أعلام في حياتي الجامعية
دكتور احمد عيد متابعة : مخـتار عـيـاد
استاذ بجامعة الأزهر القسم الأدبي
() أ.د / محمد على محمد عبد الفتاح حِلَّة
———-
العالم الإنسان، صريح اللسان، مستقيم البنيان، المؤرخ الهُمام، الخلوق البَسَّام، ليِّن الكلام، حسن المظهر والمخبر، المبادر لك بالتحية قبل أن تُحييه، وبالممازحة قبل أن تُكلمه، الكريم في الأقوال والأفعال معاملةً ومقابلةً ومجالسةً.
من آيات كرمه التي عايشناها معايشةً: أنَّ سطح مكتب الكنترول العام ما كان يخلو من تمر العالم الجليل إلا نادرًا، فطبقُ التمر الجميل موضوعٌ يأكل منه الزملاء من أعضاء الكنترول، ومن جاء من أعضاء هيئة التدريس لمآرب في الكنترول. وإذا غاب التمر عن سطح المكتب يومًا خلفته علبة الحلوى، أو حلَّ محلَّهُ الكيك المنزلي.
لقد كانت بداية معرفتي الطيبة بالعالم الجليل حين دخلت الكنترول العام، وأنا عضو جديد فيه، فما كان أحسنَ استقبالَهُ! وما كان أكرمَ مجالستَهُ! وما كان أجملَ معاملتَهُ! ثم توطدت العلاقة بيننا، وقويت الصلة بعملنا، وزادت المحبة في الله تعالى والاحترام المتبادل؛ فمن تربى على رحمة الصغير، وتوقير الكبير، واحترام العالم المتواضع، وإحسان القيام بما أُسند إليه من مهام- كان قريبًا من كلِّ من تعامل معه في أيِّ عملٍ من الأعمالِ إذا كان ذا علمٍ وخلقٍ، وكان مُقَدَّرًا منه حقَّ التقدير؛ فإنَّما يَعرف الفضلَ لأهل الفضل ذوو الفضل، وقد كان العالمُ الإنسانُ عظيمُ الشان من ذوي الفضل.
وكان المؤرخ الكبير جادًّا في العمل، ولا تشعر معه بالملل، وإن كَثُرَ العمل، ومع أنَّهُ كان يُدخن تدخينًا كثيرًا لدرجة أنَّني كنتُ أراه يُشْعل السيجارة الفاخرة الأخرى من سابقتها إشعالًا لا يكاد يتوقف أثناء العمل، فتمتلئ المطفأة فيُفرغها في سلة المهملات، وتمتلئ من جديد امتلاءً.
وكان يشرب القهوة كثيرًا. وكان يضع على سطح المكتب الذي يجلس عليه جهة اليمين العصا البلاستيكية المعدة لضرب الذباب ضربًا قاتلًا، وإبعاده عن المكتب إبعادًا، ولا زالت موجودة حتى الآن بأحد أدراج المكتب، وكذلك بعض الكروت المطبوعة التي فيها اسمه ووسائل التواصل معه، بعضها باللغة العربية، وبعضها الآخر باللغة الإنجليزية.
وأفضل ما كان في العالم الجليل أنَّهُ كان يحب النظام في العمل، لا يعرف العشوائية ولا الكسل، فكنَّا نرى النظام ممارسًا في عمله على أرض الواقع ممارسة مبهجة، فالأوراق الخاصة بأعمال الكنترول مرتبة ترتيبًا جيدًا حسب الحاجةِ إليها، وأسئلة الامتحان موزعة على الفرق الأربع مع اختلاف الشعب وتفرعها، وكلّ فئةٍ منها مجموعةٌ برابط خاص، ولها انتماء معلوم، حتى الأقلام والدبابيس المتنوعة داخل درج المكتب الكبير كان يجمع كلَّ فئة منها على حدة جمعًا دقيقًا، وينظمها تنظيمًا فريدًا.
