هبنقة والمتنبي الجزء الاول
متابعة / إيمان الحملي
بقلم الناقد الأدبى الدكتور/ رمضان الحضرى
روى ابن كثير رضي الله عنه في كتاب البداية والنهاية ،
( بتصرفي ) : _ أن العرب لم تكن تعرف الخيانة قبل ( أبي رغال ) ، ذلك العربي الذي خان وأخذ أجرا على خيانته ، فرضي أن يكون الدليل لأبرهة الحبشي ليهدم الكعبة عام 571م ، ولم يكن لأهل مكة القدرة على هزيمة جيش أبرهة المتطور نوعيا بالأفيال الكبيرة ، والسيوف الحبشية ، فكانت هزيمة أبرهة من رب العالمين ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) ، وكان العرب يرجمون قبر أبي رغال بعدما يفرغون من مناسك الزيارة لبيت الله الحرام ، وحينما بنى أبرهة كعبته والتي أسماها ( القليس ) وأراد من الناس أن يتركوا بيت الله ويتوجهوا لبيته ، لم يجد عربيا واحدا من أهل اليمن أو غيرها ليكون دليلا للجيش في طريقه لمكة ، وعرض على أناس كثيرين أموالا طائلة ليدلوه على الطريق ، فلم يستجب له إلا الخائن الأول في تاريخ العرب والمعروف بأبي رغال ، فأطلق العرب بعدها اسم أبي رغال على كل خائن لوطنه ودينه وثقافته ، على كل مأجور ضد عروبته ومبادئها وثقافتها .
فكل من أفسد في وطنه وينتظر نفعه الشخصي فهو أبو رغال ، فكم من أبي رغال في ثقافتنا العربية ! وكم من أبي رغال في بلادنا العربية ! وكم من أبي رغال يبحث عن ذاته قاتلا فكرنا العربي الجميل ، وأدبنا العربي العظيم !!
كم لجنة هي لجنة أبي رغال ! كم مسئول هو ذات أبي رغال !
تلك تقدمة ونتيجة لما أريد أن أقوله ، فلنعد إلى الموضوع الرئيس ، ( هبنقة والمتنبي ) .
أولا : هبنقة ولجان التحكيم .
*******
أغلب الظن أن يزيد القيسي المعروف باسم ( هبنقة ) كان يعيش في عصر ما قبل الإسلام المعروف ( بالعصر الجاهلي حسب تقسيم مرجليوث ) ، على الرغم أن ابن الجوزي رحمه الله لم يذكر عصره حينما تحدث عنه حديثا مطولا في ( أخبار الحمقى والمغفلين ) ، وبعض من تناولوا أخباره قالوا أنه كان يعيش في العصر العباسي ، ولكن ( هبنقة ) ورد في شعر الفرزدق ؛ مما يعني أنه كان قبل الفرزدق أو في عصره ، فظني أنه كان في عصر ما قبل الإسلام ،
وقد كان ( هبنقة ) مضرب المثال في الحمق ، فتقول العرب :
( أحمق من هبنقة ) .
لكن العجيب في حياة هبنقة أن بعض القبائل العرب كانت تتخذه حكما في قضاياها ومشكلاتها ، وكأن البلاد العربية موعودة بعرض قضاياها على الحمقى والمغفلين ( كما يقول ابن القيم الجوزية أستاذ ابن كثير المفسر العظيم ) ، فحينما حدثت مشكلة بين قبيلة راسب وقبيلة طفاوة على نسبة رجل لإحدى القبيلتين استدعوا هبنقة ليفصل في القضية ، فقال لهما هبنقة : نلقي الرجل في الماء فإن رسب كان من قبيلة راسب ، وإن طفا كان من قبيلة طفاوة ، فقال الرجل لا أريد أن أنتسب لأيهما .
