أعلامٌ في حياتي الجامعية:

أعلامٌ في حياتي الجامعية:
أ.د/ علي علي مصطفى صبح

العَالمُ الصِّنْدِيدُ، الأديبُ الرشيدُ. واسِعُ الأفقِ، طيّبُ الخلقِ، بارعُ التصنيفِ، سهل المناقشة، ثري المحاورة، عاش في أيام الرخاء، واتَّشح بخلق الوفاء، وشارك الخفاجيَّ بعضَ العطاء، فكانا محبين للكلية العريقة، وظلَّا وفيين للتراث اللغوي، ولقبلة المسلمين في العلم “الأزهر الشريف” تأريخًا وتأليفًا وإبداعًا وإمتاعًا،
وقد ترتب على تفوقه في مستهل الدراسة الجامعية طالبًا بكلية اللغة العربية بالقاهرة حصوله على درجة الإجازة العالية «الليسانس» عام 1966م بتقدير: “جيد جدًّا مع مرتبة الشرف”، وتعيينه معيدًا في قسم الأدب والنقد، ثمَّ تدرج في الوظائف الجامعية بعد حصوله على درجة التخصص «الماجستير» عام 1968م، في موضوع رسالته: “المدائح النبوية حتى القرن السابع الهجري” بتقدير: “جيد جدًّا”، فعُيِّنَ مدرسًا مساعدًا في قسم الأدب والنقد، وإثر حصوله على درجة العالمية «الدكتوراه» عام 1973م، في موضوع رسالته: “الصورة الأدبية في شعر ابن الرومي”، بتقدير: “مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة” عُيِّنَ مدرسًا في قسم الأدب والنقد، ثم رُقِّيَ إلى درجة “أستاذ مساعد” عام 1978م، ثم إلى درجة “أستاذ” عام 1983م.
وقد آلت إليه رئاسة قسم الأدب والنقد في كلية اللغة العربية بالقاهرة مرَّتين؛ المرة الأولى بدأت من شهر سبتمبر عام 1983م إلى شهر يوليو عام 1987م، والأخرى بدأت من شهر أكتوبر عام 1988م إلى شهر يوليو عام 1993م.
وإذا عرفنا أنَّ العالم الجليل عاصر العلامة الخفاجيَّ (أ.د/ محمد عبد المنعم خفاجي)، وشاركه بعض المؤلفات الأدبية والتاريخية أدركنا سرَّ إثراءِ العالم الجليل المكتبة اللغوية بالعديد من المصنفات الأدبية المرتبطة بالشعر العربي والقرآن الكريم والحديث الشريف، وبالمؤلفات التي تناولت تاريخ الأزهر الشريف؛ فقد كثرت مؤلفاته اللغوية ومصنفاته الأدبية، مُتَّسِمةً بوضوح الجادَّة، وغزارة المادة، وسلاسة النَّادَّة، وتنوعت تنوعًا محمودًا على النحو الذي تُبديه لنا سيرته الذاتية ومسيرته العلمية، ومن أعماله العلمية ما يأتي:
(عبقرية ابن الرومي شاعر العصر العباسي – الأدب الإسلامي الصوفي حتى نهاية القرن الرابع الهجري – من الأدب الحديث في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية – تاريخ الأدب الجاهلي – المذاهب الأدبية في شعر جنوب المملكة العربية السعودية – في الأدب الجاهلي: دراسة ونقد – من الأدب الأموي: دراسة ونقد – من الأدب في العصر العباسي: دراسة ونقد – الصورة الأدبية. تاريخ ونقد – عمود الشعر العربي في موازنة الآمدي – في الدراسات الأدبية للعصرين العباسي والأندلسي – الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق (4 أجزاء) – البناء الفني للصورة الأدبية في الشعر – التصوير الفني للقيم الخُلُقية والتشريعية – التصوير النبوي في الحديث الشريف – الحركة العلمية في الأزهر في القرنين التاسع عشر والعشرين (3 أجزاء – بالاشتراك) – الأزهر في ألف عام (6 أجزاء – بالاشتراك) – التصوير القرآني: المفهوم – التصوير القرآني: الروافد – التصوير القرآني: عناصره – التصوير القرآني لفريضة الحج – التصوير القرآني للأعمال الحرفية – التصوير القرآني لتعاقب الليل والنهار – بين الصوم والصيام في التصوير القرآني).
