عن المستشارين البلديين واليهم : قراءة في مهام ودور المستشار البلدي داخل المجلس البلدي

عن المستشارين البلديين واليهم :
قراءة في مهام ودور المستشار البلدي داخل المجلس البلدي
بقلم محمد السلايمية مستشار بلدي، باحث في مجال الجماعات المحلية
تونس. متابعة إيمان المليتي
“.. عندما نرى الناس أو بعضهم عاجزين عن معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية أو عن اكتشاف حلولها الصحيحة أو نراهم مفتقدين المهارة اللازمة لتنفيذ تلك الحلول في الواقع فلا نعزلهم عنا ولا ننعزل عنهم ولا نستعلي عليهم ، بل ننتبه بقوة ، إلى أننا نواجه فيهم أخطر مشكلات التطور الاجتماعي التي يطرحها واقعنا : تخلف البشر . فلا نهرب منها او نستهين بها بل نضعها فوراً في المرتبة الأولى من المشكلات الاجتماعية الملحة التي يجب ان تحل”
عصمت سيف الدولة
نستطيع الجزم بعد اكثر من سنتين ونصف على تنصيب المجالس البلدية – وقد انقضت نصف العهدة النيابية–، أن المجالس البلدية عاجزة ومشلولة، فلم تتمكن فعلا من تمثل آليات العمل البلدي، ولم تنجح في وضع بصمتها وتقدم الاضافة عما سبق من المجالس الصورية المعينة وفق قانون سنة 1973، وذلك لعدة أسباب يتداخل فيها القانوني بالسياسي والجانب الموضوعي بالجانب الذاتي. كنا قد انطلقنا في دراستها والبحث في أغوارها من خلال كتابنا initiation à la décentralisation كذلك من خلال سلسلة المقالات التي انطلقنا في نشرها تحت عنوان “عن المستشارين البلديين وإليهم”، وحيث اننا لم نبتغ من انتقادنا للمسار الحالي استنقاصا من دور المجالس البلدية الحالية، ولا أن نبخس جهودها ولا النزر القليل من إنجازاتها في ما مر من العهدة. إنما أردنا أن ننير درب المستشار البلدي ونضعه على الطريق السوي لفهم عدة جوانب في مسألة المجالس البلدية وخصوصا المستشار البلدي كعماد للتجربة.
وحيث ان تركيزنا في مقالنا هذا، يتمحور حول المستشار البلدي، ماهي مواصفاته؟ ما المطلوب منه صلب المجلس؟ وماهي حدود تدخله؟.
ولئن كانت مجلة الجماعات المحلية خطوة هامة للأمام، تحتاج على الدوام التجويد والمراجعة في بعض الجوانب، حتى تلبي الغاية منها، وتحقق الهدف الأساسي من تقسيم التراب الوطني على بلديات تتمتع بالاستقلالية المالية وتعتمد مبدأ التدبير الحر، لتحقيق التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين وتشريكهم في اتخاذ القرارات التي تخص منطقتهم. الا أن القائمين على مشروع تجربة السلطة المحلية قد غفلوا او تغافلوا منذ البداية أي منذ سن القانون الانتخابي ، عن نقطة مفصلية حيوية في مسار بناء السلطة المحلية، الا وهي “المستشار البلدي كعماد للتجربة” فمن الانسان وحده ننطلق في بناء التصورات والانجازات ومنه يفترض ان تبدأ المسيرة، فكانت التصورات غائبة والانجازات محدودة، لا لشيء سوى أننا نطلب ممن لا يملك يعطي تصورات وتلك كانت من أبرز الإشكاليات التي وقفنا عليها من الممارسة والمتابعة لواقع المستشارين البلديين البالغ عدد 7212 مستشارا موزعين على 350 بلدية تغطي التراب الوطني.
نقطة البداية كانت في تقديم الترشحات وهو حق لكل مواطن يتمتع بحقوقه المدنية مسجل بسجل الناخبين، بلغ من العمر 18 سنة تونسي الجنسي ومرسم بسجل الناخبين في الدائرة الانتخابية ولا تتخلد بذمته أي ديون جبائيه، على هذا الأساس يكون الترشح متاحا “للجميع”! ضمن قوائم انتخابية يختلف عدد أعضائها بحسب عدد السكان في الدائرة الانتخابية ، فكانت الأولوية على هذا الأساس للكم على حساب النوع فلم يتطرق القانون الانتخابي امام هذا الكم من المستشارين سوى للجانب الشكلي متغافلا عن المضمون والمهام المطلوبة من المستشار البلدي بل أن مجلة الجماعات المحلية التي تضمنت المهام والادوار قد صدرت بعد ان قدمت الترشحات وانتهت والانتخابات وصدرت النتائج، فكان جل المترشحين غير واعين بمهامهم وما ينتظرهم ساعة ترشحهم للانتخابات! -وكم كانت خيبة امل الكثيرين جلية ممن انتظروا من ترشحهم لعضوية المجالس البلدية منحة او مقابلا ماديا-.
وحيث أن المستشار البلدي يمارس عددا من المهام المتفاوتة الاهمية تتلخص أساسا في:
• حضور، جلسات المكتب البلدي، الجلسات التمهيدية، العادية، الاستثنائية وجلسات اللجان.
• اقتراح وبناء تصورات وبرامج سواء في مجالات الحوكمة، التصرف، التكوين وغيرها
• متابعة ومراقبة حسن تطبيق قرارات المجلس
• دفع المواطنين للحضور والمشاركة في النقاش داخل اللجان والجلسات بما يكرس مبادئ التشاركية والشفافية
• دعم الثقة بين المواطن والادارة كون المستشار البلدي حلقة وصل بين الطرفين
• الترويج للمخزون الثقافي والسياحي المحلي

