بدعوة من المركز الثقافي العربي في جرمانا عُقدت ندوةٌ نقدية بعنوان ” الأغنية الإنسانية والالتزام .. في غنائية الفنان عز الدين الأمير “
متابعة خميس اسماعيل
شارك فيها عدد من النقاد أدارها الأستاذ منهال الغضبان رئيس المركز الذي استهل بالترحيب بالنقاد والحضور وبالمحتفى به ” الفنان عز الدين الأمير الذي قدم للمكتبة الموسيقية العربية ما يزيد عن المئة أغنية ولحن للغناء الإنساني الملتزم منها ” عشرون أغنيةً للأطفال .. مؤكداً على دور وزارة الثقافة وإداراتها الثقافية في الاحتفا ء بالإبداع والمبدعين على اختلاف منتجهم الثقافي .. وختم الفنان عز الدين الأمير بتوجيه الشكر للمساهمين بهذه الندوة .. معتبراً أن مسيرته الفنية ستبقى معنيةً بالبحث عما هو جماليٌّ وقيَميّ في السيرورة الإنسانية .. الناقد الفلسطيني أحمد هلال : الالتزام .. هو تفعيل ٌ للجمال في النص والقصيدة والأغنية واللوحة .. وفي في إطلالته النقدية على الإنساني والملتزم في أغنية عز الدين الأمير بدأ هلال متسائلاً : هل نحن أمام عودة إلى ما استقر في الوعي الجمعي الإنساني، إلى ما سمي بمفهوم الالتزام؟، لعل هذا المفهوم على اتساعه وتعدد مسالكه في زماننا هذا سيعود بنا إلى استنطاق تجلياته، في الأدب والفن ذلك أن الالتزام بانفتاح دلالته وليس قسرها كما يتبدى للبعض على شيء بعينه، هو تفعيل للجمال أنى تجلى سواء في كلمة أو أغنية أو مطلق لوحة أو نص إبداعي، إذن وبخصوصية ما بوسعنا القول وفي حقل شديد البهاء وباهر التجلي، هو حقل الأغنية الملتزمة نقف على تخوم الدلالة القصية التي تأخذنا إليها الكلمات ليس بسهلها الممتنع فحسب، بل بإرثها المركوز في وعينا الجمعي. ذلك أن دلالة الإنسانية العابرة للكلمات واللغات والأشياء والأمكنة والحالات، هي دلالة مفتوحة بامتياز على ما تستطيعه الكلمات بوظيفتها الانتباهية من جذب الشعور ومحاكاة الواقع، ليس ذلك تبسيطاً في القول ، وإنما سعياً إلى ذات الدلالة من أجل توظيفها إبداعياً ، أي في خلق الذائقة وتنميتها، بعيداً عن الاسفاف والابتذال والتبسيط المخل. أي أننا في هذه البرهة التي نستشرف فيها تجليات الأثر الفني وكيف ينعكس في الاحساس ومن الاحساس يتشكل المعنى، وفي تشكيل المعنى محاولة نبيلة لتشكيل وعي جديد، بدور الكلمة في الأزمنة المختلفة، من استنهاض وتفعيل لحوافز التلقي الفني، وهذا ما يصب في تركيز معنى الجمال الذي يقوم على تظافر مكونات ثلاث هي: الكلمة بأثرها المعنوي، واللحن بأثره الجمالي، والأداء بمحصلة هذين الآثرين.. لكن الحديث عن الالتزام هنا في المسار الإنساني مازال أبعد من وظيفة أخلاقية أو فكرية، وقرت في الذائقة الجمعية، أو وظيفة متعويّة ناجزة، بل هو منظومة متكاملة سنرى فيها تلك التجليات بوصفها أداة قياس لتطور ما هنا أو هناك .. وبالتالي هذه الأداة هي ما تستجمع ذرا القول : إننا أمام حالة جديرة بالانتباه، نظراً لما تحدثه من أثر ما سيفارق ما ألفناه، وما أصبح عادياً مألوفاً بمعنى آخر إن الحديث عن دور الكلمة وتظافرها باللحن والأداء