مواجهة الفكر المتطرف تـبدأ من مناهج الدراسة

كتبت ناريمان حسن

___________________المقال____________
اشتدت في الفترة الأخيرة موجات المد المتطرف حول العالم، ويقوم القائمون على هذا التيار بمحاولة تجنيد الشباب والنشء الصغير وزرع الفكر المتشدد في عقولهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المواقع الإلكترونية التي يستطيعون النفاذ منها.. ومع بداية عام دراسي جديد يثور السؤال حول دور المدرسة في تحصين الطلاب من هذا الفكر وتقديم الإسلام الوسطي الصحيح، خاصة من خلال تدريس التربية الدينية.

مادة التربية الدينية من أهم المواد التي يجب التركيز عليها، وجعلها جزءاً أساسياً من التعليم في مدارسنا، وهذه مسؤولية تحتمها الظروف والتحديات التي تواجه الأمة كلها، ولم يعد كافياً أن نقدم للطالب في كل مراحل الدراسة مجرد قشور سطحية حول أحكام الصلاة والصوم وغيرها من العبادات أو كيفية أداء الشعائر، فنحن اليوم أمام طوفان من الفكر المتشدد يحاصر أبناءنا في كل مكان، ولهذا فلابد أن نعمل على حمايتهم من خلال المناهج، وبلا شك، فإن المدرسة هي خط الحماية الأول في مواجهة دعاة الفتنة والتشدد والتطرف فيجب أن نعلم الأطفال منذ الصغر المنهج الديني من خلال الاهتمام بالتربية الدينية بحيث يكتسب الأطفال العلم الديني الصحيح منذ الصغر على أيدي المعلمين المخلصين المؤهلين، بحيث يكون هؤلاء المعلمون من الذين يتمتعون بالوسطية والاعتدال، ولابد أن يقوم ولي الأمر من جانبه بتقديم النصح لأبنائه بأن يحرص على أن يجلس مع الأطفال في مجالس العلم والدروس الدينية، لأن هذه الفترة يتشكل فيها فكر الطفل، ولا بد أن نغرس لديه في هذه الفترة قيم التسامح وحب الأوطان، وأن نركز على المعاملات، ونحذر من الظواهر السلبية التي تهدد الفرد والمجتمع، وفي مقدمتها الفكر المتشدد.

لابد في هذا الإطار أيضاً من الاهتمام بتأهيل المعلمين وعدم التعامل مع ذلك المنهج المهم بسطحية، فيقوم بتدريسه أي معلم، بل بالعكس فهي مادة في غاية الأهمية، ولكننا للأسف أهملنا فيها طويلاً، ولم نهتم بتأهيل معلمين متخصصين، وهو ما أدى إلى لجوء الطلاب لمصادر أخرى لتحصيل العلم الديني

الاهتمام بمادة التربية الدينية أو الإسلامية يبدأ من إعداد المنهج الخاص بها، وهذا لابد أن يقوم به علماء دين موثوق في علمهم، فلابد أن يحتوي المنهج على جزء لا بأس به من القرآن الكريم، فلا ينبغي أن نهمل الدور الكبير الذي يلعبه حفظ القرآن في حماية النشء والشباب من الوقوع في براثن الفكر المنحرف والمتطرف، وكذلك السنة النبوية التي تبين رحمة ووسطية الإسلام وقبوله الآخر والتعددية الفكرية، ولا مانع من أن تقوم المدارس باستضافة علماء الدين المستنيرين لإعطاء محاضرات للطلبة في مختلف المراحل السنية، حيث تأخذ بهم إلى فهم الإسلام فهماً صحيحاً بعيداً عن الغلوِّ والتطرف، لأن الإسلام دين الوسطية والاعتدال في كل أمور الحياة حتى في العبادة، والحمد لله، ففي بلادنا علماء دين يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وقادرون على مخاطبة الشباب بوسائل العصر مدركين أن الفهم الصحيح يحمي من التطرف، فالجماعات المتشددة تقدم مفاهيم خاطئة لخداع الشباب والأطفال، ولذلك نركز دائماً على الفهم الصحيح وكشف زيف هؤلاء المتطرفين.

