فى الوقت الذى تسعى فيه دول العالم إلى جذب واستيراد العقول العلمية لدعم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بها وتقدم لهم كافة الحوافز والمغريات، نجد أن هناك هجرات ونزوح جماعى من العقول المصرية وعلمائها فى كافة التخصصات العلمية النادرة إلى الخارج لتقديم جهودهم العلمية وخبراتهم ونتاج أبحاثهم وابتكاراتهم إلى دول المهجر الأجنبية، حيث تعد مصر من أكثر دول العالم تضرراً من هذه الهجرات العلمية، ويعد العنصر البشرى من أهم عوامل التنمية فى البلاد وبخاصة ذوى الخبرات المتميزة والنادرة فى مجال البحث العلمى الذى يمثل قاطرة التنمية، ولا شك أن وجود هذه العقول فى مصر سوف يحقق طفرة إنتاجية وحضارية لمصر هى فى أشد الحاجة إليها.
وقد أكدت دراسة علمية قامت بها أكاديمية البحث العلمى بالتعاون مع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عام 2010 أن هناك حوالى 450 ألف مصرى من ذوى الكفاءات العلمية المختلفة يقيمون بالخارج معظمهم فى الاتحاد الأوروبى وأمريكا وكندا واستراليا ، منهم حوالى 11 ألفاً من أصحاب الخبرات المتميزة فى كافة المجالات العلمية والعملية، وقدرت الدراسة عدد كبار العلماء من ذوي التخصصات النادرة الذين استقروا بالخارج بنحو 618 عالماً أنذاك منهم 94 عالما متميزا في مجال الهندسة النووية، و26 عالما في الفيزياء الذرية، و48 في كيمياء البلمرات، و25 في علوم الفلك والفضاء، و28 في البيولوجي والميكروبيولوجي، و46 في استخدامات الأشعة السيزمية، و22 في الجيولوجيا وطبيعة الزلازل، و67 في المؤثرات الميكانيكية، و66 في الكباري والسدود، و93 في الإلكترونيات والميكروبروسيسور، و72 في استخدامات الليزر، و31 في تقنيات النسيج المتقدمة قد كبدوا الدولة حوالى 45 مليار دولار أنفقتها على تعليمهم وبعثاتهم فى الخارج دون الاستفادة من خبراتهم .
ولأن معظم العقول المهاجرة تعمل فى الجامعات ومراكز البحوث الأجنبية فيجب علينا تطوير جامعاتنا ومراكز بحوثنا حتى تستوعب هذه الخبرات وتستفيد منها كما ينبغى، فوظيفة الجامعة الأساسية تتلخص فى التلقين والتدريب والبحث العلمى بجانب وظيفتها الثانوية التى تتلخص فى خدمة البيئة والتسويق والإنتاج والتوظيف، ويتأتى تمويلها من مصادر حكومية وأهلية وذاتية، وإذا نظرنا إلى الأدوار الأساسية لدى جامعاتنا نجد أنها ركزت على التلقين وضعف بها التدريب والبحث العلمى ، وبالنسبة لأدوارها الثانوية فالجامعات تائهة بالنسبة للخدمات البيئية والمجتمعية فلم تحددها بعد بصورة مرتبة ومنطقية، وكذلك ضعف الإنتاج والتسوق والتخلى عن دور توظيف خريجيها، أما بالنسبة للتمويل فتكاد الجامعات تعتمد على التمويل الحكومى وحده على ضعفه دون التمويل الذاتى أو الأهلى الناتج عن الهبات والتبرعات والوقف.
أما مراكز البحوث العلمية فتعانى من مشكلات التشرزم وعدم الارتباط بعضها ببعض مع ضعف الإمكانات المادية والتقنية وضعف قواعد المعلومات والإحصاء ، فالمفروض ارتباط مراكز البحوث المتخصصة فى مجال واحد بعضها ببعض سواء كانت فى الجامعات أو مراكز البحث العلمى أو وحدات البحث داخل مواقع الإنتاج والخدمات، مع توفير وسائل سهلة للاتصال المباشر بالربط الإلكترونى فيما بينها، والملاحظ غياب وحدات البحث العلمى والتطوير الخاصة عن مؤسسات الإنتاج والخدمات فى مصر، فهذه الوحدات ضرورية ويجب إلزام كل مؤسسات الإنتاج والخدمات الكبيرة بإقامة وحدة بحثية خاصة بها ترتبط بمراكز البحوث المناظرة بالجامعات ومراكز البحوث نظير رسوم مناسبة تدعم هذه الجامعات ومراكز البحوث على السواء، فمثلاً إذا أقيم مصنع للسماد يجب أن يلزم بإنشاء وحدة للبحوث والتطوير داخل المصنع على أن ترتبط جميع وحدات مصانع السماد بوحدة مركزية نوعية واحدة تمدهم بالبيانات والمعلومات وترتبط هذه الوحدة المركزية النوعية بدورها بمراكز البحوث المتخصصة فى دراسات صناعة السماد والمراكز البحثية بالجامعات على أن يتم تمويل تكاليف هذه البحوث من المصانع والدعم الحكومى معاً، وبذلك بتم دعم تمويل البحث العلمى من وحدات الإنتاج والخدمات المباشرة.
ومن أهم أسباب هجرة العقول المصرية ضعف الحافز المادى الذى يتقاضاه الباحث فى مصر مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وعدم حصوله على العمل المناسب لقدراته العلمية وقلة الإمكانيات البحثية والعلمية والمعملية وضعف المناخ العلمى والأكاديمى وضعف الفرص المتاحة فى الترقى والنمو بالإضافة إلى سيادة الروتين والبيروقراطية وتعقد اللوائح الحكومية وصعوبة الحياة المعيشية ، بينما يجد فى دول المهجر دخلاً مادياً كبيراً ومناخاً علمياً مناسباً، وانسيابية وسهولة فى عمله وإمكانات علمية ومعملية ضخمة بالإضافة إلى المغريات المعشية وتوافر السلع والخدمات اليومية وجمال البيئة السكنية الجاذبة ونظافتها وسهولة الحياة وانسيابيتها ، لذا يحب توخى هذه المشكلات وحلها وتوفير فرص العمل والدخل المناسب لاستقطاب وعودة عقولنا المهاجرة.
إذن لا بد من وضع استراتيجية علمية شاملة تتضمن خطط لاستقطاب العلماء المصريين بالخارج وزيادة المقررات المالية للجامعات ومؤسسات البحث العلمى للنهوض بهما وتزويدهما بالتقنيات المعملية الحديثة وسرعة استكمال جامعة زويل لتكون نواة لتطوير البحث العلمى بالجامعات الأخرى ووضع لوائح مالية وإدارية وتنظيمية جديدة تواكب تطورات العصر، والتخطيط لمشروعات علمية وتقنية متطورة كأبحاث الفضاء والطاقة المتجددة والنانو تكنولوجى والهندسة الوراثية وغيرها من علوم العصر .. وعلى الله قصد السبيل.
