أعلامٌ في حياتي الجامعية:

أعلامٌ في حياتي الجامعية:
أ.د/ عبد العظيم فتحي خليل الشاعر
العالم المسامح، الولي الصالح، اللغوي الناصح، البحاثة الوفي، الصوفي التقي، الزميل الصفي، الجامع بين جمال الظاهر وحسن الباطن. بقية الصلحاء، وخلاصة الفضلاءِ، ومُحبّ الأولياء.
عرفته أستاذًا متواضعًا وقورًا شريفًا عفيفًا، مبتسم الوجه، هادئ الطبع، لين الجانب، منذ عودته من السفر، وكنت حينئذٍ حديثَ عهدٍ بدرجة “مدرس” في القسم، أحبني في الله تعالى وأحببته فيه، وواصلني فيه وواصلته، كان لا يحمل في طياته إلا كلَّ شيءٍ جميل، ولا يظهر منه إلا كلُّ خلق نبيل، ونقي القلب لا يحمل إلا الجميل، فلا يُمطر على مسامع زملائه وخلانه من فمه الطيب إلا كلَّ لفظٍ هادئ ليِّن، ولا يحضر مجلسًا من مجالس قسمنا منذ عرفناه إلا خرجت من حقيبته الفاخرة عُلَبُ حلواه الفاخرة التي لا تُفارقها، فانفلقت فصارت كلُّ علبةٍ منها في يديه الكريمتين قسمين متساويين، فيستقرّ كلُّ قسمٍ منهما في يد زميل من زملائه، وجليس من جلسائه، حتى تَعُمَّ حلواه ذات المذاق الحسن جميعَ الحاضرين في المجلس.
لله دَرُّهُ عالمًا وديعًا! كان يستلُّ بكلامه الطيب الليِّن ما في بعض القلوب من داء، وإن صادفته جهالةٌ عمياء، أو تعرَّضَ لمعاملةٍ حمقاء أزالها بعبارة الأنقياء الأتقياء المرادفة للكلمة القرآنية (سلام)، فكان يمتثل في تعامله مع الناس قول الله تعالى: {ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ}،
رَأَسَ قسم اللغويات رئاسة رشيدة عام 2009م، فاختارني أمينًا للقسم حين توليه، فما جامل أحدًا في أمور القسم على حساب أحد، ولا زاد على أحد شيئًا إرضاءً لأحد، بل كان يوزع الساعات الدراسية على الأعضاء بالقسطاس، كلٌّ حسب نصابه وما تقتضيه درجته العلمية، وكان للإشراف على الرسائل والقيام بالمناقشات نظام معلوم، وتنفيذ ما وضعه القسمُ وأعلنه أمر محتوم، لا يُخالف إرضاءً لهوى، ولا نزولًا على رغبة من غَوَى.
جاء دور أحد المختالين بدرجته العلمية في مناقشة رسالة ما، وكان الباحث ورسالته لا يعجبانه فاعتذر عن المناقشة، وكان من قواعد القسم المقررة أنَّ من اعتذر عن دوره في دورة لا شيء له فيها، ثم جاءت رسالةٌ بعدها فأراد هذا المعتذرُ أن يُناقشها، وحرص على ذلك حرصًا، واستكبر استكبارًا؛ فاحترمنا قواعد القسم الموضوعة بكل هدوء، فغضب مدة وغاب عن المجلس، ولمَّا لم يُؤْبَهْ لغيابه عاد ثانيًا إلى المجلس،
وكان من ثمرة تلك السياسة السديدة في الرئاسة الرشيدة أنَّك لا ترى ضررًا واقعًا على أحد، ولا تسمع شكوى صادرة من أحد، فالرضا موجود، والسخط مفقود، وقد كنتُ أمين القسم حينئذٍ، ولما ترك العالم الجليل رئاسة القسم لبلوغه السن القانونية تركتُ أمانته. وخرجنا وما آذينا أحدًا، وما اشتكى لنا أو منا أحد.