لقد درَّس لنا مادة الأدب الإسلامي ونحن طلاب في الفرقة الرابعة عام 2000م، وكان الكتاب المقرر هو الجزء الثاني من كتابه “الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق”، الذي ظلَّ يُدرَّس في الكلية العريقة لسنواتٍ، وكأنَّهُ كتاب المقرر الوحيد.
وقد تميَّز بحُسْنِ السَّرْدِ، وجودةِ العرضِ، وتَرَابُطِ الأفكار، ودقة النقد مع تشويق للمتلقي وإثارة، وحين اقترب الفصل الدراسي من النهاية، وكنَّا في المحاضرة الأخيرة، وكان العالم الجليل قد شرح لنا أشياء مهمة أعطاها الأولوية، وترك أشياء أخرى لم يتسع لها الوقت- سأله الطلاب عن المقرر الذي سيُذاكرونه، وعن غيره الذي لن يكون له محلٌّ في الامتحان، فأجابهم إجابة واضحة صريحة قائلًا: (ما شُرِحَ فهو مقررٌ، وسيكون فيه الامتحان)، لكن الطلاب الذين يَحْضُرونَ في آخر محاضرةٍ عادةً ما كانوا يُكررون السؤال كثيرًا، ويُلحون في طلب الإجابة المحددة للموضوعات، فتسببوا في المشقة على زملائهم، وعكروا صفو أستاذهم الجليل، فأعلن بغضبٍ شديدٍ عبارته الواضحة: (كل الكتاب مقرر، من أوله إلى آخره)، وانصرف غضبان منَّا.
وجاء يوم امتحان مادة الأدب الإسلامي، وكانت المفاجأة للجميع مجيء سؤال كبير من نصٍّ لم يدرسوه، لكنه من موضوعات الكتاب المقرر، الذي قال عنه العالم الجليل في آخر محاضرة: (كلُّ الكتابِ مقررٌ، من أوله إلى آخره)، وكنَّا ظننا جميعًا أنَّهُ لن يُصِرَّ على موقفه حال الغضب، ولن يتمسك بعبارته التي قالها حينئذٍ لهذا السبب،
وكنت قد قرأتُ هذه النصَّ قراءةً سريعةً مستحضرًا حالةَ غضبه، وشدَّةَ قوله، وأظنه قصة للكاتب “خالد خليفة”، فاستطعت الإجابة عن ذلك السؤال، وكانت النتيجة أن حصلت على تقدير”ممتاز” في مقرر الأدب الإسلامي، فقد بينت العناصر الفنية في النص والشكل والطعم والرائحة واللون والحركة، فقد كان من المعروف لنا – نحن الطلاب – أنَّ العالم الجليل يركز في تحليله الأبيات الشعرية وبيان خصائصها الفنية والقيم الخلقية فيها على بيان شكل الأبيات الشعرية، وطعمها، ورائحتها، ولونها، والحركة وما أشبه ذلك… فركزت في إجابتي على توضيح تلك الأمور التي تُعدُّ من خصائص العالم الجليل في محاضراته وفي كتبه الأدبية.
وقد أتت العالمَ الجليلَ عمادةُ الكلية العريقة مرتين؛ المرة الأولى بدأت من الحادي والعشرين من شهر يوليو، عام 1987م إلى انتهاء المدة القانونية، والأخرى بدأت من الخامس عشر من شهر سبتمبر، عام 2001م إلى انتهاء المدة القانونية. وقد اعتذر عن مرة أتته بينهما في شهر سبتمبر، عام 1994م، كما ذكر في سيرته الذاتية.
