جريدة أخبار العالم / مكتب تونس
تونس في قلب الحدث
أ. جلال الطويهري
اخاطبكم من المريخ فلست من ذلك الكوكب
لماذا تضيق علينا بلادنا رغم رفاهيتها حتى تكاد تخنقنا؟
هل لأننا لا نحسن الفرح ونبحث عما ينغص علينا أوقاتنا، دون أن ندري؟
كأن نقوم من على طاولة الطعام، وسط الأهل والأصدقاء، لنجري اتصالا هاتفيا نتعلل بأنه ضروري.
علينا أن نكف عن البحث عن الأفضل ونبدأ بتقبل الأنسب.
لا يعني هذا ألا نكافح من أجل سعادتنا، ولكنه يعني ألا نستميت في سبيل الحصول عليها، فالسعادة هي حب الوطن وح الآخر حالة نعيشها وليست ظرفا نمر به.
وإن من تعاسة الإنسان أن يضع سعادته في بضاعة تشترى وتباع، ومن يفعل ذلك يصير فرحه قصيرا، ناقصا، ومملا جدا.
ومن تعاسته أيضا ألا يرى السعادة إلا في الآخرة، متجاهلا قوله تعالى:
“ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة”.
ويبدو أنهم نسوا بأن السعداء لا يشاركون في الحروب، ولا يقومو بالاساءة إلى الآخرين، ولا يحطمون حلما، ولا يغتالون فرحة.
لم أكن مؤمنا بأن السعادة تنبع من الداخل، كما يقول الكتاب والروائيون، ولكن عندما رأيت الفقراء المعدمون، والمرضى المتألمون، قادرون على الضحك كلما سمعوا نكتة، ويستطيعون أن يحلموا بغد أفضل، أدركت بأن السعادة والفرح من صنع الإنسان وليست هبات تمنح له ، وكما قال النقابي الخالد الشهيد فرحات حشاد الحقوق لا تهدى الحقوق تفتك .
يصبح المرء تعيسا عندما تخلو حياته من شغف، فلا يملك حينها إلا المتاجرة بالحزن والقلق وإحباط الآخرين. وإذا كان السعداء أغبياء حقا فإنني أُفضل أن أعيش حياتي سعيدا غبيا، على أن أقضها تعسا ذكيا.
إنّ ما شهدته وما تشهده الساحة التونسيّة في الآونة الأخيرة و حتّى الحالية منها، ليدعو إلى الإستغراب والتّعجّب بل وحتّى القلق و الإمتعاض حقيقة وواقعا ، و قد تأكّد ذلك على أكثر من صعيد وميدان ، فمن ذلك إستمرارية هشاشة الوضع الأمني ، واستمراريّة الإرتجال في القرار السّياسي ،واستمراريّة الإضطراباتوالإعتصامات والإضرابات، واستمراريّة إرتفاع الأسعار وتدنيّ القدرة الشرائيّة للمواطن، واستمرارية عمليّات التهريب للسّلع والبضائع ومختلف المواد الغذائيّة ، واستمراريّة اكتشاف الأسلحة والمعدّات ذات الطابع والإستعمال الحربي والهجومي،واستمراريّة اكتشاف المخدّرات على اختلاف أنواعها و أشكالها ، واستمرارية نشاط الفرق الدّينيّة المختلفة ، الجهاديّة والعلميّة والدعويّة ، من السلفيّة أوالمحسوبة على التيّارات الدينيّة المتطرّفة ،واستمراريّة عمليّة لي الذّراع بين المنظمات النقابيّة والعمّاليّة المختلفة ممّن بالسلطة ، واستمراريّة الكوارث الطبيعيّة، واستمراريّة المهاترات والجدالات والمجادلات والتجادلات والنقاشات والتساؤلات والإستفساراتوالإستغراباتوالتعجّبات، إلى حدّ لايطاق ولا يحتمل ، كلّ ذلك ما كانت تونس لتشهده، لو تحلّى هذا الشعب بقدر من الحكمة والتبصّر والإدراك الفعلي، لحقيقة أموره و لطريقة خلاصه ، ولسبيل و مسلك مناعته ونجاته.فالثورة بقدر ما تكون نعمة على أصحابها ، بقدر ما تكون أحيانا بمثابة النكبة، إن لم يتم توظيفها التوظيف الأحكم و الأحسن والأسلم والأصلح ، وهذه حقيقة لا ينبغي نسيانها أوتناسيها.