فما أجمل أن يضع المسؤول الأشياء في مواضعها! وما أحسن أن يُقدر الأمور تقديرًا مناسبًا! وأن يضع أمام عينيه قول النبي الهادي – صلى الله عليه وسلم-: “مَا ‌مِنْ ‌أَمِيرِ ‌عَشَرَةٍ إِلَاّ وَهُوَ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يَفُكَّهُ الْعَدْلُ أَوْ يُوبِقَهُ الجَوْرُ”.
كان العالم الجليل مشاركًا لأستاذنا د/ إبراهيم حسن في الإشراف على رسالة “ماجستير” للباحث الوافد/ عبد القادر أحمد حج أحمد، وعنوانها: (الخلاف بين البصريين والكوفيين في”إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك” وموقف ابن قيم الجوزية منه)، فلما تُوُفِّي أستاذنا د/ إبراهيم حسن صرتُ مشاركًا له في الإشراف عليها، وهو رئيس القسم وأنا مدرسٌ حينئذٍ، وكانت الرسالة قد انتهت، فطلب من الباحث قبل التشكيل أن يُعطيني الرسالة؛ ليستفيد من ملحوظاتي عليها، فجاءني بها من ينوب عن الباحث المسافر، فأخذتها منه قبل تجليدها، ونظرت فيها سريعًا، ونبهته إلى بعض الأخطاء اليسيرة، فلله درُّهُ عالمًا نافعًا خلوقًا متواضعًا، لا يُقَلِّل من شأن زملائه أمام طلابه، وإن كانوا أقلَّ منه درجةً، وأصغر منه سنًّا، ولا عجب في ذلك فتلك أخلاق العلماء الصالحين.
ولما قابلني سألني عن الرسالة ورأيي فيها، فأخبرته بالأشياء التي نبهت الباحث إليها؛ ليصلحها قبل خروجها في الصورة النهائية.
وقد تعاونت أنا والعالم الجليل على ما فيه النفع والخير أحيانًا، فوضعنا على عاتقنا مهمةَ إعادة مادة “العروض والقافية” إلى مرحلة الدراسات العليا بشعبة “اللغويات”، وقد كانت تُدرَّس قبل إلغائها الذي كنا نستقبحه استقباحًا، ولا ندري: كيف وافق الموجودون حين الإلغاء على ذلك؟ وحرصنا على تلك الإعادة حرصًا شديدًا، وأبدينا الأسباب القوية الموجبة لها، فكتبنا تقريرنا الأول ونحن مسؤولان عن القسم رئاسةً وأمانةً، ورفعناه من القسم وعليه توقيعه وتوقيعي إلى عمادة الكلية، ثم رفعته العمادة إلى الجامعة، ولم تأتنا ثمرةٌ له، ولم يصلنا ردٌّ عليه.
ثم أعددنا تقريرًا آخر فيما بعدُ حين سنحت فرصة إمكانية قبوله، وكنت حينئذ أستاذًا مساعدًا، فأعدَّ كلُّ واحدٍ منا أسبابًا قويةً، ثم اجتمعنا في “الكنترول العام”، وصغناها صياغة واحدة محكمة، وذكرنا فيه أسبابًا موجبة، ووقعناه ثم سلمناه لسعادة عميد الكلية حينئذٍ، فشاء الله تعالى أن تعود مادة “العروض والقافية” إلى مرحلة الدراسات العليا بشعبة “اللغويات”،
ومن المؤسف أنَّها حين عادت جاءت مفرداتها كمفردات مرحلة الثانوية الأزهرية، ولا ترقى إلى مفردات مرحلة الإجازة العالية التي فيها “الدوائر العروضية، وتشابه البحور، والأوزان المهملة”،
وكان من المأمول أن تقوم المادة في مرحلة الدراسات العليا على الجانب العملي لا النظري، كاستخراج أسس وقواعد هذا العلم من بعض المعلقات والقصائد المختارة، وتناول بعض القضايا العروضية المهمة المنثورة في كتب التراث، والتي لم تدرس من قبل، كـ: (استخراج البحور من الدوائر العروضية، والعروض والقافية قبل الخليل بن أحمد، وقضايا: الاستدراك، وتشابه التفعيلات، وتشابه البحور، ورد البحور المهملة إلى المستعملة، والخلاف الدائر بين العلماء في إثبات بعض البحور ذوات التفعيلات الأربع وعدمه).
