تقرير – محمد مأمون .
من ميدان البهلوان بمدينة المحلة ، تلتفت الأنظار للوهلة الأولى لثلاث عربات حنطور قضت مرارة الأيام على جمالها وفخامتها ، تلك العربات التي عاصرها أجيال سابقة وهي في كامل زينتها وحُليها وقت أن كانت تنتظر الركاب أمام محطة القطار ليستقلها صفوة المجتمع ، وتجوب شوارع المدينة لتستمع إلى أجراسها المميزة تتناغم مع خطوات الخيول التي تجرها .
في البداية يروي لنا عم ” صابر ” صاحب وسائق عربة حنطور متحدثاً على فطرته أن المهنة التي تعملها منذ الصغر والتي تُعد مصدر رزقه الوحيد لم تعد تدر دخلاً كافياً بالنسبة له مقارنة بحالة إرتفاع الأسعار التي طغت على كافة نواحي الحياة .
ويؤكد صابر أن هناك من إستطاع أن يؤمن مستقبله في هذه المهنة وقت أن كانت في مجدها فمنهم من إشترى أكثر من عربة وبنى من مكسبها بيتاً أو أكثر ، وربما إستطاع أن يؤمن مستقبل أبناؤه منها ، إلا أن هناك العديد ممن لم يحالفهم الحظ ترزقوا منها اليوم بيومه ولم تسمح لهم المهنة بأكثر من هذا .
وبإبتسامة إستقبلنا بها الحاج “محمد القطوري” أكبر سائقي الحنطور بالمحلة ، وصاحب عربة من 7 عربات حنطور هي كل ما تبقت بالمدينة بعد أن كان بها أكثر من 50 عربة قبل ظهور التوكتوك والتروسيكل الذان قضيا على ما تبقى لهم من أمل في صراعهم مع البقاء .
يروى “القطوري” عن معاناته اليومية مع تكلفة المهنة ، حيث يتطلب أكل الحصان ما يزيد عن أربعون جنيهاً يومياً والتي ربما زادت عن دخله اليومي مما يدفعه للإستدانة في أغلب الأوقات ، حيث يعتبر الحصان الذي لا يملك القدرة على طلب طعامه أولى من أبناؤه ، مستطرداً حديثه أن الطلب عليهم قد ضعف بإستثناء بعض التجار ممن على علاقة بهم يستخدمون الحنطور في نقل بضائعهم من آن لأخر ، ولم يحدد قيمة معينة لدخل سائق الحنطور بالمحلة حالياً حيث إعتبر أنه رزق غيبي ، وأنه يجتهد لإستكمال مشواره في الحياة بجانب مساعدة أبناؤه .
ويختتم الريس “عمر” ممتطياً عربته الحنطور هذه الجولة مشيراً إلى فقدان أصحاب المهنة لوسيلة علاج مدعمة أو ضمان إجتماعي ، وعدم إنتسابهم لأي نقابة تكفل لهم معاش شهري يعينهم على غلاء المعيشة ، ويصد عنهم عثرات المهنة .
ويستكمل “عمر” الذي يسعى حالياً للخروج من هذه المهنة في محاولة لإستبدالها بعربة “كارو” نظراً لتوفر فرص عمل من خلالها تعينه على أعباء الحياة أن المهنة لم تعد تقدم له ينتظره وأن الحديث عنها أصبح يذكره بأعباء متطلباتها .
الحنطور الذي يُعد أحد ملامح السياحة في مناطق عديدة في مصر مثل منطقة الأهرامات وكورنيش إسكندرية والمناطق الأثرية بالأقصر وأسوان ، والذي يُدر على أصحابه خيرات السياحة من العملة الصعبة لم يجد أصحابه بقلعة الصناعة المصرية سوى أطلال ذكريات عاشوا عليها في .. زَمِنَ الْفَنُّ الْجَمِيلُ .