فحينما ظهرت حركة التجديد في الشعر العربي الحديث في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي بقيادة نازك الملائكة وبدر شاكر السياب من العراق والفيتوري من السودان وصلاح عبد الصبور من مصر ، دخل أكثر من ألف هبنقة باعتبارهم مجددين في الشعر العربي ، فأفسدوا كل تجديد مقصود ، وكتبوا كلاما ممجوجا ظنوه شعرا مشهودا ، فقتلوا التجديد وفتحوا الباب لعصابات هجامة تدعي الشعر في اللا شعر ، وتدعي التطور في الحماقة ، وتدعي الارتقاء في الانحطاط .
وبعد تطوير طه حسين للنقد الأدبي العربي من خلال ممارسته للأدب العربي والغربي معا ، بفهم غير مسبوق ولا مطروق عند نقاد العالم أجمع ، وتبعه طلابه العظماء أمثال مندور وسهير القلماوي وعبد المنعم تليمة وشكري عياد وعز الدين إسماعيل
وغيرهم ، دخل ألف هبنقة في النقد الأدبي العربي من باب الوساطة والحصول على شهادات جامعية أو دراسات عليا مشبوهة أو شهادات من جامعات غربية معروفة ببيع الشهادات بشكل يومي ، فهناك من حصل على شهادات من بلغاريا خلال شهرين فقط ( بكاريوس وماجستير ودكتوراة ) ، وأصبح صاحب صالون ثقافي وقناة فضائية وشركات وغيرها الكثير ،ناهيك عن الأبحاث الجامعية المسروقة وعددها في مصر وحدها يتجاوز الألف من الأبحاث المسروقة .
لابد أن تكون النتيجة واضحة وجلية ، فتتكون اللجان الثقافية من أبي رغال وهبنقة وترفض المتنبي وطه حسين ، ويصبح توقيع هبنقة على اللجان واجب التنفيذ ، وكلام أبي رغال واجب الإتباع .
حينما بنى أبرهة الحبشي ( القليس ) ، وأراد أن يدشنه ويعلن عن افتتاحه ، ذهب أعرابي إلى القليس وقضى فيه حاجته ، ويروى انه لوث حوائطه الذهبية ، فثارت ثورة أبرهة وأقسم أن يهدم الكعبة في مكة ، ودوما الأغبياء يقفون أمام حكم الله موقف الرفض ، وهم يعلمون ( لا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه ) .
هذا الأعرابي العظيم الذي أعلن لأبرهة أن بيته ( القليس ) لا يصلح سوى بيت للراحة ( w.c ) ، هو ذات الأعرابي الذي سيظل يعلن لكل متشاعر يبني قصيدته كبناء القليس ، ومهما زينتها للناس وقالت عنها لجان هبنقة وأبي رغال ، سيقول لهم ذات الأعرابي ، إن الشعر العربي هو شرف الكلمة العربية ، وشرف الرجل العربي ، وعرض السيدة العربية ، وكرامة الوطن العربي .
فلتعطوا جوائزكم لمن تشاءون ، فهي جوائز الحج لبيت أبرهة وليست للكعبة ، وغدا سوف ترجم العربية لغة وشعوبا كلامكم حتى وأنتم في قبوركم ، وكما سجل التاريخ خيانة أبي رغال وحماقة هبنقة فلن ينسى أن يسجل خيانات اللجان الثقافية وحماقات اختياراتهم ، فالتاريخ منتصر دوما .
**********
ثانيا : المتنبي والنصر الدائم
************
كان للشاعر العربي الكبير الشريف المرتضي مجلسا كبيرا يحضره شعراء عصره ، واستدعى في يوم من أيام مجلسه أبا العلاء المعري ، وهو يعلم حب المعري للمتنبي ، وظل الشريف المرتضى يعدد نقائص المتنبي في شعره وأكثر منها وزاد عليها ، ثم سأل أبا العلاء المعري رأيه ، فقال المعري : لو لم يكن قد كتب المتنبي سوى قصيدة ( لكِ يا منازل في القلوب منازلُ ) ، لكفته .
فأمر الشريف المرتضى أن يُسحَبَ أبو العلاء المعري من رجليه ، فسحبوه من رجليه وأخرجوه من مجلسه .