لكن القصور يأتي دائما من عدم إعطاء القوس باريها، ومن إسناد معالجة الصناعة إلى من لا يتقنها. فيُقدّم للفئة المستهدفة شيئًا قطيعًا، وهو يحسب أنّهُ يُحسن صنيعًا.
لقد ظلت العلاقة قوية بيي وبين العالم الجليل بعد أن ترك رئاسة القسم، بل ازدادت قوةً وحيويةً بصيرورته عضوًا معنا في “الكنترول العام” ثم رئيسًا له، وقد كان العالم الجليل مُحبّا للعلم لا ينقطع عن البحث والتأليف، ومتابعة المستجدات على الساحة اللغوية، والمشاركة في ندوات الكلية العريقة، وروحي دائمًا تأتلف مع مثله، وقد أحببتُ كثيرين من غير ذوي الدرجات العلمية بالسماع عنهم قبل رؤيتهم؛ لأنهم بشهادة طلابهم وجلسائهم علماء أجلاء، فإنَّ الخير العميم والنفع العظيم ونهضة الأمة بأمثال هؤلاء الفضلاء، ومن بين هؤلاء العلماء الأجلاء: الشيخ الماهر “سيدي فوزي كوناتي”.
وما أعلنت الكلية العريقة يومًا عن ندوة من الندوات العلمية التي كانت تقام كلَّ عام في الاحتفاء بـ(اليوم العالمي للغة العربية)، وخاطبت الأقسام العلمية بترشيح أحد أعضائها للمشاركة في الندوة، وعُرِض الأمر على أعضاء القسم إلا تصدَّى أ.د/ عبد العظيم فتحي خليل الشاعر للمشاركة فيها ببحث متميز، وحين كان يعلم من القسم أنني مستعد للمشاركة إن كانت هناك حاجة إليَّ يأتي إليَّ في “الكنترول العام”، ويقول لي: سمعت أنَّك ستشارك في الندوة، ونحن اثنان من قسم واحد، فشارك أنت والبركة فيك، فأقول له: لا يليق بي أن أفعل هذا، ولا يصح وحضرتك موجود، أنت أستاذنا وخير من يُمثل القسم تمثيلًا مشرفًا، وأنا مشغولٌ بأشياء أخرى كثيرة، فتوكل على الله تعالى، وأنا رجل الضرورة، فيقول: ما دام الأمر كذلك سأبدأ إن شاء الله تعالى في إعداد بحث مناسب.
وفي العام الذي كنتُ فيه مديرًا لوحدة ضمان الجودة قالت لي إدارة الكلية متمثلة في وكيل الكلية العالم الحبيب أ.د/ أحمد علي محمود ربيع: شارك معنا في تلك الندوة، فشاركت ببحث، عنوانه: ” جهود الأزهري الثائر/ عبد الحميد عنتر”، وقد شارك فيها أ.د/ عبد العظيم فتحي خليل ممثلًا قسم اللغويات، ولانشغالي الشديد حينئذ بأمور الجودة ما تابعت فعاليات الندوة، فلم أستمع لبحوث علمائها الأجلاء، وحين جاء دوري في الإلقاء اتصل بي معالي الوكيل الحبيب، فنزلتُ وقدَّمني، فألقيت ملخصًا لبحثي المذكور.
لقد كان العالم الجليل نموذجًا صالحًا للأزهري اللغوي الكبير الواعي المستنير، الذي قتل التراث فهما واستيعابًا، وتابع المستجدات دراسةً ونقدًا بناءً، فكتب بحوثًا في نحو النص، ودعوات التجديد، وبعض أعلام الأزهر. وكان لا يتأخر عن محاضراته، ولا يتكاسل عن واجباته.
