حين يشتدّ الظلام… تتضاعف المعاناة ويولد الصمود: في اليوم العالمي لذوي الإعاقة البصرية والسمعية وسط حرب الإبادة في غزة

حين يشتدّ الظلام… تتضاعف المعاناة ويولد الصمود: في اليوم العالمي لذوي الإعاقة البصرية والسمعية وسط حرب الإبادة في غزة

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش

🇵🇸فلسطين ـ غزة

في غزة، لا تُكتب الحكاية بالأرقام، ولا تُختصر المأساة في صور الدمار أو إحصاءات الضحايا. هنا، تُقاس الحقيقة بمدى قدرة الإنسان على البقاء حيًّا بكرامة، في واقعٍ يُحاصر كل تفاصيل الحياة ويضغط على الروح قبل الجسد.

وفي اليوم العالمي لذوي الإعاقة البصرية والسمعية، لا يأتي الحديث في سياق احتفالٍ رمزي، بل في قلب كارثة إنسانية مفتوحة، حيث تتقاطع الإعاقة مع الحرب، ويتضاعف الألم في بيئةٍ تُفقد الإنسان أبسط حقوقه في الأمان والوصول والتواصل.

في ظل حرب الإبادة المستمرة على غزة، تتكشف معاناة أشد قسوة لفئةٍ هي الأكثر هشاشة والأكثر احتياجًا للحماية: الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية والسمعية. فهؤلاء لا يواجهون إعاقتهم وحدها، بل يواجهون معها حربًا كاملة تعيد تشكيل حياتهم على أساس الخطر الدائم والحرمان المتواصل.

فاقدو البصر في غزة اليوم لا يصطدمون فقط بغياب الرؤية، بل بواقعٍ انهارت فيه معالم الطريق، وتبدلت فيه البيئة إلى مساحة غير آمنة وغير قابلة للتوقع. كل حركة تصبح مغامرة، وكل انتقال يعتمد على دعمٍ بات صعبًا في ظل الانهيار الإنساني الشامل. إنها حياة تُعاش على الحد الفاصل بين النجاة والخطر في كل لحظة.

أما الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية، فهم يواجهون شكلاً آخر من العزلة القاسية؛ عزلة التواصل. فحين تنقطع الكهرباء، وتضعف البنية التحتية، وتغيب وسائل الإعلام الميسرة ولغة الإشارة في الخدمات الطارئة، يصبح الوصول إلى المعلومة تحديًا وجوديًا. وفي الحرب، المعلومة ليست تفصيلًا… بل قد تكون الفرق بين الحياة والموت.

إن ما يجري في غزة لا يضاعف الإعاقة فقط، بل يكشف حجم الإعاقة في العدالة الإنسانية ذاتها. فالحرب هنا لا تهدم البيوت فحسب، بل تهدم أيضًا أنظمة الحماية، وتُسقط مفاهيم الوصول العادل، وتكشف عجز العالم عن ضمان أبسط حقوق الإنسان في الظروف القصوى.

ورغم هذا المشهد الثقيل، يثبت الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية والسمعية أنهم ليسوا على هامش الحياة، بل في قلبها. يصنعون من الصمت لغة، ومن الظلام بصيرة، ومن الألم صمودًا لا ينكسر. وجودهم في هذه الظروف ليس مجرد بقاء، بل شهادة حيّة على قوة الإنسان حين يُحرم من كل شيء إلا الإرادة.

إن المطلوب اليوم ليس التعاطف الخطابي، بل فعل حقيقي يعيد تعريف الحماية والتمكين:

منظومات تواصل ميسّرة، دعم تقنيات مساعدة، تفعيل دائم ولحظي للغة الإشارة في كل الخدمات، وضمان وصول المعلومات بشكل عادل وفوري في أوقات الطوارئ.

فالعدالة لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يصل فعليًا إلى الإنسان حين يحتاجه.

وفي اليوم العالمي لذوي الإعاقة البصرية والسمعية، تبقى الرسالة أوضح من أي وقت مضى:

في غزة قد يُستهدف كل شيء، لكن لا تُستهدف الإرادة.

وقد يُحاصر الإنسان من كل الجهات، لكن لا تُحاصر كرامته.

وحين يشتدّ الظلام… لا تنطفئ البصيرة، بل تتحول إلى قوة مقاومة للحياة نفسها.

 

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش

🇵🇸 فلسطين ـ غزة 🇵🇸

28/6/2026

Related posts