تجربة عزالدين الغنائية الإنسان والوطن وفلسفة الحياة

 

 

 

 

 

تجربة عزالدين الغنائية
الإنسان والوطن وفلسفة الحياة
يوسف الجادر
هكذا عرفته تأخذه الجملة الشعرية، والمفردة ليحقق بها فضاءه الموسيقي والغنائي الخاص، بل ولينهل من معجمه اللحني أصوات تساهم في تصوير الجملة الشعرية غناء وموسيقيا.
عزالدين الأمير المولع بتفاصيل الجملة الشعرية وسحرها الدرامي، يبوح بصدى المفردة غناءً وموسيقا، ويكشف في الغناء ذروة الوجد والتصوف بالإنسان والوطن وحكايتهما، كأنه يتربص لالتقاط الجمال في كينونته، ويعيد للمفردة والجملة الشعرية ولادتها الجديدة لتصبح في خضم مشروعه الغنائي الإنساني الذي يزدحم بتلك المفردات (الحب ـ التسامح ـ الوطن ـ الجمال ـ الخير ـ السكبة).
من هنا يمكن أن يدخل الأمير باب الموسيقا الغنائية بكل جسارة العاشق للغناء وبجدارة طن المتقن لتفاصيل اللحن بمساحة صوتية تكاد تكون متواضعة، لكنها رسالتها ونهجها الأخير تكون بمثابة طلقة وجرس إنذار لما يحدث بالإنسان والوطن وتفاصيل الحياة، ومن جسارة العاشق للإنسان بقيت الأغنية في فلك إحساساته وتصويريه ورؤيته المرهونة بأمل الحياة والعيش بكل تفاصيلها المختلفة.
لايسعني في الوقت القصير من هذه الندوة أن أدخل عالم عزالدين الأمير الموسيقي والغنائي بكامل أبعاده، لكنني حاولت أن أكشف بعد غنائيته عبر تحليل بعض الأغنيات التي تنسجم وفكرة الأغنية الوطنية والإنسانية من جهة، وتوغل في بحر دلالة الجملة الشعرية وحركتها وتطويعها لحنياً أمام السيل الجارف من التقنيات والإمكانيات الصوتية الهائلة التي توفرت في عصرنا بعيداً عن الموسيقا الخالصة.
الأغنية الأولى: شقشقة الصور
تبدأ الأغنية بأصوات الكمنجات وجملها الموسيقية بالأصوات الحادة والتي يبدو فيها الإيقاع متلاشياً أو يكاد معدوماً، لكن الإيقاع يتضح ملمحه في مفردة صور التي تأتي كمقدمة لما سيحدث في الزمن البيولوجي للإنسان والذي يتحول إلى صورة صامتة، بل وكأن الحياة تقف عندها لأن الحياة كما تظهر في الأغنية هي ذاكرة أو صور .
(صور شو حلوين الصورْ
صور ياقلبي آه من الصورْ
صور ومعلقة
صور ومبروظة
صور منسية جوى البيت
الأوقات كلها صور
الحياة كلها صور آه ياقلبي من الصورْ
صور مابتنتهي الصورْ
وفي الكوبليه الثاني من الأغنية يحدد الأمير لحظة صمت الصورة فينسجم سكون النون في مفردة الزمنْ، وكذلك سكون الخاء في مفردة التاريخْ، والميم الساكنة في مفردة الأيامْ، نسمع الكوبليه:
(لحظة الوحيدة اللي بيوقف فيها الزمنْ / ويوقف التاريخْ / وتوقف الأيامْ ، كل صورة بتحمل ذكرياتها /من بين الصورْ)
ويظهر صوت الكولا من بين الوتريات الحادة ليحدد مصير الصورة الذاكرة التي توقفت في لحظة فرح أو جمال وبكثير من الألم والوجع أو ربما بكل حالاتها تلك الصورة هي مصير الكائن، وكأن انسجام صوت الكولا هنا مع استغاثات صوت الكمنجات يبوح بكثير من أوجاع الذاكرة.
(ذكرياتن صارت محفوظة بصور /