أعطاني كثيرًا من كتبه القيمة على سبيل الإهداء، وهي ناطقة برسوخه في فنه رسوخ القدماء، جاء في مقدمتها خمسة أجزاء من كتابه الدقيق (وقفة مع قرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة: عرض وتوجيه ونقد)، ولو لم يُؤلف إلا هذا الكتاب لكفاه شاهدًا بتمكنه وناطقًا بتبحره، لكنَّهُ كان في تخصصه عالي الهمة بارز الحكمة، فتنوعت مصنفاته وتعددت بحوثه، وكان من كتبه:
(ما لا ينصرف وموانع الصرف بين جمهور النحويين والسهيلي – حقيقة ليس وأوجه استعمالها في العربية – أحكام غير وأوجه استعمالها في العربية – من أبواب الكتاب (باب الأفعال التي تستعمل وتلغى) دراسة وتحليل – إرشاد الأذكياء إلى تصريف الأسماء – جولة لغوية في ميدان اللغة العربية – الأعلام الممنوعة من الصرف في القرآن الكريم – إعراب جزء (قد سمع) – ميزان الخليل للشعر العربي الأصيل – النحو العربي عند أبي إسحاق الزجاج (مرتبًا على أبواب ألفية ابن مالك) – توضيح نهج العرب في التصغير والنسب – أوضح الكلام في الإبدال والتعويض والإعلال والإدغام).
ومن بحوثه المنشورة في المجلات العلمية:
(بين الأصالة والنيابة في النحو العربي – أسماء الأفعال ونيابتها عن الأفعال – من النيابة في الموقع الإعرابي (نائب الفاعل) – ضمير الفصل في العربية: أحكام وشواهد – التضمين وأثره في النحو العربي: دراسة واستشهاد – تنبيهات وملاحظات على كتاب ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة)، وله بحوث منشورة في كتاب ندوات كلية اللغة العربية بالقاهرة، منها: (جهود علماء الكلية في مجمع اللغة العربية، عام 2012م، ودراسة موجزة حول مخالفة النحاة المحدثين لجمهور النحويين في قضية العامل، عام 2016م)، وفي كتاب “علماء خالدون”، منها: (مع العالم التقي النقي الأستاذ الدكتور/ محمد رفعت فتح الله، عام 2013م، ومع العالم المتمكن في علوم العربية والمحب لدارسيها الأستاذ الدكتور/ إبراهيم عبد الرازق البسيوني، بالاشتراك مع أ.د/ صبحي عبد الحميد، عام 2014م، وكلمة في تأبين أ.د/ صبحي عبد الحميد، عام 2015م)، وله عدة مقالات مفيدة وبحوث علمية دقيقة نشرها على موقع شبكة الألوكة الإليكتروني، منها: (مباحث حول نحو النص، وموقف مجمع اللغة العربية من الاستعمالات المعاصرة).
لقد حكَّم لي بعض الأبحاث العلمية المنشورة في مجلتي الكلية العريقة والقطاع، وكان معي في عضوية “الكنترول العام”، فكنت أعرف تقريره من خطه الصغير الدقيق، وكنت أستفيد من ملحوظاته وتنبيهاته الدالة على قراءته البحث كلمة كلمة، وربما عرفني من موضوع البحث فناقشني في ملحوظاته عليه، ونحن بـ “الكنترول العام”.
ثم شاء الله تعالى أن يُناقش معي رسالة ماجستير لباحث وافدٍ، كنتُ مشرفًا عليها، فأفاد الباحثُ منه إفادة جيدة، ونبهه على أخطائه فيها من أولها إلى آخرها، وقد أسعدني هذا التدقيقُ إسعادًا، فقد بذلتُ في توجيه الباحث الوافد جهدًا كبيرًا متكررًا، وكنتُ أُحِبّ أن يأتي معي مناقشٌ جليلٌ دقيقٌ يقرأ الرسالة من أولها إلى آخرها؛ لتخرج الرسالة التي عليها أسماؤنا في صورة طيبة تحمدها الأجيال اللاحقة.