ذلك أنّه منذ انبلاج فجر هذه الثورة المباركة ،إنبرى حشد كبير من ذوي النوايا الخبيثة للإلتفاف عليها …، بل وحتّى القضاء عليها أصلا ، جيش عرمرم من المفسدينو الخونة والعملاء والمرتزقة ولفيف النظام البائد ، تصدّوا لها بشتّى الوسائل ، لتحويل وجهة أهدافها و إفشال نتائجها و إهدار فوائدها وقطف ثمارها و إحراقها وإتلافها ، جيش تجنّد لها من داخل البلاد ومن خارجها ، بقصد إخمادها و إطفاء نارها ونورها ، وطمس جذوة بريقها ولمعانها ، وتغطية شروقها و إشراقها ، متعمّدين التّرويج بإفساد تعريفها، فمنهم من نعتها بكونها مجرّد إنتفاضة ، ومنهم من ذهب به التشدّق إلى كونها عبارة عن انقلاب نتيجة التطاحن على السلطة والنفوذ والحكم والكرسي والمناصب ، ومنهم من ذهب به الحقدوالكراهيّة إلى اعتبار كونها مجرّد هبّة شعبية لا ترتقي في نظره أصلا ، إلى الثورة ، في حين ذهب فريق إلى حدّ الإزدراء معللا كونها ، مجرّد تصفية حسابات للإنقضاض على منابع النفوذ بدافع الشغف والطمع في كسب واكتساب العديد والعديد من المصالح الماديّة والصفقات المربحة.هذا الجيش بالذات الذي شكّكفي الثورة وقيامها ببلادنا ، تصدّر عناصره المشهد السّياسي بالبلاد على إثر الثّورة ، وتقلّد شتّى المناصب الهامة في السلطة والنّظام والإدارة، وتقلّب بشتّى المهمّات والوظائف، للحيلولة دون تحقيق الثورة لأهدافها ومراميها و فوائدها ، وانعتاق هذا الشعب الكريم من ربقة كاتمي أنفاسه ومثبطي عزائمه و مغيّبي أحلامه و آماله وتطلّعاته واستحقاقاته.هذا الجيش الذي لا نعرف و لم نعرف بعد هويّته لكثرة تلوّنه و تقلّبه حسب الأحداث و مجرياتها ، وكثرة إطلالته في أشكال مختلفة ومتنوّعة ، في تشكيلات سياسيّة ، لا تمتّ أحدها للأخرى بأيّ صلة في الظاهر و للمشاهد،لأنها كلّها تصبّ في واد واحد و تكرّس لتنفيذ أجندة واحدة وتتبنّى غاية واحدة و هدفا معيّنا وحيدايتمثّل في ترك البلاد في حالة عدم إستقرار دائم على جميع الأصعدة والجبهات … ، إلى حين اللحظة المناسبة والمواتية.فتونسنا ومنذ أن شهدت ثورتها المباركة ، كانت و ظلّت و ستزال مرمى لبرنامج جهنّمي قد دبّر وسطّر ضدّها ، من طرف مسيّري هذا الجيش العتيد من الخونة والعملاء والمرتزقة وعصابات السوء والفساد و الإجرام ، بشتّى مشاربها ، والدّهاء والمكر والتضليل والفساد و الإفساد والشرّ والشراسة والعنف والقهر و الظلم والجور والإستبداد، جيش تدرّب على تخطّي المرحلة الموالية للثّورة ، بصفة ممنهجة ومبرمجة وممرحلة ، تمهيدا و إعدادا و توطئة ،لمرحلة مقبلة ، يعلم علمها إلا المولى العليّ القدير ، و إنّ ما تشهده تونس من تعاقب أحداث لا تخلو من الغرابة ، يعدّ ترجمانا صادقا لمنوارات ذلك الجيش من عمليّات الكرّ والفّر ، تلك العمليّات المألوفة من الجيوش المنظّمة والعاتية والقويّة ، تلك الجيوش التي لا تقلّ مهامها عن مهام الجيوش النظاميّة والتقليديّة والمعتادة والمعروفة ، تلك الجيوش الموازية لأنظمة الإستبدادوالإستئثاروالإنفراد بالحكم والسلطة ، وما تعرف به الأنظمة الإستبدادية والجائرة و المتحكّمة في إرادة الشعوب و آمالها و أحلامها و مصائرها ومستقبلها ، تلك الأنظمة التي لا دين لها ولا ملّة ولا مبادئ ولا أخلاق أو أعرافا أصلا، تلك الأنظمة التي تعاقبت على تاريخ الإنسانية ، وكانت مكرّسة لحقبات مظلمة ملؤها التخلّف والإنحطاط الحضاري و الأخلاقي والمعرفي ، و إنتهاك حقوق الإنسان بشتّى أنواعها وألوانها ، فلا عهد لها ولا ميثاق ، غايتها الإستثراءوالإستكراش و تكديس الثروات وتنمية قدراتها المالية