غرس القيم

لابد أن نعي أيضاً ونحن نتعامل مع مناهج التربية الدينية أن انتشار التطرف والتشدد يعود إلى تهميش تلك المادة المهمة ومحاصرة مناهجها بالمدارس، وهي أهم الأسباب التي أثرت على الهوية العربية، وتسببت في اتجاه البعض بتعاليم الدين نحو الفكر الشاذ والهدام، وغيره من الأمور غير السوية، فقد تركنا النشء يتعلم الدين بعيداً عن الجهة الصحيحة، وهو ما ظهر أثره هذه الأيام في تحرج بعض المسلمين من مناقشة الشعائر والمفاهيم كالحدود والحجاب، وهو ما جعل المتطرفين يفسرونها على أهوائهم، ولهذا فنحن في حاجة إلى غرس القيم الفاضلة، والأخلاق النبيلة والثقافة الإسلامية الصحيحة، في نفوس النشء، منذ المراحل الأولى للتعليم، من خلال مادة التربية الدينية منهجاً وتدريساً، فذلك يمنح النشء حصانة من تسلل الفكر المتشدد والمتطرف إلى عقله، فإذا أردنا إعادة أجيالنا إلى أحضان الهوية الإسلامية، فعلينا الاهتمام من جديد بمنهج التربية الدينية وإعادته كمنهج يعده علماء وخبراء من أهل الاختصاص.

المواجهة الفكرية

ا الاهتمام ببرامج ومناهج التربية الدينية في مدارسنا دعوة مهمة للغاية بعد أن أثبتت الأحداث أن مواجهة الجماعات الإرهابية أمنياً وعسكرياً لم تقض على هذا الفكر المتشدد، فما زالت موجاته مستمرة، ولهذا فإن أفضل سبل مواجهة هذا الفكر بدءاً من المدارس فالاعتماد على الأسلوب الأمني والعسكري وحدهما لم يعد كافياً لهذا فمن الضروري أن يتم التعامل مع منابع الإرهاب، فلابد من التعامل مع منهج التربية الدينية كأداة لمحاصرة ومواجهة المد المتطرف، لذلك فمن انطلاقاً من السيرة النبوية والآداب الإسلامية والقيم التي تحمل معاني الرحمة والتضامن والتعاون والاحترام والمحبة والتسامح، وتعزيز ثقافة احترام الآخر والحوار وتقبل الاختلاف.

يستمر منهج التربية الدينية منذ المرحلة الابتدائية وحتى المراحل الجامعية، فلا يجوز استثناء أي سن من ذلك في ظل الهجمة الشرسة من الجماعات المتطرفة والمتشددة، ولابد أن استثمار سنوات الدراسة، فهي مجال كبير لتقويم السلوك، كما أنه من المعلوم أن جميع ما يدرسه ويتعلمه الإنسان في مراحله الأولى يظل محفوراً في الذاكرة والسلوك العملي أكثر من الذي يتعلمه من خلال القراءات الحرة، ومن هذا المنطلق،

فإنني أطالب المسؤولين بجعل مادة التربية الدينية مادة أساسية في المراحل التعليمية خاصة في مراحل التعليم الابتدائية والإعدادية والثانوية، ولأننا في زمن ينتشر فيه التشدد انتشار النار في الهشيم، وهو ما يحتم علينا الاعتناء بالتربية الدينية خاصة في المراحل الابتدائية والإعدادية وبالنواحي الأخلاقية، كالصدق وحسن المعاملة وإتقان العمل وحب الأوطان، وبهذا تكون مادة التربية الدينية قد وضعت موضع الاهتمام، لتخريج جيل يعلم كيف يتعامل مع ربه ومجتمعه بطريقة تحميه من الوقوع في مستنقع الجهل تارة والأمية الدينية تارة أخرى، وأيضاً من الفكر المتطرف والمتشدد.

Related posts