وهنا يمكننا أن نطرح سؤالا ونحن أمام هذه المهام الموكلة للمستشار البلدي هل يمكن لأي مواطن أن يضطلع بهذه المهام؟ هل من الممكن أن نقول أن الأحزاب ستدفع بخيرة كفاءاتها لتصدر القوائم البلدية؟ هل أن النخب والكفاءات ستتجمع وتترشح في قوائم مستقلة؟ يبدو أن هذه التساؤلات تملك جوابا بسيط وهو أن الأحزاب ستدفع في المجمل في صدارة قوائمها بالعناصر القادرة على التجميع وكسب الاصوات فالغاية هي الفوز بأكبر عدد من المقاعد بما يخول للقائمة المترشحة مزيدا من النفوذ في التفاوض على رئاسة المجلس البلدي واللجان الحيوية –وإن كانت كل اللجان في تقديرنا متساوية القيمة لصبغتها الاستشارية والسلطة التقريرية للمجلس-. على هذا الأساس فالأحزاب وتمثلات المستقلين تعطي الاولوية للكم على حساب النوع في حين أن البلديات تعاني من عديد الصعوبات خصوصا في جانب شح الموارد البشرية وضعف نسبة التأطير فتكون حشود المستشارين البلديين غير ذات فائدة في عديد من الحالات لعجزها عن اسناد الاطار البلدي وسد النقص قدر الامكان في الاطارات التي تخلق التصورات، تشرف وتراقب.
يتراوح عدد المستشارين ما بين 12 و60 مستشارا بحسب عدد السكان، وهو عدد أكثر من كاف لو توفر عنصر النوع والكفاءة والالتزام ليقوموا بالمهام الموكلة لهم بما يمكن من تحسين الوضع على المستوى المحلي؟ كم عدد المستشارين البلديين الذين يقومون بما يخوله لهم القانون؟ على الارجح ان عدد الفاعلين قليل جدا، ومن هنا تبرز للسطح الاشكالية التي انطلقنا منها ألا وهي المستشار البلدي على اعتبار ان الترشح لم يأخذ بالاعتبار مؤهلاتهم والقيمة المضافة التي قد يضيفونها للمنطقة دون ان نغفل عن شرط تفرغهم النسبي . ولم تراع مجلة الجماعات المحلية، في فصولها الأربع مائة أيا من ذلك فغابت عديد الشروط للترشح بما يحقق الفرز الايجابي لتحقيق التنمية وهنا يطرح سؤال جوهري هل الهدف من ارساء السلطة المحلية تسهيل عملية التنمية المحلية او تحقيق المشاركة الواسعة في الشأن البلدي؟
ومن ضمن الشروط التي غابت في تقديرنا عن القانون الانتخابي وكان يمكن للمشهد ان يكون غير المشهد الحالي لو تم التفطن لها:
– شرط التفرغ الجزئي وهو غير مطروح وكان من الممكن ان يستظهر المترشح بما يثبت ان له هامش حركة خصوصا المشتغلين في القطاع الخاص بما يخوله الحضور في الحد الادنى من الجلسات وهذا ايضا لم يتم تحديده في مجلة الجماعات المحلية واكتفت بترك ذلك للسلطة التقديرية للمجلس وهو أمر يثير حساسيات عديدة داخل المجلس نظرا لعدم تجانس المجلس واختلاف مكوناته وأي توجه لأحد أعضاءه المقصرين قد يؤول كاستهداف لطرف سياسي من طرف سياسي آخر .
– شرط التمكن من اسس العمل البلدي بما في ذلك الحد الادنى من التكوين العلمي وضمان حد أدنى من المترشحين ضمن القوائم من الخمس مترشحين الأوائل من ذوي الاختصاص في القانون او الاقتصاد والمالية والمحاسبة.
ومع ذلك فقد تضمنت مجلة الجماعات المحلية نقطة منيرة في مجال تكوين المستشارين المنتخبين وهي الفصل 43
“لأعضاء المجالس المحلية واعوان الجماعات المحلية الحق في تكوين يتناسب ومهامهم
تعمل الجماعات المحلية على التعاون مع مؤسسات التعليم العالي ومؤسسات التكوين لتنظيم برامج تكوين لفائدة المنتخبين والاعوان”
ويبقى تطبيق هذا الفصل معضلة لضعف امكانيات التكوين اللوجستية الموضوعة للغرض امام الكم الهائل من المستشارين البلديين لتكون مراجعة عدد المستشارين ضمن الدوائر البلدية امرا ضروريا لتوضيح الصورة وتسهيل المهمة سواء من حيث النصاب القانوني للجلسات، سهولة الحصول على تكوين وتخفيف الضغط الغير مبرر على الادارة البلدية. كما تبقى فكرة احداث شراكات مع مؤسسات التعليم العالي كإحداث دبلوم مستشار بلدي او مستشار في التنمية المحلية نقطة هامة بادرت المدرسة العليا للتجارة بتونس بإحداث ماجستير في الغرض ما يزال الاقبال عليه ضعيفا من عموم الطلبة لضبابية مسألة البلديات في نظر العموم.
تظل التنمية المحلية وتحسين مناخ العيش داخل المنطقة البلدية هي عماد التوجه نحو اللامركزية واحالة صلاحيات للبلديات في اطار الحد من سلطة المركز وتغوله، ورغم ان الطريق ما يزال طويلا الا ان حالة من الخمول والتعاطي السلبي مع ملف البلديات قد تطيل الطريق سنوات اخرى ويظل المواطن الخاسر الأول والأخير.

Related posts