🔘مقالتي الجديدة في صحيفة (ضدّ الإرهاب) اللندنية بعنوان:
“بريكست: هل ستحسن بريطانيا استغلال المهملة الجديدة لحلّ الأزمة؟!”
بقلم الروائي الجزائري/ مولود بن زادي
متابعة عبدالله القطاري مراسل جريدة أخبار العالم من تونس
كان مقررا أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوم 29 مارس /آذار. وها قد حلَّ ذلك الموعد الذي طال انتظاره وما برحت بريطانيا عضوا كاملا في الاتحاد الأوروبي تماما مثلما كانت قبل استفتاء يونيو /حزيران 2016 وبعده. إنه الانقسام الذي أحدثه البريكست في صفوف أعضاء البرلمان البريطاني الذي رفض أكثر من مرة (اتفاق الخروج) الذي وقعته رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي مع المفاوض الأوروبي، وفشله في الاتفاق على صيغة ما للخروج من الاتحاد الأوروبي بأقل الأضرار.
كل ما استطاعت بريطانيا تحقيقه قبيل موعد الخروج من الاتحاد هو الحصول على تمديد مهلة الخروج إلى غاية 12 أبريل/نيسان. وكما كان متوقعا، لم تكن هذه المهلة كافية للتوصل إلى اتفاق في البرلمان البريطاني، لكنها لحسن الحظ، كانت كافية لإنقاذ بريطانيا من مأزق الخروج دون اتفاق الذي أكدت كل تقارير الخبراء أنه سيكون كارثيا ويضرّ بالاقتصاد والخدمات والمواطن.
وفي غياب الحلول، في أكبر أزمة في تاريخ البرلمان البريطاني، وجدت تريزا ماي نفسها متجهة مجددا إلى بروكسيل لدعوة الاتحاد الأوروبي إلى تمديد آخر. كان الأمر هذه المرأة أكثر صعوبة وإحراجا من المرة الماضية حيث نظر بعضهم إلى تريزا ماي كما لو أنها أتت إلى أوربا للتسوّل. وكان الأمر، في القمة الأوربية الاستثنائية، أشبه بالمحاكمة. دخلت رئيسة الوزراء غرفة الاجتماع وألقت خطابا لمدة ساعة عرضت فيه حجتها للمطالبة بتأجيل البريكست وتمديد المدة، أشبه ما يكون بشهادة المتهم في المحكمة. بعدها خرجت وبقي ممثلو الدول الأعضاء للتباحث واتخاذ القرار. وانتظرت تريزا ماي ساعات طويلة مثلما ينتظر المتهم قرار المحكمة، ليأتي القرار في وقت متأخر من الليل بعد خمس ساعات من المحادثات، حيث تم استدعاء رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، مرة أخرى، إلى القمة. حيث تكرّم الاتحاد الأوروبي بتمديد المهلة إلى غاية 31 أكتوبر/تشرين الأول.
أعضاء الاتحاد الأوروبي لم يخفوا خيبة أملهم وتذمرهم نتيجة عجز بريطانيا عن التوصل إلى حل بعد كل الوقت وهو ما يؤثر سلبا في دول الاتحاد ويشغلها عن التركيز عن مسائل أخرى تهمها. قرار التمديد لم يخلُ من الشروط. ورسالة التحذير من الاتحاد كانت واضحة وأتت مباشرة بعد انتهاء القمة على لسان رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الذي قال محذّرا: “الرجاء عدم تضييع هذا الوقت!”
بقاء بريطانيا في الاتحاد إلى غاية نهاية أكتوبر/تشرين الأول يفرض عليها إجراء الانتخابات الأوروبية المقررة في شهر مايو/آيار.
من مزايا هذا التمديد مرونته، إذ أنه يسمح لبريطانيا بالخروج في حال التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء المهلة.
