المعرفة : الطريق الصحيح لتقدم الشعوب .. إعداد المادة العلمية/حازم خزام بالهيئة العامة للإستعلامات برئاسة جمهورية مصر العربية

 

 

 

المعرفة : الطريق الصحيح لتقدم الشعوب ..
إعداد المادة العلمية/حازم خزام بالهيئة العامة للإستعلامات برئاسة جمهورية مصر العربية

بقلم د/ حازم خزام 
تشكل المعرفة بعدا هاما يكشف عن الفاعلية البشرية بوصفها فاعلية مبدعة تمكن الإنسان بواسطتها من تحقيق تقدم كــــبير في التــعرف على حقائق الكــــــون وأسرار الحياة.. فالإنسـان يتحدد ككــــائن عــــــارف يتمكن ، من خلال وعيه بذاته وبالأشياء من حوله ، من أن ينتج معارف يتعقل بها العالم الذي يعيش فيه . كما أن قدرته على صنع الأدوات تعتمد بشكل كبير على فاعليته المعرفية ، أو هي بالأحرى امتداد لها من خلال تحويل المعارف النظرية إلى تقنيات عملية تطبيقية.

وباستقراء التاريخ البشري ، يـتبين لنا مدى التقـدم الذي حقـقه الإنسان في إنتاج المعارف المختلفة سـعيا وراء امتلاك فـهم للـظواهر المتــنوعة التي أثارت اهتمامه . ومن أبرز التطورات الفـكرية التي ميزت مجال المعرفة ظهور المعرفـة العـلمية – في العـصور الحديـثة – كنـمط مــن التفـكير فـتح أمام الإنسان آفـاقا جديـدة في تطــوير معارفه ؛ وذلك بدءا بالعلوم الطبيعية (عصر النهضة) التي أبانت عن فعاليتها في الكشف عن قوانين عالم الطبيعة ، وصولا إلى العلوم الإنسانية (ق19/20) التي تمثل محاولة لاستكناه الوجود الإنساني ومحدداته.

فبفــضل اعتمادهــا على منهج دقيق يقوم على الملاحظة والتجريب ، حققت العلوم الطبيعـية – أو الحقة – نجاحا باهرا في الكشف عن القوانين المتحكمة في الظواهر الطبيعية ، موفرة بذلك إمكانية التنبؤ كتعبير عن السيطرة على الطبيعــة بدل الخضوع لهــا..كما أن الإنسان سيجعل من ذاته موضوعا للمعرفة مع نشوء العلوم الإنسانية كمؤشر على اتساع دائرة المعرفة العلمية من خلال السعي نحو اكتشاف عالم الإنسان بعد اكتساح العلوم لعالم الطبيعة … غير أن هذا التقدم المعرفي الذي راكمته البشرية قد أفرز – في المقابل – إشكالات نظرية أو إبستيمولوجية تتنوع حسب المستويات والمجالات التي ينفتح عليها مفهوم المعرفة بشكل عام ، والمعرفة العلمية بشكل خاص ، ومن أبرزها:

1- الإشكالية المرتبطة بطريقة بــــناء الحقـــيقة العلمية في علاقتها بكل من النظرية والتجربة.
2-الإشكالية المرتبطة بمسالة العلمية في العلوم الإنسانية موضوعا ومنهجا.
3- الإشكالية المرتبطة ب”الحقيــقة”، بمعناها العام ،وذلك من حيث تحديد طبيعتها ومعاييـرها وقيمتها.