وذروة لحن الأغنية يظهر في الكوبليه الأخير والذي يكشف شيئاً فشيئاً عن نهاية المشهد ومصير الذاكرة ومصير الصورة التي تآكلت وذهبت كغيمة بلامطر، وخصوصاً حين تأتي الأجيال في آخر الأغنية ليتسلوا ويلعبوا بتمزيق الصور (شقشقة الصور).
ساعات العمر مفرزة ومغربة
من ناس بتخزق صور
الأغنية الثانية (بنعمرها)
تبدأ الأغنية بأداء صوت نسائي جماعي بجملة موحد (بنعمرها) وهو أداء لحني في طبقة صوتية عالية تشير إلى الاستغاثة من الوجع والألم، وثم يترج اللحن شيئاً فشيئاً ليصل إلى قاع الصوت في البوح والوجد في جملتي (أنتو نحنا ، نحنا أنتو ، وين ماكنا ووين ماكنتوا) وفي ذروة اللحن والانتقال إلى قاع الوجد والتصوف تأتي جملة (بمحبتنا ، بمحبتكن/ بطيبتنا بطيبتكن) فيظهر التشديد على النون الساكنة لتعطي دلالة الحوار والوقفة التأملية لما حدث من وجع ومن آلام.
ويستمر النهج اللحني والصوتي في أداء الجمل الغنائية لتصل ذروتها في (سورية بتبقى سورية ، تعمر فينا وفيكن أنتو) لتعبر في دلالتها على الفرح والأمل في خلق الجمال وبناء الإنسان في العمل والحب والطيبة بين الآخر والأنا. فيصبح الإيقاع واضحاً بفرحه وسروره حتى آخر الأغنية.
الأغنية الثالثة هي ( ياساتر)
تلك الأغنية التي نلمس في جوهرها المشهدية البصرية التي تتوافق مع اللحن، وكلمات الأغنية، بل إن الأمير في هذه الأغنية تحديداً يلوي عنق المفردة الشعرية ويطوعها بشكل جمالي ليخرجها من دلالتها الأولى فينزاح المعنى بانزياح اللحن فتصبح الجملة المغناة تعبير بصري مغاير وجديد، فكلمة (ياساتر) لم تعد لها الدلالة ذاتها التي تعبر عن القلق والدهشة والخوف والمغايرة، بل أصبحت تعبر عن الساتر الترابي الذي يفصل المتقاتلين وقت الحرب.
تبدأ الأغنية كما يحدث مع أغلب ألحان عزالدين الأمير بوضع بوابة لحنية تشير في تكوينها اللحني على اللحن الأساسي في جملة (إخوة ياساتر بتفرقتا دشمة وساتر ـ نحنا اللي جسمين بروح وعلى بعض نساتر) وهو بمثابة موال افتتاحي ارتجالي يضع المستمع داخل اللحن قبل الغوص في عوالمه، ويتضح ذلك بإمالة اللحن وزحلقته في الغناء التقليدي بعد (آه آه آ ه ياساتر ).
وفي الكوبليه الثاني يوضح اللحن وينسجم مع الكلام ليعبر عن السلام والمحبة التي تلاشت حين تصارع الأخوة كل خلف ساتره. لكن نهاية الأغنية تتضح الرسالة (رسالة السلام).
أخيراً يمكنني القول : إن تجربة عزالدين الأمير الإبداعية في الموسيقا الغناء تندرج ضمن التجارب الفردية التي تشتغل بمثابرة وجهد خاصين للوصول إلى الفكرة الإنسانية والوطنية العامة والتي تخدم في محورها الأساسي قضية الإنسان بأبعادها المختلفة. فأغنيته تكاد تكون طلقة أو جرس إنذار للوقوف أمام فكرة الإنسان الذي بدأ يتعرض إلى أبشع مظاهر البهاتة والغرق في الاستهلاكي والابتعاد عن الروحاني بأبعاده المختلفة.

 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏جلوس‏‏‏

 

 

Related posts