تريزا ماي التي أدركت أخيرا أنها لن تستطيع تمرير صفقتها في البرلمان دون تأييد نواب المعارضة باشرت مباحثات مع خصمها اللدود جيرمي كوربين، وهو ما أثار استياء عدد من أعضاء حكومتها الذين قد يستغلوا هذه “التجاوزات” لمحاولة ازاحتها من كرسي رئاسة الوزراء. هذه المباحثات قد تتعثر في أي وقت نظرا لحساسية هذا التقارب الغير مرغوب فيه من الجانبين، وصعوبة تقديم تنازلات أو بالأحرى عجز كل من تريزا ماي وجيرمي كوربين عن تقديم تنازلات لا ترضي أعضاء الحزبين وقد تكلفهما أي تنازلات غير مرغوب فيها وظيفتهما، إضافة إلى انعدام الثقة بينهما. حزب العمال مثلا يتخوّف من عدم التزام زعيم محافظ آخر يخلف تريزا ماي بهذا الاتفاق في غياب ختم قانوني.
وإن كان التمديد يجنّب بريطانيا الخروج الكارثي ويمنحها مزيدا من الوقت لترتيب الأمور والبحث عن حل لهذه الأزمة، فإنه لا يخلو من السلبيات. فهذا التمديد يُشعِر كل طرف أنّ بريطانيا باتت في مأمن من الخروج من غير اتفاق، وأن لديه ما يكفي من الوقت لمحاولة فرض حلوله المفضلة. رئيسة الوزراء تريزا ماي نفسها ستحاول بلا شك استغلال الفرصة لعرض صفقتها مجددا على البرلمان وستحاول أن تؤكد مجددا أنها أفضل من الخروج دون اتفاق أو البقاء في الاتحاد.
على تريزا ماي أن تستفيد من التجارب السابقة التي أثبتت أن عرض صفقتها على البرلمان مجددا دون تقديم تنازلات، لن يغيّر شيئا في الواقع، وأنّ لغة التحذير والوعيد لا تؤثر في نواب البرلمان البريطاني. ويتوجب عليها أخذ تحذير الاتحاد الأوربي بكل جدية والتعجيل بعرض كل الحلول الممكنة لحل هذه الأزمة دون شروط مسبقة أو خطوط حمراء لم تسمح لها بتحقيق اي تقدم في الماضي.
ولعله لم يبق أمام تريزا ماي اليوم إلاَّ حلّان:
🔘محاولة أخيرة لإنقاذ صفقتها بالتوصل إلى اتفاق مع حزب العمال لن يكون من غير تضحية بالخطوط الحمراء ودون مقابل، وأقل ما سيطلبه حزب العمال هو بقاء بريطانيا في الوحدة الجمركية.
🔘وإن فشلت هذه المباحثات يجب على تريزا ماي تقبل الأمر الواقع والعدول عن كل الخطوط الحمراء الأخرى وقبول إجراء استفتاء شعبي آخر يقرر من خلاله الشعب البريطاني ما عجز عن حسمه ممثلوه في البرلمان. ويجب أن يشمل الاستفتاء ثلاثة خيارات تلبي مطالب التيارات المتصارعة في البرلمان والمجتمع ككل وهي:
🔹(اتفاق الخروج) وهو صفقة تريزا ماي والاتحاد الأوروبي.
🔹(الخروج دون اتفاق) وهو ما يفضِّله دعاة البريكست المتشدّدون من أمثال نايجل فاراج الذي سارع مؤخرا إلى إنشاء حزب جديد يدعي حزب البريكست. وهذا أيضا خيار وزير الخارجية السابق بوريس جونسن.
🔹(البقاء في الاتحاد الأوروبي) الذي يؤيده آخرون من أمثال الحزب القومي الاسكتلندي وزعيم حزب الديمقراطيين الأحرار فينس كايبل، فضلا عن حزب الخضر وعدد كبير من أعضاء حزب العمال وبعض أعضاء الحزب الحاكم نفسه.
ويبقى السؤال الآن: هل ستحسن بريطانيا استغلال هذا التمديد للخروج من الأزمة عملا بنصيحة الاتحاد الأوروبي؟ وهل الخروج من الأزمة سيكون عن طريق مباحثات رئيسة الوزراء مع الحزب المعارض وبمصادقة البرلمان أم أنه لا مفر في آخر المطاف من استفتاء يحدد فيه الشعب البريطاني مصيره؟
ستطلعنا على ذلك الأسابيع أو الأشهر القادمة.
مولود بن زادي طيور مهاجرة حرة – بريطانيا