مفهوم سيادة الخوارزميات، ذلك المفهوم الذي أصبح حاضرًا بقوة في المشهد الإعلامي، حيث لم يعد وصول المحتوى إلى الجمهور يعتمد فقط على جودة المادة الصحفية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بآليات عمل المنصات الرقمية والخوارزميات التي تتحكم في ترتيب الأخبار، وانتشار الفيديوهات، ووصول الرسائل الإعلامية إلى ملايين المستخدمين في ثوانٍ معدودة.

كما تناولت الندوة الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للمؤسسات الإعلامية، سواء في سرعة تحليل البيانات، أو إنتاج المحتوى، أو الترجمة الفورية، أو تصميم المواد البصرية، أو دعم غرف الأخبار بالأدوات الذكية، مع التأكيد على أن التكنولوجيا يجب أن تظل وسيلة لخدمة الإنسان، لا بديلًا عن عقله أو ضميره المهني.

ولم تغفل الندوة الحديث عن التحديات، وفي مقدمتها انتشار الأخبار المضللة، والتزييف العميق (Deepfake)، والانتهاكات الرقمية، ومحاولات التأثير على المجتمعات عبر الفضاء الإلكتروني، وهو ما يجعل الأمن السيبراني عنصرًا أساسيًا في حماية الإعلام، وصون الهوية الوطنية، وتعزيز الأمن القومي.

إن بناء إعلام قادر على مواجهة هذه التحديات لا يتحقق إلا من خلال إعداد كوادر تمتلك المعرفة التقنية إلى جانب الوعي الوطني، وهو ما تعمل عليه الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة من خلال برامجها العلمية وندواتها التثقيفية، التي تسعى إلى نشر ثقافة الأمن الرقمي، وربطها بمختلف مجالات الحياة، وفي مقدمتها الإعلام.

وفي هذا السياق، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص التقدير إلى الدكتور عمرو هيكل، رئيس الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة، الذي يقود هذا الصرح برؤية تؤمن بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة، وأن الاستثمار في الوعي والمعرفة هو الاستثمار الحقيقي القادر على مواجهة تحديات المستقبل. فمن خلال قيادته، أصبحت الوطنية للأمن السيبراني منصة تجمع بين الفكر العلمي والرؤية الوطنية، وتسهم في إعداد جيل يدرك أن الأمن السيبراني ليس تخصصًا تقنيًا فحسب، بل مسؤولية مجتمعية وثقافة يجب أن تصل إلى كل فرد.

كما أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى المستشار سيد فتحي، المستشار العام للأمن السيبراني، على ما يبذله من جهود كبيرة في نشر ثقافة الأمن السيبراني، وحرصه الدائم على تقديم محتوى علمي رصين يواكب التطورات العالمية، ويُبسّط المفاهيم التقنية بلغة واضحة، بما يسهم في رفع مستوى الوعي الرقمي، وإعداد كوادر قادرة على التعامل مع تحديات العصر بكفاءة واقتدار.

كما يبرز الدور الوطني للعميد الدكتور أحمد الحبشي،نائب لجنة الامن المعلوماتي للوطنية للامن السيبراني الذي يضع بناء الإنسان ونشر الوعي في مقدمة أولوياته، انطلاقًا من إيمانه بأن الأمن السيبراني لم يعد مسؤولية المتخصصين وحدهم، بل أصبح ثقافة مجتمعية تتطلب تكاتف المؤسسات والقيادات الوطنية. وتمثل جهوده الداعمة لمسيرة الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة إضافة حقيقية في ترسيخ هذا المفهوم، وتعزيز مسيرة إعداد جيل قادر على حماية مكتسبات الوطن في العصر الرقمي

لقد أثبتت هذه الندوة أن مستقبل الإعلام لن يكون حكرًا على التكنولوجيا وحدها، وإنما سيكون للأكثر وعيًا، والأكثر قدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمة الحقيقة، وحماية المجتمع، وترسيخ القيم المهنية.

ويبقى الرهان الحقيقي ليس على من يمتلك أحدث التقنيات، بل على من يمتلك العقل القادر على إدارتها، والرؤية التي تحولها إلى قوة للبناء لا للهدم، وإلى وسيلة لنشر المعرفة لا لتزييفها.

إن الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة تؤكد يومًا بعد يوم أنها لا تكتفي بمواكبة المستقبل، بل تشارك في صناعته، من خلال نشر الوعي، وإعداد القيادات، وترسيخ ثقافة الأمن الرقمي، لتظل مصر قادرة على مواجهة تحديات العصر بعقول واعية، وكفاءات مؤهلة، وإرادة لا تعرف إلا طريق التقدم.

فالمستقبل لن تصنعه الخوارزميات وحدها… بل سيصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يقودها، ويوجهها، ويجعل منها أداة لخدمة وطنه ومجتمعه

Related posts