وكذا فقول الحقيقة مكلف جدا ، قد يمنع القِرَى والرتب ، ويحجب الفضل والحسب ، ويخفض المكانة والنسب .
وسوف أتناول هنا ثلاثة نصوص شعرية لشاعرين ومتشاعر ، أما الشاعران فهما علي عمران وعبد العزيز جويدة ، ونصوصهما كالآتي : _
نص الشاعر علي عمران
**********
إنِّي خَلَقْتُكِ مِنْ رِمَالِ تَخيُّلي
فدَعي الشَّوَاطِئَ للظَّلامِ، وأقْبِلي
هَاتي شِفاهَكِ قرِّبيهَا مِنْ فمي
وتعلَّقي بالمَاسَتينِ، وقَبِّلي
خمَّارةُ الأحلامِ تفتَحُ بابَهَا
لِحَمامةٍ زُفَّتْ لِأعذَبِ بُلبُلِ
ومَحَارةُ الشُّطآنِ تحمِلُ لُؤْلُؤًا
سَمْحًا كوجهِ اللهِ في قلبِ الوَلي
وضَفائرًا فوقَ التُّرابِ رسَمْتُها
وتركتُ للأيَّامِ فِتنةَ أنْمُلي
فتأوَّهَ النَّايُ المُسَافِرُ وارتَمَى
في حِضْنِ ثَغْرٍ حارِقٍ كالفُلْفُلِ
إنّي خلَقْتُكِ منْ تُرابِ قصائدي
حسْناءَ ترفُلُ في عبيرِ تَغزُّلي
ونَفَخْتُ في سِرِّ الأُنوثةِ فاسْتوى
جسْمٌ مِنَ التُّفَّاحِ يزهو بالحُلِي
وجَلبْتُ للعينينِ كُحلًا سَرمَدًا
وصَبَبتُ في الخدّينِ عِطرَ قَرَنْفُلي
وحَلَبتُ للنّهْدينِ ضَرعَ سَحابةٍ
كانتْ جِوَارَ اللهِ لمْ تَتَنزَّلِ
فَدَعي الرِّدَاءَ وأقْبِلي تُفَّاحَةً
حمْرَاءَ فوقَ سَتائرِ الليلِ الخَلي
لنُعيدَ للبُرجِ الحزينِ حمَامَهُ
ونرُدَّ للصَّحراءِ ماءَ الجدولِ
*********
أما نص الشاعر عبد العزيز جويدة
*************
يا باكيًا😭
فوقَ الحروفِ
تَظنُّها لا تَبتَئِسْ
للحرفِ نفسُ مَشاعِري
والحرفُ يَبكي
ثم يَضحكُ إن يَئِسْ
صَوتُ المُغنِّي في المُغنِّي
بالدُموعِ قد احتَبَسْ
والسيفُ عادَ
ولم يَعُدْ للآنَ فارسُهُ
فما جَدوَى التحيُّزِ للفرَسْ ؟
ماتَ الملِكْ
هو لم يَعُدْ غيرُ الدموعِ تَزُفُّهُ
وسَطَ انحِناءاتِ الحرَسْ
والسهمُ في قلبي لهُ طعمُ الوجيعَةِ
والفجيعةُ
خَلَّفَتْ قلبًا تَعِسْ
يا أيها الوجعُ الشَّرِسْ
ماذا سنفعلُ عندَما
في الحبِّ نَشعُرُ بالفَلَسْ؟
سنموتُ حتمًا بالخَرَسْ
فأشدُّ أنواعِ العذابِ ضَراوةً
قلبٌ تَصيرُ ضُلوعُهُ
في الليلِ فَكًّا يَفترِسْ
******
وسوف أقدم إطلالة على النصين التابعين لأبي الطيب المتنبي ، لنفرق من يصدق ومن يخون ، وبين هبنقة والمتنبي ، وبين أبي رغال وطه حسين .
هبنقة والمتنبي الجزء الاول