وكان يحضر إلى الكنترول العام مُبكرًا، فيظلُّ في أعماله مشغولًا متفكرًا، فيُعد من أمور الامتحانات ما يحتاج إلى إعداد وتهيئة، ثم يذهب إلى أعماله الأخرى المرتبطة بوقت معلوم خارج الكلية، وكان يزوره كثيرًا المؤرخ الكبير أ.د/ السعيد رزق حجاج – بارك الله عمره ونفع به – فيخرجان معًا أو يتوعدان، وكان يمازحني كثيرًا أثناء العمل، ويقول: (د/أحمد باشا عيد، أنت رئيسنا الكبير، وأنا واحد من الأنفار الذين معك في الكنترول، وسامحنا لأننا نتكلم وسعادتك موجود)، والعكس هو الصحيح؛ فقد كان – رحمه الله تعالى – حينئذٍ رئيسًا للكنترول العام على ما أذكر، لكنَّها أخلاق العلماء الكبار الذين يحسنون تيسير العمل وقتل الملل ونشر الصفاء واحتواء الزملاء.
وكنَّا نتبادل أطراف الحديث أثناء العمل عن حال العلم وأحوال العلماء في المجتمع الذي لا يجعل العلم في أولوياته، ولا أوضاع العلماء في مقدمة اهتماماته، فلا يقدر العالم تقديرًا ماديًّا يناسب جهوده العلمية وأبحاثه المنشورة واحتياجاته الأسرية، وها هو ذا السَّبَّاك قد جاء إلى بيت أحدنا فركب خلاطًا أو غيَّر محبسًا، أو أصلح شيئًا ضئيلًا، فعَدَّد عليك أفعالَهُ، وسَرَدَ أمامك أعمالَهُ، وتقاضى عليها فيما لا يتجاوز الدقائق المعدودات ما يحصل عليه أستاذ الجامعة في أيام معدودات، وكذلك الحال مع أخيه الكهربائي حين تطلبه فيُركّب لك أداة من الأدوات الكهربائية، أو يصلح لك شيئًا سئيًا، وفي النهاية تكون المفاجأة الكبرى في مطالبه المالية العظمى، التي ليس أمامك إلا تلبيتها، فأنت عضو هيئة تدريس في الجامعة، ليس لك في الجدال الكثير، أو الدخول في النزاع الكبير.
لقد كان الكلم الطيب العالي، والمزاح الخفيف الراقي، والقلب النقي الصافي رأس مال العالم الجليل الذي يبذله لجميع الفئات المقبلة إليه، والجالسة بين يديه، والمتعاملة معه من أساتذة، وزملاء، وضيوف، ومدرسين، وباحثين من داخل الجامعة أو من خارجها، يُقَدّر هؤلاء جميعًا ويحترمهم، ويُمازحهم حين يجالسونه أو يُقابلونه، ولا ريب أنَّ مثل هذا العالم الجليل يجعلك تُخرج ما في نفسك من تساؤلات علمية دون استشعار حرجٍ، وتُقدم ما لديك من استفسارات بكل حيوية ومرح.
كنتُ قد طرحت سؤالًا بعد وفاة العالم الجليل، وهو: (حُلَّة أم حِلَّة) في اسم أ.د/ محمد علي حلَّة – رحمه الله تعالى – ؟
ثم أجبت عنه قائلًا: ” كان مما تحدث معي فيه الراحل المؤرخ الجليل أ.د/ محمد علي حِلَّة قبل وفاته : أنَّ النَّاس في القاهرة يقولون في اسمه: (حُلَّة) بضم الحاء، وفي البلد يقولون: (حِلَّة) بكسر الحاء، وما قيل في البلد هو الموافق للحقيقة والواقع.
وسبب ذلك: أنَّ جَدَّهُ كان قد ركب الماء ، فانتهى به المركبُ إلى مكانٍ ما، فحَلَّ فيه، فقال الناس عن هذا المكان: حِلَّة فلان ، وأُطلق عليه (حِلَّة) من يومها.
وما قاله – رحمه الله تعالى- موافقٌ للغة العربية ومنطلقٌ منها؛ فالعربُ تقول: (على فلانٍ حُلَّةٌ) بضم الحاء، والْحُلَّةُ: كلُّ ثوبٍ جيّدٍ جديدٍ تَلْبَسُهُ، وقيل: هي ثَوْبَانِ: إزارٌ ورداءٌ، فلا تكون الحُلَّةُ إلا ثوبَيْنِ جديدين: إزارًا ورداءً من جنس واحد. وإنَّمَا سُمِّيَتْ حُلَّةً لأنَّها تَحلُّ على لابِسِها كما يَحلُّ الرجلُ على الأرض.
وليس نطق أهل القاهرة هو المراد في اسمه كما ذكر ، وإن كان – رحمه الله تعالى – بلا مبالغةٍ كان حُلَّةَ قسم التاريخ والحضارة في الكلية العريقة .
