٭لواءأح سامى شلتوت.
الصوم أعـظم مدرسه لتربية النفوس المسلمة إنه مدرسة تختلف كثيراً عن المدارس التربوية الأخرى التي تعتمد في التربية على الإلقاء البحت للمواعظ والحكم فتحرك القلوب ثم ما تلبث أن يذهب ما فيها من خشوع وتأثير بمرور بعض الوقت ، دون أن تنعكس في السلوك الشخصي للفرد بفعل إيجابي أو عمل جديد يقوّم النفس ويهذبها ، ويصير لها عادة ملازمه في طريق الحياة.
أما في مدرسة الصوم فتتم التربية الإيمانية بممارسه عملية للصائمين أنفسهم طيلة شهر بكامله يتدربون فيها على الإيمان ، والمثل علماً وعملاً، ويجدون في الصوم دروس غالية يتعلمون منها الكثير.
وفي هذا الشهر الكريم نستعرض بعض هذه الدروس العملية العظيمة التي نجدها في «مدرسه الصوم» حيث يظهر لنا روعة هذه العبادة. فسبحان العلي القدير الذي شرع لنا كل هذا الخير مما فيه صلاح نفوسنا وحياتنا.
فالإخلاص من الدروس الغالية التي تتعلمها النفوس بالصوم ، فما سمعنا أنه صام مرائي أو منافق قط ، ذاك أن غاية الرياء وهدفه الحقيقي هو مدح المادحين أو طلب المنزلة في أعين الخلق بما يمارسه المرائي من وجوه الطاعات والبر ، وهذا الأمر غير حاصل له بالصوم ، لأن الصوم سر بين العبد وربه جل وعلا ، لذلك كان الإمام أحمد يقول : «الصوم لا رياء فيه».
فلا يصوم إلا المخلصين التاركين لطعامهم وشرابهم وشهوتهم من أجل طاعة ورضا الله تعالى وحده دون سواه ، ولما كان الصوم كله خالصاً لله لا تشبه شائبة الرياء نسبه الله تعالى إلى نفسه وتكفل بالجزاء علية. فقال تعالى في الحديث القدسي : «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزى به». رواه مسلم.
وتكفله سبحانه بالجزاء عليه يعنى أنه تعالى قد كشف مقادير ثواب غيرة من الأعمال الصالحة والطاعات ، وأنها تضاعف من حسنه إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ، إلا الصيام فإنه سبحانه وتعالى يثيب عليه بغير تقدير ، فهو جل شأنه الذي انفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته ، وكل هذا من ثمرة الإخلاص في تلك العبادة الجليلة.
وحاجة النفس للإخلاص أشد من حاجة الجسد للطعام والشراب والهواء ، فالإخلاص من أهم أسباب تزكية النفوس وطهارتها ونجاتها يوم القيامة ، فكل طاعة أو عمل نرجو جزائه عند الله تعالى لابد له من إخلاص يبعده عن النظر للمخلوقين ويوجهه للخالق جل وعلا، وبذلك يكون له عند الله القبول والمثوبة ، فهو ركن من أركان العمل وشرط من شروط قبوله ، قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف:110]
فالإخلاص روح أي عباده ، عليه تقوم ، وبه تقبل عند الله عز وجل، وشواهد هذه القاعدة عديدة نجدها في أكثر من حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله : «ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر» رواه الترمذي.
وقوله صلى الله عليه وسلم : «ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنه وغفر له ».
وقوله صلى الله عليه وسلم : «صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، وصدقة السر تطفئ غضب الرب ، وصلة الرحم تزيد في العمر».صحيح الجامع ٣٧٩٧.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة من قلبه صادقا بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».