كتب – محمد مأمون .
الحكاية بكل بساطة لا تحتاج سوى وضع كلمة “كركشنجي” في محركات البحث ومعاجم اللغة العربية لتكتشف بسهولة أنا لا تعني أي شيء على الإطلاق ، ومع ذلك فقد إستطاع الرائع مأمون الشناوي أن يضع الكلمة على أعلى قمم الأغاني الشعبية في مصر والوطن العربي .
كركشنجي كلمة إستلهمها الشاعر الكبير مأمون الشناوي للتعبير عن حالة يجسدها شخص فقير وبسيط للغاية يلف على المحال صباحاً بمبخرة ، قاصد رب كريم أن يرزقه بما تيسر من مال من أصحاب تلك المحال .
ولأن الكركشنجي كان محبوباً من قِبل أصحاب الحي ويُساعدونه بشكل دائم ، فقد قرروا أن يجمعوا له ثمن خروف العيد ، والذي كان يبلغ ثمنه وقتها 7 جنيهات ، الأمر الذي أسعد الكركشنجي وأولاده وأخذوا يُهللون “كركشنجي دبح كبشه .. يا محلى مرقة لحم كبشه”.
وكما جاء في الأمثال ” قليل البخت يلقى العظم في الكرشة ” ولأنها المرة الأولى في حياته التي تتاح له فرصه ذبح خروف العيد فقد حاول الكركشنجي أن يسيطر عليه “عكشه” ، إلا أن الخروف الضحية كانت له وجهة نظر مختلفة تماماً “فركش”
ويعيد الكركشنجي الكّرة “نكشه” ، وتزداد إستماتة الخروف في المقاومة “طنش” ، حتى نحج في الفرار منه “قلشه” وجري في الشارع .
ولا يمل الرائع مأمون الشناوي من خطف الأذهان وإضافة المزيد من التشويق والإثارة لمستمع الأغنية الذي أصبح أكثر شغفاً للتعرف على الكركشنجي مستخدماً عبارات غامضة .
” سبع سلاطين استسلطناهم من عند المستسلطنين”، إذ يُندب كركشنجي حظه على الخروف الذي هرب ، والـ7 سلاطين التي إشتراهم ليضع بهم مرقة ولحم الكبش ، “تقدر يا مسلطن يا مستسلطن تستسلطلن لنا .. سبع سلاطين زي ما إستسلطناهم من عند المستسلطنين” ، أي تقدر يا من تسخر من كبشي الذي هرب أن تأتي لي به أو بغيره لأضع لحمه بالسلاطين؟
“سبع دبابيس إستدبسناهم من عند المستدبسين” في إشارة إلى أن كركشنجي أتى بسبع دبابيس ليدبّس بهم فروة الخروف من أطرافها بعدما يُذبح ، “تقدر يا مدبس يا مستدبس تستدبسلنا .. سبع دبابيس زي ما استدبسناهم من عند المستدبسين” ، أي تقدر يا من تسخر وتضحك عليّ لأن الكبش هرب ، تجيب الكبش لأدبحه و”أدبّس” فروته ؟؟
“سبع لحاليح استلحلحناهم من عند المستلحلحين” يعني سبعة جنيهات أو لحلوح عطف علينا التجار بهم ، “تقدر يا ملحلح يا مستلحلح تستلحلحلنا.. سبع لحاليلح زي ما استلحلحلناهم من عند المستلحلحين”، متسائلاً عن حد من اللي نازل سخرية يقدر يجيبله 7 لحاليح غيرهم ؟؟
كركشنجي لم تكن فقط واحدة من أصعب وأنجح الأغاني الشعبية التي كتبها الرائع مأمون الشناوي ، بل زادها صعوبة على صُناع الأغنية الشعبية عندما تخلى الموسيقار الكبير حسن أبو السعود عن وضعها في قالب الموال الذي تميز به الفنان أحمد عدوية ويضعها في قالب موسيقى راقص جديد ربما كان السبب في إعتلائها قمة الأغنية الشعبية حتى الأن .
ويظل الشاعر الغنائى الراحل مأمون الشناوى واحداً من أساطين الأغنية العربية ومؤسس مدرسة السهل الممتنع والممتع والعميق فى الأغنية المصرية ، ويبقى كركشنجي الفقير آسراً لقلوب المستمعين على الرغم من تجاهله تماماً لنصائح ولاد سليم اللبانين ، ولا كان ” عاوز سيجارة بني ” وعمره ما قال ” آه لو لعبت يا زهر ” ولا “ملعون أبوك يا فقر”