وحين كان العالم الجليل عضوًا في لجنة ترقيتي الأخيرة، وجاء دوره في مناقشتي أعلن اعتذاره عنها، والسبب معروف، وهو أنني من قسمه العلمي، فرأى الحياد في الابتعاد عنها. وفي اليوم الذي شاء الله تعالى أن أُرقَّى فيه استأذن العالم الجليل، وانصرف إلى بيته قبل إعلان النتيجة، وفي نهاية اليوم امتلأ “الفيس بوك” بتهنئات مباركة من إدارة الكلية العريقة، ومن المحبين للفقير إلى عفو الله تعالى، وما أكثرهم! وفوجئتُ بالعالم الجليل نهاية اليوم الثاني يتصل بي ويقول: عدت مجهدًا فنمت، وحين فتحت ” الفيس بوك” اليوم وجدت الناس يهنئونك، فقلت: لا بد أن أُشارك في التهنئة، وأنت تعرف رأيي فيك من زمان، فشكرت له على اتصاله واهتمامه.
وقد أدام اللهُ المحبة والتواصلَ بيننا، وما اتصل بي يومًا أو اتصلت به إلا قال: (أهلًا حبيبنا الغالي، مساكم الله بالخيرات أنتم والأهل جميعًا، أو: صبحكم الله بالخيرات أنتم والأهل جميعًا)، وكنَّا نحرص على راحته في السنوات الأخيرة، فلا نُدرج اسمه معنا في أيَّام الحضور، فكان يتصل بي ويتساءل: لماذا لم تضعوني في أيام الحضور؟ فأقول له: الأمر يسير يا أستاذنا، وحضرتك رئيس الكنترول تأتي في الوقت الذي تحب أن تأتي فيه، وما عليك إلا أن توجهنا، أو تطمئن علينا بالتليفون، وإذا احتجنا إلى شيء فسنتصل بحضرتك، فيُثني عليَّ خيرًا، ويدعو لي بخير، ثم يعود فيقول: لا بد أن تُحدِّدوا لي يومًا على الأقل أحضر فيه، وأقوم بتجهيز الأسئلة وتسليمها، وأنا سأتصل على صاحب “التاكسي”، وأتفق معه قبلها بيوم، فيأتيني الساعة السابعة صباحًا تحت البيت، وإن شاء الله تعالى أكون في الكنترول قبل الثامنة أو في تمامها، فلا تقلق لن يكون هناك تقصير، لا بد أن يكون لي دور، فلست رئيسًا “أونطة”، وحتى تكون المكافأة التي نحصل عليها حلالًا طيبًا، ومع إصراره كنا نستجيب لحضرته، فيأخذ يومًا من أيام الأسبوع، مع أنَّهُ كان يحضر قبل أيام الامتحان؛ لمراجعة الأسئلة وتصنيفها، وكان يكفيه ذلك العمل.
وظلَّ يعمل معنا وهو موقنٌ أنَّهُ رئيس “الكنترول العام”، حتى بعد تغيير رئاسة “الكنترول العام”، وصيرورتها لغيره من الأساتذة الفضلاء، وقد علمتُ بذلك التغيير صدفة من أحد الموظفين؛ لأن تشكيل “الكنترول العام” في السنوات الأخيرة ما كان يصعد إلينا، فكنت أتعامل معه على ما يُوقن، وما كان لي أن أُخبر عالمًا جليلًا وأستاذًا نبيلًا بشيء لم يأت إلينا نصه، وقد يُضايقه أدنى مضايقةٍ، وهو جليل القدر عندي، ويَعزُّ عليَّ أن يَشعر بأي إساءةٍ إليه.
