::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
بقلم دكـــتور ٱحـــمــد مـصــطـفي
كاتب وناقد وباحث في الادب العربي
لم أكن أتوقع أن تعود بي الذاكراة لسنوات طوال مرت كادت تتجاوز ثلاثة عقود ، ولكنّ علاماتِ الحنين التي ترتسمُ على صفحات الحياة صنعت من الريح زرد، إذأنها صفحات تكفي لجعل المرء يشعر بأنه يحتاجُ إلى مزيد من التركيز ومذيد من العُزلة،أما التركيز حتى لا تهزمني الورقات، وأما العزلةحتى تاتيني الذكريات تباعا. باتت طاولةُ المكتب تشبه ساحة حربٍ ماكرة،الأوراق دروع ،والأقلام رماح، وصارتمرّدي على التذكر في طرفٍ وحنيني للحكي في طرف آخر، حتى يوذن للمغرب الأخير لشهر شعبان 1409ه بعدها بساعة يعلن الشيخ طنطاوي مفتي الجمهورية أن غدا غرة شهر رمضان المبارك ، فنستعد لصلاة القيام ، وتستعد أمي لاعداد طعام السحور ،شان القرية كلها ، بدت الفرحة في وجوه المارة ، وبدا الطريق الوعر الذي يشقُّه الناس بصعوبة سهلا مضيئا، وظهرت السعادة في جبين الأستاذ (مصطفى جاد) وهو يقف مزهوا لرفع آذان العشاء،وهاهو الشيخ (عبد الحميد دسوقي) يشق الصفوف ،ليؤم الناس للصلاة. ويتوافد أهل القرية إلى مسجد العمري ،،فمسجد العمري واحدٌ من أهم المعالم الأثرية، لياخذ كل واحد مكانه ، حتى أنك إذا نظرت بعين الرضا تستطيع أن تتعرف عائلات بلدتي من أماكن جلوسهم في المسجد ،كنت أرى أنهم لم يختاروا أماكنهم بقدر إلفهم للمكان ، فعلى الميمنة شباب وشيوخ يمثلون عائلة ، وعلى الميسرة شباب وشيوخ لعائلة أخرى ،وبينهما حجاب من عائلات شتى ،يعرفون كلا بسيماهم. ومع صلاة الظهر تتزايد جموع المصليين ، وكأنه يوم الجمعة فالصلاة في رمضان تجر الملتزم والكسول ، بل يشعِلُ الصوم في الأفئدة سرورا حيا يتحكم في أحوال العباد، وعاداتهم في الاستقامة، والانحراف عن الطاعة، ويتصرف في استواء الشباب، وسلوكهم ،لأن الأجر فيه مضاعف ،والحسنة بعشرأمثالها.. لكني وأنا أشرب من ماء الروح ،أرى أحدهم قد اختار (مروحة) ليفترش سجادة المسجد وغط في نوم عميق ،ولم يكن الأخر عنه ببعيد فقد استلم حجرا وضعه تحت رأسه واتجه ناحية باب المسجد . لقد ازدحمت ساحة المسجد بالشباب والشيوخ ، منهم من أرهقه الصيام فنام ،ومنهم من جاء ليستمتع بهواء المسجد المريح ، وعادة كنت أجد لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كنت مع من يتخذ ركنا لقراءة …
بقلم دكـــتور ٱحـــمــد مـصــطـفي
كاتب وناقد وباحث في الادب العربي
لم أكن أتوقع أن تعود بي الذاكراة لسنوات طوال مرت كادت تتجاوز ثلاثة عقود ، ولكنّ علاماتِ الحنين التي ترتسمُ على صفحات الحياة صنعت من الريح زرد، إذأنها صفحات تكفي لجعل المرء يشعر بأنه يحتاجُ إلى مزيد من التركيز ومذيد من العُزلة،أما التركيز حتى لا تهزمني الورقات، وأما العزلةحتى تاتيني الذكريات تباعا. باتت طاولةُ المكتب تشبه ساحة حربٍ ماكرة،الأوراق دروع ،والأقلام رماح، وصارتمرّدي على التذكر في طرفٍ وحنيني للحكي في طرف آخر، حتى يوذن للمغرب الأخير لشهر شعبان 1409ه بعدها بساعة يعلن الشيخ طنطاوي مفتي الجمهورية أن غدا غرة شهر رمضان المبارك ، فنستعد لصلاة القيام ، وتستعد أمي لاعداد طعام السحور ،شان القرية كلها ، بدت الفرحة في وجوه المارة ، وبدا الطريق الوعر الذي يشقُّه الناس بصعوبة سهلا مضيئا، وظهرت السعادة في جبين الأستاذ (مصطفى جاد) وهو يقف مزهوا لرفع آذان العشاء،وهاهو الشيخ (عبد الحميد دسوقي) يشق الصفوف ،ليؤم الناس للصلاة. ويتوافد أهل القرية إلى مسجد العمري ،،فمسجد العمري واحدٌ من أهم المعالم الأثرية، لياخذ كل واحد مكانه ، حتى أنك إذا نظرت بعين الرضا تستطيع أن تتعرف عائلات بلدتي من أماكن جلوسهم في المسجد ،كنت أرى أنهم لم يختاروا أماكنهم بقدر إلفهم للمكان ، فعلى الميمنة شباب وشيوخ يمثلون عائلة ، وعلى الميسرة شباب وشيوخ لعائلة أخرى ،وبينهما حجاب من عائلات شتى ،يعرفون كلا بسيماهم. ومع صلاة الظهر تتزايد جموع المصليين ، وكأنه يوم الجمعة فالصلاة في رمضان تجر الملتزم والكسول ، بل يشعِلُ الصوم في الأفئدة سرورا حيا يتحكم في أحوال العباد، وعاداتهم في الاستقامة، والانحراف عن الطاعة، ويتصرف في استواء الشباب، وسلوكهم ،لأن الأجر فيه مضاعف ،والحسنة بعشرأمثالها.. لكني وأنا أشرب من ماء الروح ،أرى أحدهم قد اختار (مروحة) ليفترش سجادة المسجد وغط في نوم عميق ،ولم يكن الأخر عنه ببعيد فقد استلم حجرا وضعه تحت رأسه واتجه ناحية باب المسجد . لقد ازدحمت ساحة المسجد بالشباب والشيوخ ، منهم من أرهقه الصيام فنام ،ومنهم من جاء ليستمتع بهواء المسجد المريح ، وعادة كنت أجد لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كنت مع من يتخذ ركنا لقراءة …