وتقول العرب: ( قَوْمٌ حِلَّةٌ ) بكسر الحاء، أي: حُلُولٌ بالمكان ونُزُولٌ، والمفرد: حَالٌّ، أي: نازل.
ومما تقولُهُ – أيضًا -: ( هو في حِلَّةِ صِدْقٍ )، أي: ( في مَحَلَّةِ صِدْقٍ)، والمَحَلَّةُ: المكان الذي ينزل به الرجل أو القوم، فيقال: ( هذه حِلَّةُ بني سعدٍ )، أي: مكان نزولهم واجتماعهم.
وهذا هو المراد في اسمه كما ينطق أهل بلدته؛ للسبب الذي ذكره، و(أهل مكة أدرى بشعابها).
والعالم الجليل متخصصٌ في التاريخ الحديث والمعاصر، وكان مؤرخًا مسارعًا إلى قَيْدِ أوابده، وقادرًا على قَنْصِ شوارده، وقد فَعَلَ ذلك أيَّ فعلٍ؛ فله فيه مؤلفات كثيرة في جوانب دقيقة، وقضايا عريقة، بعضها متصلٌ بفلسطين والقدس الشريف، وبعضها متصلٌ بالأزهر الشريف، وبعضها متصلٌ بأشياء أخرى، على النحو الذي فصّلته سيرته الذاتية تفصيلًا، فيمكن للقارئ الكريم الرجوع إليها إن أراد الوقوف عليها أو الارتشاف منها.
وقد تدرج العالم الجليل في الوظائف الجامعية تدرجًا سريعًا، لا يناله إلا من كان قويًّا عالي الهمة، فحازها من مبتدئها إلى منتهاها؛ فقد عُيِّنَ معيدًا من 8 نوفمبر 1980م إلى 21 يناير 1981م، ومدرسًا مساعدًا من 22 يناير 1981م إلى 4 يناير 1983م، ومدرسًا من 5 يناير 1983م إلى 6 ديسمبر 1988م، وأستاذًا مساعدًا من 7 ديسمبر 1988م إلى 5 إبريل 1994م، وأستاذًا في 6 إبريل 1994م إلى 8 سبتمبر 2007م، ثم صار أستاذًا متفرغًا من 9 سبتمبر 2007م، وكان عضوًا في اللجنة العلمية الدائمة لترقيات أعضاء هيئة التدريس في التاريخ من عام 2007م إلى وفاته.
وكان للعالم الجليل مشاركات عديدة بأبحاثٍ في مؤتمرات علمية دولية وندوات داخل مصر وخارجها، وقد مثَّل في بعضها شيخ الأزهر الشريف الشيخ/ جاد الحق علي جاد الحق – رحمه الله تعالى ورضي عنه – وكان له نشاطٌ مجتمعيّ واضح المعالم، يُذكر له فيُشكر عليه ويُترحم؛ فقد كان عضوًا في لجان علمية خارج الجامعة وفي جمعيات تاريخية، كان عضوًا في اللجنة العلمية لمركز تاريخ مصر المعاصر بدار الكتب المصرية، وعضوًا بلجنة الحضارة الإسلامية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضوًا بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة، وعضوًا باتحاد المؤرخين العرب. وكان رئيسًا لتحرير مجلة مصر الحديثة الصادرة عن دار الكتب والوثائق القومية، ثم انتقل إلى الدار البرزخية بعد تلك المسيرة الطيبة وهو أستاذ متفرغ – رحمه الله تعالى، وجعل ما قدَّم من علم ونفع في ميزان حسناته -.
وختامًا أقول:
كانت ولادة العالم الإنسان المؤرخ الهمام الحبيب أ.د/ محمد علي محمد عبد الفتاح حِلَّة في التاسع من سبتمبر، عام 1947م بقرية إبيار، في مركز كفر الزيات، بمحافظة الغربية. وكانت وفاته في العشرين من يوليو، عام 2015م، ودفن بمسقط رأسه. في مقبرة الأسرة بقرية إبيار، في مركز كفر الزيات، بمحافظة الغربية؛ تنفيذًا لوصيته.
فسلامٌ على العالم الإنسان المؤرخ الهمام الحبيب أ.د/ محمد علي محمد عبد الفتاح حِلَّة في العلماء العاملين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