وحين حُدِّدت امتحانات الفصل الدراسي الأول لهذا العام 2021م اتصل بي مرتين يُخبرني فيهما أنَّهُ يُريد الاعتذار عن حضور الامتحانات، فقلت له: يا أستاذنا، لا داعي للاعتذار، فالأمر يسير، والمدة أسبوعان أو ثلاثة ونحن الشباب نقوم بهذا العمل اليسير، ويكفينا دعاؤك الطيب لنا بالتوفيق والتيسير، فاقتنع بكلامي في المرة الأولى، وقال لي: أنت ترى هذا؟ فقلت له: نعم.
وفي المرة الأخرى كان عازمًا على الاعتذار عزمًا مؤكدًا، وقال لي: الامتحانات ستكون في شهر أمشير، وغالبًا ما يأتيني فيه “الربو”، فسأذهب إلى عميد الكلية، وأعتذر بشكل رسمي عن العمل في “الكنترول العام”، حتى لا أكون حملًا ثقيلًا عليكم، وسيأتيكم بدلًا مني شابٌّ قويٌّ يتعاون معكم ويساعدكم، فقلت له: لا تفعل يا أستاذنا، الأمر يسير، لكنَّ العالم الجليل عزم عزمًا مؤكدًا، وذهب إلى سعادة عميد الكلية مبكرًا، واعتذر عن العمل في “الكنترول العام” نظرًا لظروفه الصحية، فأُسند إليه الإشراف على سير الامتحانات، وهو عملٌ أقلّ التزامًا من العمل في “الكنترول العام”، فاتصل بي مساءً وأخبرني بما حصل، وقال: اختاروا من الشباب من ترونه مناسبًا للعمل معكم الآن، وسيستجيبون لكم بخروجي أنا، فقد قلَّ العدد، ولن يوجد اعتراضٌ، فقلت له: سنفعل إن شاء الله تعالى.
وقد جاء في (المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم) حديثُ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُغْنِي ‌حَذَرٌ ‌مِنْ ‌قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وجاء في الأمثال السائرة: (لَا يَنْفَعُ ‌حَذَرٌ ‌مِنْ ‌قَدَرٍ)، وقد قيل: (إذا حَلَّ الْقَدَرُ بَطَلَ الْحَذَرُ)، والمراد: أنَّ الحذر لا يدفع المقدور عن صاحبه، فالمرء لا يملك أن يفر مما كتبه اللهُ عليه وقدَّره.
ولا يعني هذا أن يترك الإنسانُ الأخذَ بالأسباب، بل عليه أن يأخذ بها، وقد كان العالم الجليل الصالح موفَّقًا حين أخذ بها معتذرًا عما يُعَرِّضه للخطر، وسبحان الله العظيم القائل: {إنَّا كُلَّ شيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}؛ فأُصِيب العالمُ الجليلُ في بيته، وهَجَمَ عليه الداءُ في حصنه، فاضطرَّ للخروج إلى المستشفى، وظلَّ فيه أيامًا إلى أن شاء الله تعالى أن يلحق بركب الشهداء في معركة هذا الوباء.
وهذه نبذة يسيرة عن حياة العالم الجليل الجامعية:
حصل العالم الجليل على درجة الإجازة العالية “الليسانس” عام 1973م بتقدير: “ممتاز مع مرتبة الشرف”، فعُيِّنَ معيدًا بقسم اللغويات من 11/ 12/ 1973م إلى 18 / 2/ 1976م، ثم حصل على درجة التخصص “الماجستير” عام 1975م بتقدير: “ممتاز”، وكان موضوع رسالته: “النيابة في عمل الفعل والموقع الإعرابي”، فعُيِّن مدرسًا مساعدًا بالقسم من 19/ 2/ 1976م إلى 1 / 2/ 1983م، ثم حصل على درجة العالمية “الدكتوراه” عام 1982م بتقدير: “مرتبة الشرف الأولى”، وكان موضوع الرسالة: “النحو القرآني بين الزجاج وأبي علي الفارسي”، فعُيِّنَ مدرسًا بالقسم من 2 / 2/ 1983م إلى 13 / 9/ 1988م، ثم رقي إلى درجة “أستاذ مساعد” من 14 / 9 / 1988م إلى 26 / 6 / 2001م، ثم رقي إلى درجة “أستاذ” من 27 / 6/ 2001م، ثم ولي رئاسة قسم اللغويات في كلية اللغة العربية بالقاهرة من 5 / 7/ 2009م إلى حين بلوغه السن القانونية، ثم صار أستاذًا متفرغًا في القسم لا يتأخر عن أي عمل، ولا ترى منه أي نفور أو ملل، حتى لقي أرحم الراحمين.