وكنا في مرة عمادته الأخيرة أعضاء في الهيئة المعاونة لأعضاء هيئة التدريس، فاهتم بأن تحمل كلُّ قاعة من قاعات الكلية الدراسية اسمًا من أسماء شيوخ الكلية الكبار وعمدائها ووكلائها، فجاء بمدير الكلية حينئذٍ، وحُصرت القاعات حصرًا، وعُلِّق على رأس كلِّ قاعةٍ اسم عالم من علماء الكلية الأجلاء، وشيوخها الصلحاء، فأعطى المكان العتيق جلالًا على جلاله، ومنحه بهاءً على بهائه، وكساه هيبةً على هيبته، فإذا أخذتك قدماك إلى قاعةٍ ما ألفيت اسم الشيخ/ محمد محيي الدين عبد الحميد، أو: أ.د/ عبد اللطيف خليف، أو : أ.د/ عبد الرحمن الكردي، أو: أ.د/ سعد ظلام، أو: أ.د/ عبد الغفار حامد هلال، أو: أ.د/ طه مصطفى أبو كريشة، أو: أ.د / حسن جاد حسن، أو: أ.د/ محمد محمدين الفحام، وهكذا.
وقد صار العالم الجليل عضوًا في اللجنة العلمية الدائمة لترقيات أعضاء هيئة التدريس في تخصص الأدب والنقد من عام 1995م إلى عام 1999م، ثم تولى أمانة تللك اللجنة من عام 1999م إلى عام 2005م، وتعددت عضويته في لجان علمية كثيرة داخل الجامعة وخارجها، وداخل مصر وخارجها، ورأس بعضها رئاسةً مقررةً، وشارك في عدد من المؤتمرات العلمية داخل مصر وخارجها مشاركة حقيقية فعالة، أثمرت بعض البحوث القيمة، وقد حددتها سيرته الذاتية تحديدًا دقيقًا، وترك عددًا من الحلقات الإذاعية والتليفزيونية النافعة، فقد أعدَّ ثلاثمائة حلقة لبرنامج “بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم” في إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة، وشارك في برنامج “أعلام الفكر والأدب المعاصرين” في القناة الثالثة بالتليفزيون المصري.
وأشرف على عدد كثير من الرسائل العلمية في مرحلتي “الماجستير والدكتوراه” في جامعة الأزهر، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، والجامعة الألمانية بالقاهرة، وكما كثر إشرافه العلمي وتنوعت مواطنه كثرت مناقشاته في الداخل والخارج، وتعددت أماكنها الدانية والنائية، وكل ذلك مثبتٌ في سيرته الذاتية.
وقد جالسته في مكتب سعادة عميد الكلية منذ أربع سنوات تقريبًا، وسألته عن شخصية علمية لغوية أزهرية عاشت في فترة الثلاثينيات والأربعينيات وأوائل الخمسينيات، وكانت بارزة في مجلة الأزهر ثائرة في مجلة الرسالة بمقالات متنوعة تحليلية أو نقدية، وهي شخصية الشيخ الأزهري/ عبد الحميد عنتر، فقد كنت أكتب حينئذٍ عن جهوده العلمية، وأردت الوقوف على بيانات تكشف عن تلك الشخصية، كالاسم الثلاثي أو الرباعي، ومحلِّ الميلاد وتاريخه أو تاريخ الوفاة، فلم يُفدني ساعتها بشيء، بل قال: سأنظر فيما عندي من أوراق وأبحث عن شيء يتصل به، وفي النهاية لم نصل إلى شيءٍ، وقد شاء الله تعالى أن أُلقيَ ملخص هذا البحث منذ ثلاث سنوات تقريبًا في ندوة أعدتها الكلية احتفاء باليوم العالمي للغة العربية، وتمَّ تسليمه لإدارة الكلية بعنوان (جهود الأزهري الثائر/ عبد الحميد عنتر)؛ ليخرج في عدد الكتاب المسمى (علماء خالدون)، لكنه لم ير النور إلى الآن.
وختامًا أقول:
كانت ولادة العالم الجليل والأديب الكبير الناقد أ.د/ علي علي مصطفى صبح، في يوم الأحد 22 من شهر أغسطس، عام 1937م،
وكانت وفاته فجر يوم الاثنين 2 من شهر شعبان، عام 1442هـ، الموافق الخامس عشر من شهر مارس، عام 2021م.
فسلامٌ على العالم الجليل والأديب الكبير الناقد أ.د/ علي علي مصطفى صبح في العلماء العاملين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مع خالص تحياتي:
د/أحمد عيد ، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر
1 إبريل 2021م.

Related posts