النظرية والتجربة

تقديـــم:
تعـد كل من النظرية والتجربة من المكونات الأســاسية للمعرفة العلمية بوصفها معرفة تنتج مفاهـيم وقوانين تأخــذ طابعا نظريا مجردا، وتعــتمد – في ذات الوقت – على التجارب العـلمية في بناء حقائــقها . ومـــن ثـم شـكلت العلاقــة بين هـذين العنصرين إحـدى القضايا التي أفرزت مواقــف متـنوعة في حــقل الدراسات الإبستيمولوجية ، وذلك نظرا للتقابل الذي يبدو بين النظرية كنتاج عقلي خالص ، وبين التجربة المرتبطة بالواقع الملموس..
ومن حيث الدلالة ، نجد أن لفظ “النظرية” يأخذ ، في الإستعمال المتداول ، معنى الرأي الشخصي أو الحكم الذي يتبناه المرء بصدد قضية ما . كما يحيل ، من حيث معناه اللغوي ، على الرؤية والملاحظة وعلى التأمل أو النظر العقلي..أما في المجال العلمي ، فمفهوم “النظرية” يشير إلى البناء الفكري الذي يأخذ صورة نسق من المبادئ والقوانين التي يتم بها تفسير الظواهر التي تمثل موضوع البحث.
وبخصوص لفظ “التجربة” ، يذهب معناه الشائع إلى مجموع ما يراكمه الإنسان من خبرات في مسار حياته ، كما يشير إلى اكتساب مهارة معينة ينتج عنها إتقان عمل أو مهنة ما..أما المعنى المتعارف عليه ، في المجال العلمي ، فيحدد المفهوم في إعادة إحداث أو صنع الظاهرة – موضوع الدراسة – من أجل الكشف عن القانون الضابط لها . ولذلك يمثل التجريب لحظة حاسمة في مسار المنهج التجريبي ، الذي تأسس في إطار العلوم الطبيعية ، يتوقف عليها إثبات أو نفي الفرضية / النظرية التي يفسر بها العالم الواقع المدروس.
ومن خلال هذه التحديدات ، يتبين أن دلالة “النظرية” تميل إلى اتخاذ طابع تجريدي يجعل من المفهوم بناء فكريا يحيل على العقل و يتعالى على ما هو تجريبي ملموس ، بينما تجنح معاني “التجربة” نحو جعلها مجالا لحضور الواقعي والملموس وغياب التفكير أو تقلص حضوره ؛ وهو ما سيثير مسألة تحديد دور التجربة العلمية والعقل في بناء الحقيقة العلمية ، وكذا المعايير التي تستند إليها مصداقية أو صلاحية النظريات العلمية.
فما هو معيار صدق النظرية العلمية؟ هل التجربة ام العقل أم هما معا؟ أم هناك معايير أخرى لصدق النظرية العلمية؟
نجيب على هذه الإشكالية من خلل المحاور:
• التجربة و التجريب.
• العقلانية العلمية.
• معايير علمية النظريات العلمية

المحور الأول: التجربة والتجريب.
التاطير الاشكالي:
إن الإشكال يتعلق في هذا المحور بتحديد الفرق بين التجربة والتجريب، وذلك بالوقوف عند المعنى الكامن في كلا المفهومين. فحينما نتحدث عن التجربة فإننا نشير إلى معنيين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالتجربة في معناها العام بحيث نتحدث عن تجارب سياسية وعاطفية ودينية وتاريخية وما إلى ذلك، وبهذا المعنى فالتجربة تحيل إلى ما يسمى بالخبرة الإنسانية التي يعيشها الإنسان في الواقع وبكيفيات مختلفة. أما المعنى الثاني فيتعلق بالتجربة العلمية التي تتم وفق أدوات ومناهج علمية خاصة، وهذا المعنى الأخير هو ما يشير إليه مفهوم التجريب العلمي. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: ما هو مفهوم التجربة؟ وما هو مفهوم التجريب؟ وأين يكمن الفرق بينهما؟ وعلى ماذا تقوم النظرية العلمية ؟ هل على أساس التجربة ؟ وهل هي تجربة حسية أم ذهنية ؟
كلود برنار:

لقد تمت صياغة خطوات وشروط المنهج التجريبي عبر محاولات بدأت مع “لوائح بيكون” (فرانسيس بيكون/ق17) مرورا ب “قواعد الاستقراء” (ج – ستيوارت ميل/ق19)،قبل أن تتحدد الصيغة النهائية مع “كلود برنار”(ق19) الذي يلخص مراحل هذا المنهج في عبارته : ” الحادث يــوحي بالــفكرة ، والـــفكرة تـقود إلى التجربة وتـوجهها ، والتجربة تحــكم بدورها على الـــفكرة “…فالملاحظة هي أول خطوة يتعرف من خلالها العالم على الظاهرة للإحاطة بمكوناتها ، وقد تتم بالعين المجردة أو بالأجهزة التقنية . ويلي ذلك صياغة الفرضية لتفسير الظاهرة تمهيدا لعملية التجريب التي تتحدد وظيفتها في التأكد من صحة الفرضية . وغالبا ما يكون التجريب مخبريا ، حيث تتم إعادة إحداث الظاهرة حتى يتمكن العالم من توجيه التجربة بهدف استخلاص القانون العلمي الذي يفسرها..ومن هنا،سيؤكد ” ك – برنار” على الأهمية البالغة للتجريب العلمي في إنتاج المعرفة العلمية، حيث يغدو التحقق التجريبي للنظرية شرطا ضروريا لعلميتها. هكذا تبين هذه الخطوات كيف يتضمن التجريب العلمي إعمالا حقيقيا للفكر وللعقل من أجل استفزاز الطبيعة وإرغامها على البوح بأسرارها، في حين تظل التجربة بمعناها العام تقبلا لما يحدث لنا ويؤثر فينا من وقائع خارجية.
روني طوم:

نجد من يرى في الموقف السابق تجسيدا لنزعة وضعية تنظر إلى التجربة العلمية الملموسة كشرط ضروري وكاف لبناء النظرية العلمية متجاهلة دور العقل والخيال العلمي…ومن هذا المنطلق ، ينتقد “ر – طوم” هذا التصور من خلال التأكيد على أن التجريب وحده ليس كفيلا بإنتاج المعرفة العلمية ، وأن العقل يضطلع بدور هام كما يتجلى ذلك في صياغة الفروض العلمية مثلا ؛ فالفرضيات التي يقترحها العالم تكون نابعة من نظرية مؤطرة ضمن إشكالية علمية معينة . كما أن التجربة الذهنية الخيالية تسفر عن نتائج علمية لا تقل مصداقية عن الحقائق التجريبية . وتاريخ العلوم الطبيعية يؤكد ضرورة التجربة الذهنية أو الخيال في الكشف عن القوانين العلمية ، خصوصا عندما تكون شروط التجريب غير متوفرة (يمكن الاستشهاد بالتجربة الذهنية ل”غاليلي” حول سقوط الأجسام وعلاقته بالهواء مثلا، أو بغيرها من التجارب الخيالية في العلوم الطبيعية . إن الانتقال إلى دراسة الظواهر ” الميكروسكوبية ” في الفيزياء المعاصرة قد أبان عن محدودية التجريب في مقاربة حركة وسرعة مكونات الذرة، وكشف – بالنتيجة – عن أهمية العقل الرياضي والتجربة الذهنية في إغناء المعرفة العلمية وتوسيع آفاقها..لذلك يؤكد “ر – طوم ” على ضرورة الجمع بين الواقعي والخيالي في النظر إلى المنهج العلمي ، لأن التجريب لا ينفصل عن التفكير، والتجربة الذهنية لا تقل أهمية عن التجربة الملموسة ، بل إنها تضفي غنى أكبر على الواقع المدروس.

استنتاج:
يتأكد أن إنتاج المعرفة العلمية ، أو بناء النظرية العلمية ، رهين بالعلاقة المتبادلة بين التجريب الذي يجسد ما هو واقعي ملموس ، وبين التجربة الذهنية التي تمثل نشاطا رياضيا حرا للعقل..والاختلاف في المواقف يجد تفسيره في تباين المنطلقات الفكرية بين تصور يبدو سجين “النزعة الوضعية” التي تنظر إلى التجريب كمصدر وحيد لبلوغ اليقين العلمي ، وموقف “لا وضعي” يؤكد على اندماج الخيال في صميم المنهج العلمي .

المحور الثاني: العقلانية العلمية.
التاطير الاشكالي :
يمكن القول عموما بأن مفهوم العقلانية يحيل في تاريخ الفلسفة إلى تلك النزعة التي تمنح للعقل الأولوية في إنتاج المعرفة، ولذلك يقابله مفهوم التجريبية كنزعة تقول بالتجربة كمصدر يمد العقل بالمعارف والأفكار. لكن حينما نربط مفهوم العقلانية بمفهوم العلمية، فإننا نتجاوز العقلانية الكلاسيكية إلى عقلانية علمية معاصرة تتجاوز الأولى وتراجع مبادءها في ضوء التطورات العلمية المعاصرة. وحينما نتحدث عن العقلانية العلمية المعاصرة، فإننا نكون بصدد مجموعة من الإشكالات الإبيستمولوجية التي تتعلق أساسا بدور كل من العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية المعاصرة. هكذا يمكننا التساؤل: ما هي خصائص العقلانية العلمية المعاصرة؟ وما دور كل من العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية المعاصرة؟
انشتاين:

يؤكد إنشتاين على أن النسق النظري للعلم المعاصر يتكون من مفاهيم ومبادئ هي إبداعات حرة للعقل البشري. من هنا فالنظرية العلمية تبنى بناءا عقليا خالصا، أما المعطيات التجريبية فهي مطالبة بأن تكون مطابقة للقضايا الناتجة عن النظرية وتابعة لها.
هكذا يعتبر إنشتاين أن العقل العلمي الأكسيومي بكل ما يتميز به من رمز وتجريد، كفيل بإنشاء النظرية العلمية، وما التجربة إلا المرشد في وضع بعض الفرضيات من جهة، وفي تطبيقها من جهة أخرى. كما يؤكد على الدور الذي أصبح يلعبه العقل الرياضي في الكشف عن النظريات العلمية ابتداء ودون أية تجارب سابقة. فالبناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تعتبر مفتاحا لفهم الظواهر الطبيعية. وهذا ما يجعل العقل الرياضي هو المبدأ الخلاق في العلم، كما يجعل من العقلانية العلمية المعاصرة عقلانية مبدعة. وقد عبر إنشتاين عن نزعته العقلانية بقوله: « إني أصادق على أن الفكر الخالص قادر على فهم الواقع، كما كان يحلم بذلك القدماء”.و قوله أيضا :” إن المبدأ الخلاق في العلم لا توجد في التجربة بل في العقل الرياضي .” فالعقل إذن هو الذي يعطي للنسق الفيزيائي بنيته إما التجربة فهي تلعب دور المساعد والموجه ولا تعتبر منبع النظرية . غاستون باشلار:

يؤكد باشلار على أهمية الحوار الجدلي بين العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية. فالفيزياء المعاصرة تتأسس في نظره على يقين مزدوج: الأول يتمثل في أن الواقع العلمي ليس واقعا معطى عن طريق الحواس، بل هو واقع مبني بناءا عقليا ورياضيا، وهو ما يعني أن الواقع يوجد في قبضة العقل. أما اليقين الثاني فيتمثل في القول بأن بناءات العقل وبراهينه لا تتم بمعزل عن الاختبارات والتجارب العلمية. هكذا انتقد باشلار النزعة الاختبارية الساذجة التي اعتقدت أن التجربة هي مصدر بناء النظرية العلمية، كما انتقد النزعة العقلانية المغلقة التي تصورت أن العقل قادر لوحده على بناء المعرفة بشكل منعزل عن الواقع. وعلى العكس من ذلك اعتبر باشلار أن بناء المعرفة العلمية المعاصرة يتم في إطار حوار متكامل بين العقل والتجربة. هكذا فالعقل العلمي المعاصر مشروط بطبيعة الموضوعات التي يريد معرفتها، فهو ليس عقلا منغلقا ثابتا بل منفتحا على الواقع العلمي الجديد الذي يتناوله. من هنا ينعت باشلار فلسفته بالعقلانية المنفتحة وأيضا المطبقة، والتي تتم في إطار وعي غير معزول عن الواقع. لكن الواقع العلمي نفسه هو واقع متحول ومبني بناءا نظريا وعقليا.
استنتاج :
هكذا نستنتج أن العقلانية العلمية مخالفة تماما للعقلانية الكلاسيكية؛ إذ أنها لا تؤمن بثبات مبادئ العقل وإطلاقيتها، بل تقول بنسبتيها و ضرورة مراجعتها وإعادة النظر فيها انطلاقا من مستجدات الواقع العلمي الجديد.