رحمك الله أيها العالم الحبيب، لقد كنت هيِّنًا ليِّنًا سهلًا، لا يشقى بصحبتك أحدٌ، لقد كنت ورعًا عفيفًا متواضعًا رمزًا للطُّهْر والورع في قسمنا، ما خاصمت أحدًا، ولا عاديت أحدًا، ولا نلت من أحد، ولا نازعت أحدًا على دنيا زائلة، بل كنتَ تُسارع كلَّ المسارعة إلى ميدان التصنيف، والمشاركة في البحث والتأليف، وكنت تُمثّل قسمنا في الندوات تمثيلًا علميًّا مُشرِّفًا، وكنت ترى القليل كثيرًا، ولا تستنكف عن أيِّ عمل علمي يُسند إليك، وتقول: المهم أن توجد فيه البركة، فإن البركة تجعل القليل كثيرًا.
لفَقْد مثلك أيُّها العالم الحبيب يُنشد قول لَبِيد بن ربيعة، الذي كانت تُنشده السيدة عائشة – رضي الله عنها – وتترحم على لبيد – رضي الله عنه -: [من الكامل]
‌ذَهَبَ ‌الَّذيِنَ ‌يُعاشُ ‌فِي أَكنْافِهمْ * وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ
ويُنَشَدُ قول الشاعر: [من الكامل]
ذَهَبَ الرِّجَالُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ * وَالْمُنْكِرُونَ لكلَّ أمرٍ مُنْكَرِ
وبَقِيتُ في خَلَفٍ يُزيِّنُ بَعْضُهُمْ * بَعْضًا لِيَدْفَعَ ‌مُعْوِرٌ ‌عَنْ ‌مُعْوِرِ
وقول الآخر: [من الكامل]
ذهب الذين إذا رأوني مُقبلا * سُرُّوا وقالوا: مرحبًا بالمُقبلِ
وبَقِي الذين إذا رأوني مُقبلا * عَبَسُوا وقالوا: ليته لم يُقبِلِ
أيُّها العالم الحبيب، لقد كان تصوُّفُك تصوُّفَ الْجُنيد، وكان كلامك كلامَ الصِّندِيد، وكان حبُّنا لك خالصًا لله عز وجل وفي الله تعالى لعلمك الوافي، وعملك الصافي، وخلقك الراقي، وكرمك الضافي؛ فأسأل الله تعالى أن يحشرنا وإياك في زمرة المحبين المخلصين، الذين لم يُفسدهم مجيء دنيا، ولم تُغيرهم درجةٌ عليا، ولم يستعبدهم هوى، في معية صاحب المقام المحمود والحوض المورود – صلى الله عليه وسلم -.
وختامًا أقول:
كانت ولادة العالم الجليل، الصوفي الصافي، اللغوي الكبير ، الأزهري المستنير أ.د/ عبد العظيم فتحي خليل الشاعر، في يوم الاثنين 25 من شهر ربيع الأول، عام 1368هـ الموافق الرابع والعشرين من شهر يناير، عام 1949م،
وكانت وفاته يوم الثلاثاء 17 من شهر شعبان، عام 1442هـ الموافق الثلاثين من شهر مارس، عام 2021م.
فسلامٌ على العالم الجليل، الصوفي الصافي، اللغوي الكبير ، الأزهري المستنير أ.د/ عبد العظيم فتحي خليل الشاعر في العلماء العاملين، والأولياء الصالحين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مع خالص تحياتي:
د/أحمد عيد ، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر.
5 إبريل 2021م.

Related posts