والماديّة، وتلك غاية أساسيّة و أصليّة ، فلا صديق ولا خليل ولا شريك ولا شقيق لها أصلا، تلك العلاقات المفقودة عندها تماما وكمالا ، ولتحقيقتلك الغايات ،تلجأ عادةإستعمال كل الوسائل المتاحة لها، من قبيل التهديد والإبتزازوتجفيف المنابع والعنف فهي تنظيمات سرّية تتّخذ من التخفّي والسّريّة غطاءا لها لاستمرار و دوام تواصلها وحياتها ، لا تهمّها السّياسة بقدر ما يهمّها الإقتصاد والتجارة والمال والأعمال،تتعهّد باعتلاء الصفّالثاني في السلطة ، لتسيير ومراقبة العمل السّياسي والإداري وكيفيّة إدارة القرار والسّلطة ، وانطلاقا من خلايا سريّة مترابطة فيما بينها ومتكاملة ومتوافقة ومتّفقة، تلك الخلايا التي ترجع لها بالإستشارة والمشورة ، في تصدّر المشهد السّياسي والإقتصادي والمالي وحتّى الإجتماعي في الظاهر والعلانية ، تلك الخلايا أو التنظيمات، تتقاسم فيما بينها ما سمّي “بالكعكة” أو “الطرطة” أو “الحلوى”، في شكل الصفقات المشبوهة والمضروبة ،ومجالات التهريب على اختلاف الأنواع(سلع،موادغذائيّة،أدوية،أعضاء بشريّة، أسلحة ،مخذّرات ،إلى أن يصل الأمر إلى المعلومات السريّة والإستعلاميّةوالمخابرتيّة الوطنيّة…)، وبعبارة أوضح كل ما يكون قابلا للبيع والشراء والمتاجرة فيه ، وبالتالي القابل للتعامل فيه في مقابل عمولة ماليّة أو منفعيّة أو حتّى إستخباراتيّة.فهو أخطبوط “المافيا” الذي صدّر لاعتلاء دواليب السّياسة في البلاد منذ إستقلاله إلى حدّ الآن ، العديد والعديد من الوجوه في شكل قادة ووزراء و رؤساء أحزاب ومنخرطين بها ومتعاونين معها، وفي شكل رجال أعمال واقتصاديينو أرباب المال والأعمال ،و الآخذين بأسباب الإعلام وبعض العمادات المهنيّة (الأطبّاء والصيادلة والمحامين والمهندسين والأطباء البياطرة والخبراء في المحاسبةوغيرهاوغيرها…)، إلى جانب بعض المنظّمات الوطنيّة وغير الوطنيّة، وبعض المثقّفين الذين يفتقدون للواعز الوطني ،والذين يتعاملون مع أيّ ظرف مهما كانت توجّهاته…، وحتّى منطلقاتهواختياراته،وطنيّة كانت أو حتّى غير وطنيّة ، همّهم الوحيد العمل مع أيّ كان في سبيل لقمة العيش.وتلك حقيقة لا يمكننا إخفاؤها ،بل من واجبنا التشهير بها وفضحها إلى حدّ لعنتها ولعنة أصحابها أصلا …،لما تشكّله من ظاهرة جدّ خطيرة ، وقد ضرّت وتضرّ وستضرّ بمصير وديمومة هذا الشعب الكريم ، وقد آل أمرها إلى العمل على تخريب ما دأب على تحقيقه من خلال ثورته المباركة.وأنّه وطالما أنّ تلك “المافيا” لا تزال تقبع بالبلاد ،ولا تزال تكرّس أجنداتها يمنة ويسرة، فإنّ هذا الشعب لن يتمكّن من تحقيق تطلّعاته واستحقاقاته من خلال ثورته التي فجّرها في وجه عنصر من عناصر تلك العصابة ، المتوغّلة في الإجرام والممتهنة له،والمتمرّسة في ممارسته والمتفننة فيه، بشتّى الأساليب والأشكال والوسائل.ولذلك كان من الضروري القضاء عليها والتصدّي لها ومقاومتها ،والبحث عن عناصرها والكشف عن هويّتهم و أماكن تواجدهم بالسّلطة والحكم من خلال خطّة منظمة ومحكمة المعالم والمراحل،ويقتضي هذا الجهد و هذا التوجّه،العمل على حشد الطاقات المتحلّية بالوطنيّة الحقيقيّة وبالمحبّة الصادقة لهذا الوطن وهذا الشعب ،بقصد مكافحتها ومقاومتها والقضاء عليها ،لما وصلت إليه من تجذّر في عديد الأوساط الإجتماعيّة ، وتغلغل في دواليب السّياسة والإقتصاد ونطاقات الأعمال والمال.