المحور الثالث: معايير علمية النظريات العلمية.
التاطير الاشكالي :
إن التساؤل حول معايير النظرية العلمية يفتح المجال مجددا للسجال بين النزعتين العقلانية والتجريبية حول تصورهما لأسس المعرفة وأشكال التحقق من مدى صلاحيتها وقيمتها العلمية. فإذا كانت هناك مجالات معرفية متعددة، وإذا كان الواقع العلمي يختلف من حقل علمي إلى آخر، فإن إنتاج النظريات لا يتم وفق نفس المناهج ولا يخضع لنفس المنطلقات إذا ما انتقلنا من الرياضيات إلى الفيزياء، أو من الماكروفيزياء إلى الميكروفيزياء، أو من الفيزياء إلى البيولوجيا…، وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل يوجد معيار واحد نحدد من خلاله علمية النظرية وصلاحيتها في كل هذه المجالات العلمية أم أنه توجد معايير مختلفة ومتعددة؟ وأين تتحدد هذه المعايير؟
بيير تويليي:

إذا كان بيير دوهايم، وهو أحد أنصار النزعة التجريبية الوضعية، يرى بأن غاية النظرية الفيزيائية هو أن تمثل تماما، وبصورة صحيحة، مجموعة من القوانين التجريبية، بحيث يشكل الاتفاق مع التجربة بالنسبة للنظرية الفيزيائية المعيار الوحيد للحقيقة، فإن بيير تويليي يقول بمعيار تعدد الاختبارات كشرط أساسي للقول بعلمية نظرية ما. هكذا لا يمثل في نظره معيار القابلية للتحقق التجريبي المعيار الوحيد والنهائي لعلمية وصلاحية نظرية ما، بل لا بد من خروج النظرية من عزلتها التجريبية بإضافة فروض جديدة ترسم للموضوع الملموس، الذي يعتبر مرجع النظرية، نموذجه النظري المنسجم مع النظرية في كليتها. إن أية تجربة علمية لا تتم بدون مساعدة نظريات أخرى، كما أنه لا توجد تجربة حاسمة، إذ تظل نتائج التحقق التجريبي جزئية وقابلة دائما للمراجعة. لذلك فمعيار علمية النظرية يكمن من جهة في إخضاع النظرية لاختبارات تجريبية متعددة، والعمل على المقارنة بينها، كما يكمن هذا المعيار من جهة أخرى في اختبارات التماسك المنطقي للنظرية ومقارنتها بنظريات علمية أخرى.
كارل بوبر:

إن معيار علمية النظرية عند كارل بوبر هو قابليتها للتفنيد أو التكذيب. هكذا يجب على النظرية، إن شاءت أن تكون علمية، أن تكون قادرة على تقديم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها وتبرز الثغرات الكامنة فيها. ويرى بوبر أنه يمكن أن نطلق على معيار القابلية للتكذيب أيضا معيار القابلية للاختبار، لأن قابلية النظرية للتكذيب معناه أنه يمكن اختبارها بشكل دائم من أجل تجاوز العيوب الكامنة فيها. وهذا يدل على انفتاح النظرية العلمية ونسبيتها. أما النظرية التي تدعي أنها يقينية وقطعية ولا عيوب فيها، فهي مبدئيا غير قابلة للاختبار. إن الطابع التركيبي والشمولي للنظرية يجعل من المستحيل تقريبا التحقق من صدقها أو كذبها بواسطة التجربة. لذلك اقترح بوبر القابلية للتكذيب معيارا لعلمية نظرية ما، وإن لم تكذب فعلا، أي أن تتضمن في منطوقها إمكانية البحث عن وقائع تجريبية تكذبها. فالمقارنة بين نظريتي نيوتن وإنشتاين تبين أن كلا منهما تكذب الأخرى، دون أن يعني ذلك الشك في صدق أو علمية أي منهما. إن كارل بوبر يعتقد أن التكذيب/الترييف من شأنه أن يدفع بالأنساق العلمية إلى أن تخوض صراعا مريرا من أجل البقاء.

استنتاج :
كتخريج عام، يمكن التأكيد أن النقاش الدائر بين النظريات العلمية يجد نفسه في الاختلاف النظري بين العقلانية الكلاسيكية والعقلانية المعاصرة، حيث كان العقلانية الكلاسيكية تتصور تاريخ العلم كأنه تطور خطي تصاعدي تكمل فيه النظريات بعضها البعض، ومن ثمة تبدو كأنها تشكل نسقا واحدا في النهاية. لكن مع ظهور النظريات المعاصرة، تبين أن العلم – كما قال باشلار- يتطور على شكل قطائع ruptures إبيستيمولوجية. فكان من شأن ذلك مراجعة في النظرة التقليدية إلى العلم.
إعداد المادة/ حازم خزام بالهيئة العامة للإستعلامات برئاسة جمهورية مصر العربية

Related posts