والحالة، هو حديث مستأنف وجديده هو مشروع حيوي بقدر ما يتعالق بفكرة الزمان الجميل، زمان الأغنية الملتزمة، بقدر ما يفتح في أفق الحاضر نافذة جديدة للتأمل والإحساس، وباستحقاقات تعميق هذه الحالة من دائرة الشعور، إلى دائرة الإشباع الجمالي . إن الجمال أيها السادة هو لحظة مقاومة، علينا فحص دلالاته في كيفية استقبالنا له، استقبالاً خارج متعة عابرة وصولاً إلى تعبير الكلام، وفتنته الفكرية، هنا يبدو الحديث عن ما استهللنا الحديث عنه بالالتزام، حديث استحقاق لمنظومة السمعي البصري/ الذائقي، المؤسسة بطبيعتها لثوابت في الفن، تأخذنا عناوينها إلى محايثة الواقع، لكن برؤيا وندلل بذلك في سياق أمثلة من مثل: (يا مأ مرك) بمستواها الساخر، المناهض للتبعية والباحث أبداً في هذه اللوحة الغنائية وتركيبها الدلالي، عن المعنى الأثير المفارق لما استقر في الواقع، أي تحريك الدلالة في فعل أو واقع بعينه، ليتشكل لدينا خطاب إنساني عابر للدلالة ذاتها، في سياق يوَّلد غير حقل دلالي، (أنا اللهيب) وهي كلمات جبران خليل جبران وفيها يقول جبران: أنا اللهيب وأنا الهشيم اليابس/ وبعضي يأكل بعضي/ فهلا حولت وجهك عني/ لكي لا يعميك دخاني، في هذه الذروة الإنسانية والتي تتصادى بصوت المبدع عز الدين الأمير لينقلها إحساساً إلى مدرك إنساني، يفعل الحواس انتباهاً للتجلي وأكثر من ذلك انتباهاً لوعي تقوله الأغنية، ليحفز في التلقي ذلك المعنى الأثير –الانسانية- بوصفها قطب الرحى ، وهي الاستحقاق الناجز للبشر الذين سيذهبون إلى إنسانويتهم. حينما يعون أدوارهم في هذه الحياة ،لكن الدور الحاسم هو أن يكونوا مناهضين للقبح وثقافته، ورسل جمال على هذه الأرض، يقول عز الدين الأمير في أغنيته نووي: (تعالوا نصنّع نووي/ مش تتبيد البشر/ نووي تيلين القلوب/يلي بعدا حجر، تعالوا نخلي البارود/ بدل النار يفوح ورد/ والأمل اليابس يعود يحيي القلب يلي انكسر / بدل ما نحتل بلاد/ نحتل قلوب العباد / نزرع ضحكة الولاد/ والمحبة بدل الشر/ شوف التاريخ المكتوب/ ويرمي يلي عملوا احروب). هذا هو ما يمكن تسميتها بالابدالات في الوعي لاستنهاض إنسانية الإنسان ونقض الحرب وتجلياتها في النفوس، خطاب مضاد لقبائح الحرب، واستنهاض دائم لإنسانية عابرة للإنسانية. تزيح في الوعي ذلك الاثم الذي تخلّفه الحروب من محو ذاكرة لا البشر فحسب. انه زخم إنساني هنا تحمله الكلمة على شفة اللحن، لتحدث تأثيرها المتراكم وتضيء لحظتها، ما بين رغبة تكتنز بالتغيير، إلى ثقافة مختلفة تقرّب مفهوم السلام، سلام البشر ليكونوا جديرين بالانتماء للحياة، بعيداً عن الطمع ، أي ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش صوب أمثلة تعزز قوى المثال في الروح. وبزعمي أن أي كلمة في هذا الاتجاه، هي أشبه بطلقة وعي تؤسسها البساطة التعبيرية لتبلغ العمق استقبالاً وتلقيا لننتج المعنى من إنسانية الإنسان، هذه الإنسانية المكتنزة القروح، والتي مازال دور الفن بتجلياته كافة، لا أن يخيط هذه الجروح بأناقة المغنى والمبنى والمعنى فحسب، بل

