بقلم: الدكتور المستشار الإعلامي والسياسي خميس إسماعيل
من أكثر الجمل التي تتردد في عصرنا أن الإنترنت أفسد الأخلاق ودمّر القيم وأصبح سببًا في انهيار المجتمع. لكن عندما نتأمل المشهد بموضوعية، نجد أن الحقيقة ليست بهذه البساطة.
فالإنترنت لم يصنع الإنسان، ولم يغيّر جوهره، وإنما منح الجميع مساحة واسعة للتعبير عما بداخلهم، سواء كان خيرًا أو شرًا. لذلك أصبحنا نرى نماذج مشرّفة تنشر العلم والثقافة والعمل الخيري، وفي المقابل نرى نماذج أخرى تنشر الكراهية والشائعات والإساءة للآخرين.
الوسيلة في حد ذاتها ليست مذنبة، وإنما طريقة استخدامها هي التي تحدد أثرها. فالسكين قد تُستخدم في إعداد الطعام، وقد تُستخدم في ارتكاب جريمة، وكذلك الإنترنت؛ فهو أداة يمكن أن تبني العقول، ويمكن أن تهدمها إذا وقع استخدامها في الأيدي الخطأ.
لقد كشف العالم الرقمي الكثير من الحقائق التي كانت مخفية خلف المجاملات والأقنعة. فأصبح الإنسان يظهر بشخصيته الحقيقية عندما يظن أن لا أحد يراقبه، وهنا تتجلى أخلاقه وقيمه وتربيته.
ومن الظلم أن نحمّل التكنولوجيا وحدها مسؤولية أخطاء البشر، لأن الأخلاق تُبنى داخل الأسرة، وتُغرس في المدرسة، ويعززها المجتمع، بينما يأتي الإنترنت ليكون مجرد وسيلة تعكس ما نحمله في داخلنا.
إن بناء مجتمع قوي لا يكون بمنع التكنولوجيا أو الخوف منها، وإنما بتربية أجيال تعرف كيف تستخدمها فيما ينفع، وتدرك أن الكلمة أمانة، وأن ما يُنشر اليوم يبقى شاهدًا على صاحبه.
فالإنترنت لا يفسد المجتمع… بل يكشف حقيقته. ومن كان يحمل قيمًا نبيلة ستظهر نُبله، ومن كان يخفي فسادًا ستفضحه أفعاله.
أنا… وقلمي… وقهوتي
وأنا أرتشف فنجان قهوتي، أدرك أن الحقيقة لا تخاف من الظهور، وأن الزمن الذي نعيشه لم يخلق النفوس، بل كشفها. فالأخلاق لا تتغير بتطبيق أو شاشة، وإنما تنبع من ضمير حي وتربية صالحة. وسيظل الإنسان هو صانع صورته أمام الناس، سواء عاش في الواقع أو خلف شاشة هاتف. فاحرص أن يكون أثرك طيبًا، لأن ما تكتبه اليوم قد يبقى شاهدًا عليك غدًا.
الإنترنت لا يفسد المجتمع… بل يكشف حقيقته