وعلى أن يأتي الجهد في تلك المرحلة ، على القضاء على السلسة الهائلة من المراسيم الرئاسيّة الصادرة خلال هذه الفترة الإنتقاليّة ، والتي بفضلها كرّست تلك”المافيا” جلّ توجّهاتها واختياراتها إلى تاريخ الناّس هذا، تلك المراسيم الصادرة في فترة الفراغ السّياسي ، وما سمّي إعتباطيّا”بالفترة الإنتقاليّة” ، والحال أنّ الشعب التونسي لم يكن في حاجة للانتقال بتلك الفترة أو غيرها أو المرور بها خلال حياته الحاضرة والمستقبليّة،منذ أن أخذ بزمام مصيره ومبادرته ،بمجرّد خوضه لثورته،فالثورة تشكّل في حدّ ذاتها معركة من أهمّ المعارك التي ما فتىء هذا الشعب يخوضها ضدّعصابة “المافيا”التي ما فتئت تمتصّ دماءه منذ الإستقلال وبعده، والتي استأثرت بذلك بكلّ مقوّماته ومكوّناته ،ممّا جعله يرزح تحت وطأة البطالة والفقر والتخلّف إلى حدّ الآن ، ونحن قد بلغنا بعد الألفيّة الثالثة من تاريخ البشريّة ، وقد كان من المفروض أن هذا الشّعب قد اكتمل نموّه وقد وفّر أسباب مناعته وعزّته وكرامته وتقدّمه ونمائه ، وبالتالي قد لحق بركب الدّول المتقدّمة.فتونس تزخر بطاقتها وبكفاءاتها ، التي تمثلّ في كلّ آن و أوان ثروة هذه البلاد المعطاء،هذه البلاد التيتفتخر بأبنائها عبر الأجيال ، فالتّونسي مرغوب فيه بالخارج، لذكائه وقدرته على الخلق والإبداع والإختراع ، ولسعته المعرفيّة والتعليميّة ولقدرته على التّأقلم والتكيّف وللينته و لأخلاقه المرنة ولسلامة سلوكه وخلاله، وكان من المفروض والمفترض أن تكون بلادنا تخطّت أشواطا و أشواطا ، في مسيرة نموّها وتطوّرها وتقدّمها، السّياسي والإقتصادي و الإجتماعي وحتّى الثّقافي ، بحكم إمتلاكها للعديد من الكفاءات، ولما تميّزت به تلك الكفاءات من قوّة التكوين وعمق التجربة و لبديهيّة الذكاء والفطنة ، ولسرعة الإستيعاب لشتّى العلوم والمعارف ، ولكن “ما كلّ ما يتمنّاه المرء يدركه….” وهذا عين ماحصل فعلا لهذا الشعب المسالم ، على مرّ ردهات تاريخه الماصي والحاضر.ذلك أنّه وعلى مرّتاريخه الماضي ، شهد هذا الشعب فترات حالكة وحقبات قاتمة من حياته ، فمن فترة ما سمّي “باليوسفيّة ” و”الأمانة العامّة” وما شهدته تلك الفترة من تصفيات جسديّة لعدّة قياديين بما فيهم القائد “صالح بن يوسف” والقائد “فرحات حشّاد” أب الحركة النقابيّة و مؤسّسها ، إلى فترة التعاضد، ففترة “المؤامرة الأولى” وتصفية أتباعها ، ثمّ فترة “معركة الخبز”وتصفية الحركة النقابيّة بزعامة “الحبيب عاشور” وشلّته، ففترة التخلّص من المناضل “أحمد التليلي” والإستغناء عن خدمات كل من “الباهي الأدغم” و”المنجي سليم” و”محمد المصمودي” وغيرهم وغيرهم… إلى فترة “معركة قفصة” و لإعدام مرتكبيها ومنفّذيها ، فالتطاحن على السلطة لشيخوخة الرئيس الراحل “الحبيب بورقيبة” إلى حكم الرئيس المخلوع و عائلته و أصهاره والإستغلال الفاحش الذي شهدته ثروات البلاد، والقضاء على “حركة النهضة” و أتباعها و تقييد الألسن وتلجيم الأفواه وتكميمها… وغيرها وغيرها من الممارسات الرهيبة والمفزعة التي شهدتها البلاد، وطالت العباد مهما كان تموضعها في السّلم الإجتماعي، ثمّ ما شهدته “الثورة المباركة “من إلتفافات ومؤامرات و تآمرات وهجمات سواء من طرف الحكومة الأولى أو أثناء فترة الحكومة الثانية أو من طرف من نصّب نفسه إمتدادا للفترة البورقيبيّة الدكتاتوريّة ، وكان السبب المباشر والرئيسي في الطمس الحقيقي لمعالم وكيان الثّورة ، والممهّد الواقعي لحكم التنظيمات الدينيّة المتطرّفة للبلاد والعباد، والتكريس إلى الدكتاتوريّة الجماعيّة “الشرعيّة” ، والحال أنّتلك الشرعيّة ، كانت وبحكم إنتخابات المجلس التأسيسي مقتصرة على نوّاب و أعضاء ذلك المجلس فحسب بالنظر للرسالة المناطة بعهدته والمكلّف للقيام بها أصلا، والمتمثّلة بالأساس في الإكتفاء بتحرير الدستور لا أكثر ولا أقلّ ، ولا أن ينتصب ويحكم ، تلك المهمّة والرسالة ، في شكل سلطة تشريعيّة أو أن يتحمّل أعباءها أصلا، أو أن تضفي تلك “الشرعيّة” على الحكومة الحاليّة و أعضاءها، تلك التصوّرات والإستنتاجات، وذلك المنطق الذي لا يستقيم أصلا مع ما يقتضيه ، المتعارف عليه في أعراف القانون الدستوري إطلاقا ، وبذلك يكون الجهاز الوحيد الذي يمكن أن يتمتّع بشرعيّة ما ، يتمثّل في المجلس التأسيسي لا غير و دون غيره من سائر دواليب الدّولة المنتصبة حاليا في الحكم والسلطة، وبالتالي على الساحة السّياسيّة.ويؤدّي بنا هذا المطق والتحليل، إلى أنّ من يمسك بدواليب الحكم حاليّا لا يختلف في شيء عن سابقه، الذي تحمّل نفس المسؤوليّة خلال تعاقب الحكومات الأولى والثانية والثالثة وخلال هذه الفترة الإنتقاليّة ، التي فرضت أسبابها على هذا الشعب الكريم ، وقد اتسمت بالتمطيط والإطالة ، والحق يقال، عن قصد أو غير قصد ، ولذلك تمّالإلتجاء إلى التعلّة الواهية في أساسها بدعوى “التوافق” ، ولسائل أن يتساءل عمّن صدر هذا التوافق ومن طرف من؟..تساؤلات كثيرة في الآونة الأخيرة …، لم تجد أجوبة لها ولن تجدها مطلقا،لما انتاب تونس من فوضى عارمة على كم من صعيد، وهكذا وجد الشعب التونسي نفسه في حالة من الضبابيّة وفي الرؤية وعدم الشّفافيّة في تسيير دواليب الدولة ، وعدم الجدوى في العمل الحكومي ، فأين نحن من توفير موارد الرزق والقضاء على البطالة واستئصال الفقر من جذوره ، وإحلال الديمقراطيّة في أبهى صورها و أشكالها، ونشر ثقافة حقوق الإنسان في أسمى معانيها وغاياتها ، وتوفير الحرّيات العامّة ، وبناء دولة القانون والمؤسسات ، وتوفير مقوّمات التّنمية ، وتحقيق التّوازن الجهوي ، ومكافحة الأنانيّة والإرشاء والإرتشاءوالإستئثار بالثّروات ، والإستكراش أو الإثراء الفاحش على حساب الشّعب،والإقصاء والتهميش والمحسوبيّة والتوسّط ، أين نحن حقيقة من كلّ ذلك ،وتلك شعارات كثيرا ما رفعت تزامنا وتلاحقا ، مع تلك الهبّة الشعبيّة ، وبكامل أنحاء البلاد ، شعارات أضحت كالحلم أو أذغاثه ، لا ترتقي إلى الواقع المعاش ، لأنّها لم تجد من يطبّقها على أرض الواقع وحقيقة .فالثورة عبارة عن قاطرة تجرّ من خلفها عدّة عربات ، وهو عبارة على قطار النجاة وفرحة الحياة بأتمّ معنى الكلمة ، ولكن العزم والمخطط و الإستراتيجيّة ، لعصابة “المافيا” ، كانت مكرّسة كلّها ، بأن يستقلّ الشعب الكريم بالعربة الأخيرة له ولا أن يتولّى قيادته بنفسه ، وذلك كان بيت القصيد ، ومربط الفرس، كما يقولون…وفعلا فإنّ تلك القراءة للأحداث المتعاقبة تجد حقيقة مدلولها ، في هذا المعطى المنطقي و الهام و الوحيد ، فلا تفسير غيره في نظرنا.فالشعب التونسي ،وبقدر ما كان مصرّامن خلال الإنتخابات الأخيرة ، وما أسفرت عنه بصفة فعليّة ، على طيّ تصرّفات وسلوكيّات الحكومات الثلاثة المتعاقبة على الفترة الإنتقاليّة الراهنة ، إلاّ أنّ اختياره الأخير لم يكن في صالح مصالحه الخاصّة لما شهدته الحكومة الرابعة من ارتجاليّة فاحشة في القرارات وسوء التّعامل مع الملفّات الهامّة للبلاد، جرّاء عدم التجربة والنـزوع إلى العاطفة قبل العقل.