بقلم : محمد فياض
بقلم : محمد فياض
عايز جوباتك يعنى إفترقنا خلاص
فتحت صندوق خشبي مزخرف بنقوش هندسية جميلة، كانت انامل مبدعة قد قامت بهذا النقش، لم اكن أعلم انه يوما ما سوف يكون غالي وعزيز علي بهذا القدر، يوم سلمتني أياه جدتي وعمري انذاك لا يفوق اربعة عشر من عمري، كانت هديتها هاته غالية عليها هي أيضا وهي تسحب منها بعض الحلي الفضي وسلسلة وخاتم ذهبي منه، وكذا بعض الاوراق ومحفظة جيب رجالي مصنوعة من الجلد الخالص أخبرتني أنها كانت لجدي، رحت اعانق الصندوق والكل من حولي يضحك علي، لأني قبلت هذا الصندوق القديم من جدتي، لكن معزة جدتي عندي وحبي للاشياء العثيقة جعل له مكانة خاصة جدا، كنت كلما اعود للبيت من الدراسة أذهب إليه واتفقده، وضعت فيه بعض الخلي والساعات التي كنت أرتديها آنذاك ودميتي المفضلة التي لازلت احتفظ بها لحد الساعة، أهداني اياها بابا وعمري لم يتجاوز السنة، فكان عمرها من عمري كما كانت تقول لي ماما، أخرجت كل الرسائل التي جمعتها طيلة أربع سنوات، كانت تمثل لي الروح التي تسكنني، أمسكتها برقة ورهبة وقداسة لا متناهية أبدا، مرتبة حسب وصولها إلي من اول رسالة ألى أخر رسالة، كانت مثل جداء أعداد شهيرة دوما محصورين بين حاضنتين أو قوسين، كانت كل الرسائل محصورة بين أول رسالة وأخر الرسالة، أي بين أول اعجاب ومصارحة بحبه، وأخرها التي تمثل الوداع والرحيل، كأني جمعت أحلامي وطموحي ونبض قلبي وتدفق الدماء في شرايين كل جسدي في هاته الاوراق والحروف والكلمات، كان حبرها الأسود مستمد من دمي كانها مكتوبة برحيق قلبي، ما أجمل أحلامي فيها وما أروع المستقبل الحالم الذي رسمته في طياتها، كنت أعشق كل حروفها كما عشقتك انت تماما، كنت أسبح فيها كبحر الحياة دون ملل أو كدر لأني أتجدد فيه كالأسماك، أعبره كالسفن، أرقص فيها كالأمواج تماما، اعانقها كالمياه المالحة، لم أشعر أبدا بالغربة والحرمان وهي نائمة دائما في هذا الصندوق العجيب، ما أروع رائحتها الزكية وصفاحتها الورقية، ورسومات مخربشة بالقلم الجاف، كنت تخربشها كلما امتدت مخالب الاشواق إلى قلبك كي تعبث به فترحل اليها كي تخفف عنك ثقل اللهفة واوجاع البعد، كنت ترتل قوانينها كشعر ملحون ورثناه عن الأجداد، وحفظناه وكررناه واحببناه، كنت أجمع كل انفاسك القوية واضمها بلطف إلى صدري، كانت هي مؤنسي عند غيابك ورحيلك المتواصل، إنها تلك الشموس التي تشرق على حياتي وتحولني إلى قطع من نور، وتورقني كأشجار الأرز والسرو دائمة الاخضرار، تجعلني شامخة كالجبال وقوية كالغابات الكثيفة، حضنت كل رسائلك بقوة وضممتها إلى صدري كطفل صغير وانا أشم رائحتها واشعر بثقل حروفها، ثم أبعدتها عني لأني تذكرت أنك طلبت مني ان انساك وان ارد لك كل رسائلك وأنك تريد ان تعيد كل الكلمات التي ظللت ترسمها لي سنوات طوال، ظللت تكرر علي قطع موسيقاك المزيفة ومقاطع النغمات الكاذبة، حتى قدرت ان تجمع كل عمري فيها وتجمع أحلامي وطموحي، وتجعلني كالطفلة تركض بين الحقول والجداول غير مبالية بما يدور حولها لأن حبك لي كان يحميني حتى من نفسي، ها انت تعري مشاعري وتفضح قلبي الذي تعلق بك حين كان يدمن كتاباتك، حين كانت رسائلك تصلني كل اسبوع وكل شهر، فأدمنتك معها، ترى لو لم تكتب لي هاته الرسائل هل حقا أحببتك بهذا الجنون وتعلقت بالحياة كلها بهذه القوة، كانت حروفك وحدها نغمي ورحلة العشق الأبدية، نسجت لك خلالها الف رواية والف قصة والف قصيدة، رددت عليك بدفاتر كثيرة وكبيرة دونت فيها كل جماليات الكون وكتبتك فيها فارس أحلامي، أتراك كنت أكبر كذبة في حياتي، كنت تكتب برحيق قلبك لكن قلمك يخط لعنوان آخر، تريد رسائلك تعالى وخذها وأرجع لي كل ايامي وافراحي، ارجع لي سنيني ومرحي وأفراحي، كم أمني نفسي أن أعيد قراءتها كي أعيد النظر في قضية قلبي المغشوش فيك، كي أمنحه حق القرار والحكم عليك بالنسيان المؤكد.
مستوحاه من أغنية عايز جوباتك (رائعة المطربة الفنانة الكبيرة السيدة نجاح سلام و الحان الموسيقار العبقري رياض السنباطي وكلمات الشاعر الغنائي/ حسين السيد )
عايز جواباتك