دكتــور / أحـمــد مـصـــطــفـي
مع بداية التسعينات من القرن المنصرم، وفي ظلال أشجار معهدنا الأزهري القديم بإيتاي البارود ، وعلى أسوراه المكتظة بأشجار الكازورينا، وروابيه الخضراء من نبت الأرض الطيبة في بلدتنا العامرة، كنت أتنفس وأصحابي في المعهد ( هاني الصوفاني -أحمد التوني ، وحيد قنديل. هاني حمروش ، ملاح منيسي – سمير هلل- علاء أبو غطا- سعيد عوض –علاء الشهاوي – محمود برنجي- طاهر ناجي – أيمن عبد القوي- مسعود عرابي -إسلام أبو شنب – محمد عبد النبي- أحمد فرحات- إبراهيم المغربي –هشام جاد مصطفى النحراوي…….وغيرهم الكثير ) بأنفاس السعادة ، نضحك ضحكات بريئة ، ونحلم احلاما مضيئة كضوء الشمس التي تسعدنا بدفئها وضوئها، مستغرقين في جمال النور، ناسين الدنيا في روعة الحبور، وإذا ما أقبل الربيع ومارس جلسنا في منازلنا نذاكر فلامدارس، تحملنا يد الربيع الحانية لأمل وعمل وحياة .
فإذا جاء الصيف ، وحان وقت حصاد القمح ، تنبه الهائم ،واستيقظ النائم، واستنهض الشباب عزيمتهم ، شباب مؤمن طيب نشأ في عبادة الله ، أحسن فيما قدم ، فأخرج نبته الناجم زرعا يعجب الزراع نباته، خرج من أديم الثرى، تحوطه غدائر الإخلاص العالية ، وتنحني له درجات السعد الباقية.
وما أن يصل الركب إلى يوم الامتحان، يكرم المرء أو يهان، يلتقطون أوراق الأسئلة ، وكأنهم على لقاء معها، لقاء كله شوق وحنين، يقاومون معها ما تعثر، ويجابون فيها ماتعذر، يتنافسون ،يفكرون، فيكتبون وينجحون، ويحققون أمانيهم ، فالصوفاني وسمير وملاح وعلاء وعبد النبي وعبد القوي وإسلام والنحراوي للناس أئمة ، ومسعود وناجي ةهشام ونجاح للطلاب أساتذة، والبرنجي والتوني ووحيد وسعيد عوض ومصطفى حاتم وفرحات والمغربي في العلم أطباء وصيادلة ،ورحم الله الشهاوي الإنسان، إنهم أبناء الأزهر ورجاله ، حفظة العلم والقرآن ، زاحموا البدور ، وطاولت سماءهم النجوم، وانبثق مجدهم في محافظات مصر وخارجها نهرا خالدا يسقي الناس والزرع والأرض ، ويهدي البشر ويدلهم على الخير.
من ينسى طابور الصباح ،وقراءة المغربي بصوت البنا ، ومنذر بصوت الحذيفي، من ينسى عصا القط وفسوة قلقيلة ، وخرزانة عطية ، وخشونة سعيد عبد الغال ،وطيبة السيدين دبوس وعبد العال.
واليوم ذكرني صديقي الغالي الدكتور إبراهيم المغربي ، بقرأته الشجية النقية ، ومخارجه القوية الصحيحة ،وبارعته في التلاوة ،وحنكته في القراءات، صوت شحي مخارج محكمة تلاوة مباركة هادئة ،فيها عبق الماضي وأصالة المستقبل…
وإبراهيم الذي عرفته ، واحد مننا ، لسانه نظيف ، وقلبه عفيف، وعقله حصيف، وحواره ذو شجون، ظاهره الرحمة وباطنه الإيمان ، وهو -كغيره من أبناء جيلي سالفي الذكر – “قطعة موسيقية مؤتلفة الخلق متلائمة الذوق متناسقة الفكر متسقة الأسلوب منسجم المظهر والجوهر اناقة لا تجد فيها دمامة وطلاقة لا تسمع فيها فدامة”
لم أره من سنوات ،لكني في مشاهدتي لأحد البرامج التي حلّ ضيفا عليها ، رأيت النور في وجهه، والبسمة على ثغره، والسرور يغمره، فايقنت أن بعد العسر يسرا، وأن دعاء الأب ذخرا، وأن رحلته المباركة مع كتاب الله ستتوج بالنجاح، ما شهدنا إلا بما علمنا ، فقد كان صبيا طاهرا نقيا ،وشابا في العلم قويا ، ورجلا ذا عزيمة ، لايندو الي مسامرة العامة ولا يتزلف بمداهنة العلية ، عرفته وقورا ، يغرد بالقرآن ويصدع، فيمنحننا الشجن مجانا ….
سمعته وكلي أُذن صاغية ، وهو يفيض علينا من بركات علمه وخلقه وأدبه وتلاوته، يرتل القرآن كالنهر يجرى بالخير النازل من المعصرات ماء ثجاجا، يمرع في الأذن ،ويترع في القلوب، ويشدو ككروان جاء بدعائه يحمل الحب والجمال والخشوع ، وكأن الله تفضل عليه بنعمه ، فبات صوته أنيس المحبين ، وجليس العارفين.