فالمهمّمة الأساسيّة في العمل السياسيّ عامة،يتمثّل في إعطاء الأولويّة لمعالجة القضايا الهامّة التي تشغل بال الشعب ، قبل كلّ شيء ، وعدم الإنصراف في الإنشغال بمعالجة قضايا تخرج حتّى على الإنتظارات الشعبيّة أو المصلحة العامّة للوطن،ومهما كان المقصد الحقيقي للماسكين بالقرار حاليّا ، فإنّ ذلك التّعاطي لم يكن صائبا أو على الأقل مجديا لانتظارات وتطلّعات البلاد والعباد ، من خلال تولّيهم المسؤوليّات بسدّة الحكم.هذا وغير خاف على ذي رأي حصيف ،أنّ الإنشغالات والتصرّفات ، الصادرة عّمن بالسلطة حاليا، لم تكن تهمّ بالأساس والأولويّة، تلك الإستحقاقات والتّطلّعات الشعبيّة أصلا ،ذلك أنّ المسألة السّوريّة لا تهم بلادنا ولا تشكّل أهمّية ذات بال لدى الشعب التونسي بكلّ فئاته و أطيافه ،فهي شأن داخليّ و ” أهل مكّة أدرى بشعابها” والتوجّهات الأخيرة الخاصّة بقطع العلاقات وطرد السفير السّوري وعقد مؤتمر “أصدقاء سوريا” ، هي عبارة عن توجّهات خاطئة ، ولا تصبّ في المصلحة الوطنيّة ولا الشعبيّة ، ذلك أنّ سوريا مهما كانت خلافاتها، تمثّل بلدا شقيقا في حرم الجامعة العربيّة التي تحوّلت بدورها إلى مرتع للقوى الأجنبيّة ومكرّسة لأجندات العدوّ الصهيوني والإمبريالي ، التي لا تريد الخير للعالم العربي بأسره ، وتمهيدا لإلحاق الدّمار الشامل بالأمّةالعربيّة،عبر مخطّطات فشلت سابقا، غير أنّه أريد إحياؤها حسب سينريوهات قديمة متجدّدة، بالإستعانة بالخونة من أبناء تلك البلدان، التي شهدت ما يسمّى كذبا وبهتانا “الرّبيع العربي” تلك الأكذوبة والمسرحيّة ،التيافتتن بها بعض الأغبياء وسوّقها الكثير من الخونة لأولياء نعمتهم ونعمهم، من القوى الأجنبيّة ، الحامية والرّاعية للصهيونيّة وفرض سيطرتها الدائمة على العالم العربي، وذلك السرطان الذي اتخذ قياسات خطيرة وهامّة، لم يعد ليقوى عليها العالم العربي الذي وصل بدوره إلى مرحلة الضعف والوهن والإعتلال ، بفضل خيانات من تصدّروا على الساحة السياسية ، بتعلّة ودعوى الإصلاح بعد الثورة و”الربيع العربي” ، فأين نحن من تلك الشعارات الداعية “للوحدة العربيّة” و أين نحن من “القوميّة العربيّة ” و أين نحن من “الوحدة الإقتصاديّة العربيّة” ،تلك الشعارات التي لم تجدي نفعا في خضمّ الإنقسام العربي الشامل وكثرة الخلافات العربيّة والإختلافات، فالمشهد أضحى والحالة تلك، يوحي بمشهد دويلات أو ممالك الطوائف بالأندلس ، على إثر التطاحن والحروب الني شهدتها تلك الحقبةمن التاريخ العربي ، والتي سرعان ما نجم عنها سقوط غرناطة والأندلس بأسرها، وتشريد أبنائها ، في شكل هجرة للإستيطان بشمال إفريقيّة ،لكن العرب عامّة لم يعتبروا بأحداث والنكبات التي كانوا قد عاشوها في أيّ حقبة من تاريخهم الماضي وحتّى الحديث منه ، لقصر نظر حكّامهم وساستهم ، ومن المؤسف جداّ، أنّ التاريخ ومن طبيعته ، أن يعيد نفسه ، و أنّه لا يرجع مطلقا ، وتلك بديهيّات كنّا قد تعلّمناها من خلال صفوف الدراسة وتلقّي المعرفة،تلك المعرفة التي احتوت التاريخ كلّه بغثّه وسمينه ودوّنت أخطاء البشر ونجاحاتهم صبرة واحدة ، بقصد التدبّر و أخذ العبرة والإتعاض منها والتسلّح بالموعظة الحسنة ، لتوقّي الإرتجال الذي كثيرا ما يعقبه المكروه ، وبالمثل الموقف الخاص “بالمغرب العربي” والإنشغال بمسألة إحيائه، وعقد مؤتمر خاص لتلك الغاية بتونس ، وهي مسألة إلى جانب أنّها لا تتصدّر أولويّة إهتمامات شعبنا بعد الثّورة ، فهي تشكّل في حدّ ذاتها مسألة معقّدة يصعب حلّها، لعديد الإختلافات في الرؤى والتصوّرات بين الأشقّاء المغاربة،فللجزائر خلافات مع المغرب حول الحدود ومسألة ما يسمّى”بالصحراء الغربية” أو”البوليساريو”، تلك مسألة لا تنتهي على المدى القريب، ولليبا خلافات مع الشقيقة الجزائر حول تسليمها من فرّوا إليها من عائلة “القذّافي” بدليل ما كان قد أدلىمن تصريحات رئيس القيادة المؤقّتة بها مصطفى عبد الجليل ، وتلك خلافات حقيقيّة وجذريّة يستعصى حلّها إلى حدّ عدم الإستجابة للقاء حول مائدة واحدة فما بالك في قمّة واحدة…، إضافة إلى محاولات تفعيل الإستثمار العربي على مستوى دول الخليج وفي مستوى المملكة العربيّة السعوديّة ودولتي قطر والإمارات العربيّة المتحدة،دول لها تعاملات تقليديّة في الإستثمار ببلادنا ، وهذا ليس بالجديد علينا ، وقد ألفنا هذا التوجّه على مرّتاريخ تونس ومنذ إستقلالها ومرحلة إنتعاشهاالإقتصادي ، أو حتّى ما اعتبر “الثقل الأمريكي” بالمنطقة، أو ما اعتبر “بالدور الفاعل الأمريكي” بالمنطقة على إثر زيارة كاتبة الدولة لخارجيّتها “هيلاري كلينتون” ،بمناسبة إجتماع أصدقاء سوريا بتونس، وزيارتها إلى المغرب وما صرّحت به عقب زيارتها هناك بتشجيع الولايات المتحدة “لحزب العدالة والتنمية ” والتيّارت الإسلاميّة وذات التوجّهات الدينيّة ، أو على إثر زيارتها للشقيقة الجزائر وإبرام وتقوية التّعاون في مجال ما يسمّى “بالإرهاب بدول المغرب العربي” تلك المسائل و لئن كانت تكتسي في حدّ ذاتها ، نوعا من الأهمّية ، إلاّ أنّها لا تصنّف من بين أولويّات شعبنا الحالية والملحّة والضروريّة ، في كلّ الأحوال والحالات …،بل كان على الساسّة ببلادنا إيلاء إهتماماتهم وطاقاتهم نحو التوجّهات والإنتظارات الحقيقيّة والمفيدة لهذا الشعب الكريم والسّواد الأعظم منه.ثمّ إنّ معالجة ملفّات الفساد والمحاسبة والمصادرة ، ولئن شكّلت في حدّذاتها أولويّة في الإنتظارات الشعبيّة وما عرف “بالعدالة الإنتقاليّة” إلاّ أنّها لا ترتقي إلى مستوى الإنتظارات الملحّة والهامّة بالنظر إلى مسألتي الفقر والبطالة، اللتان أضحيتا الجائحتين المقلقتين حقا وحقيقة، و أنّه من الواجب بل من الضروري ، الإعتناءبهما بصفة جدّية و جذريّة كمدخل لإنعاش الإقتصاد التونسي بالأساس،ولا يتسنّى ذلك ،في نظرنا إلاّ بتوجيه كل الطاقات والإستثمارات ، بإيجاد حلول وتوجّهات و آليات،ببعث المشاريع الإقتصاديّة،داخل البلاد،ولا تشجيع الهجرة لأبنائنا للعمل ببلدان مجاورة ،أو الإنسياق حول نمنامة ما عرف سابقا”بالوحدة بين تونس وليبيا”، تلك الحلول والتجارب التي برهنت في التاريخ المعاصر عن فشلهاالذّريع.إنّ كلّ تلك الأفكار ومشاريع الحلول ، التي تمّ الإصداع بها مؤخّرا ، لتعبّر في حدّ ذاتها عن فقر مدقع في التّوجّهات السياسيّة، وبالتالي عن ضعف في تصوّرات وسياسات أصحابها ،الذين لم تكن لهم الكفاءةالسياسيّة والإقتصاديّة وحتّى الإجتماعيّة الكافية ،لتولّي المناصب التي كلّفوا بها أصلا،والحال أنّ البلاد وفي المرحلة الرّاهنة والدّقيقة والتي لا تخلو من حساسيّة،في أمسّالحاجة لكفاءات عالية وخبرات متمرّسة في تلك الميادين الحيويّة والحياتيّة، لاستنباط البرامج والحلول والآليات والإستراتيجيّات الثابتة والعميقة والمثمرة،إن كان ذلك عاجلا أم آجلا ، فالوضع الحالي للبلاد ،لم يعد يحتمل الإرتجال أو التعامل الرديء والظرفي مع ما تشهده البلاد من ظروف جدّعصيبة ،توحي بانزلاقات ومخاطر،لا تحسد عليها، جرّاء كثرة التجاذبات والأجندات المتربّصة بها داخليّا وخارجيّا.و إنّه مهما يكن من أمر هذه التحاليل والفوائد التي لا تخلو منها، فإنّ السؤال والتساؤل الذي سيظلّ قائما ويبحث عن جواب و إجابة ، يتمثّل في” أين نحن من ثورتنا المباركة؟…”، ذلك السؤال أو التساؤل الذي هو عبارة عن مقياس لمدى جدّية مسيرتنا بعد الثورة المباركة … وبعبارة أوضح أخرى ، ماذا حقّقنا من خلال ثورتنا المباركة؟.هذا وللوصول إلى إجابة حقيقيّة لهذا السؤال …، توجّب علينا وضع جدول يشتمل على إيجابيات وسلبيات مرحلة ما بعد الثورة المباركة، التي أرغم شعبنا على معايشتها كرها في نطاق وتكريسالأجندات مفضوحة ملؤها الغدر والخيانات والأطماع وتصفية الحسابات والتآمرات والخداعات و المؤامرات والمكر والخداع والكذب والإفتراءات والخزعبلات بشتّى أنواعها و ألوانها.ذلك أنّه ومهما كان تفاؤلنا كبيرا وملحوظا ، فإنّ سلبيات المرحلة قد طغت على إيجابيّاتها، ذلك أنّ الإيجابيّة الوحيدة والتي تحسب لهذا الشعب تتمثّل في صبره والتفافه حول نفسه وتضامنه وحسن تصدّيه لأيّ طارئ ، بل أهمّ من كل ذلك يقتضته المستمرّة والدائمة والمتواصلة ، التي لولاها لازداد حاله سوءا ولتعكّرت أوضاعه إلى الأسوء ،جرّاء كثرة الهجمات التي تعرّض لها، من كلّ حدب وصوب ، من الداخل وحتّى من الخارج ،فالإجابيّات تكاد لا تعدّ ولا تذكر بالنظر إلى السلبيات الكثيرة والمتكاثرة ،فمن السلبيات الملحوظة خاصّة ، التسويق إلى روايات مفبركة الأجزاء والسيناريوهات ،حول الظروف الخاصّة بفرار الرئيس المخلوع و أفراد عائلته و أصهاره، رواية الفرار التي إكتنفها الكثير من الغموض والضبابيّة الكثيفة، وما تولّد عن ذلك الحدث أو الحادثة من تغطية تبنّاها النظام الرسمي ،وذلك عبر التسويق لشهادات من طرف عناصر أمنيّة تلبّسوا بأدوار البطولة “المفضوحة” لعدم صدقيّتها أو لعدم إنطلائها على حتّى الأغبياء من الشعب ، فما بالك على العقلاء منه،ثمّجاء دور اللّجان الثلاثة، التي يرجع تسميتها وتعيينها قبل حالة الفرار المزعومة ،فالأولى انصهرت في شكل “اللجنة العليا لحماية أهداف الثورة”، والحال أنّ الثورة أقدس من أن يتمّ تمثيلها من طرف أعضاء تلك الثورة أصلا، تلك اللجنة كان قد ترأس فعالياتها أحد جهابذة المنادين بالخضوع إلى الغرب وبالتحديد لفرنسا… ينتمي إلى تلك العائلات الخائنة طيلة تاريخها الأظلم لهذا الوطن وهذه التربة المقدّسة ، والذي كان المرشد الأعلى للخيانات والتآمراتوالمآمرات على حساب هذا الشعب لفائدة الطرف الأجنبي ، الذي كان وعمل وسيظلّيعمل لفائدته إلى حين نهاية حياته ومغادته هذه الدنيا من غير رجعة صحبة أمثاله الكثيرين ،إلى حين الحساب العسير والأعظم من طرف المولى العزيز الجليل، ذلك المرشد الذي أعدّ من طرف أعرافه الخونة كذلك،لتكريس توجّه تشريعي في شكل نصوص ومراسيم للتحكّم في عدّة مجالات حيويّة بدعوى تنظيمها وحسن التصرّف فيها ، والحال أن قصده ينصرف أساسا إلى تنفيذ سينريوهات السّاسة المحتلّين وقتها لسدّة الحكم(عهد الغنّوشي ثمّ الباجي قائد السبسي)،

