نرمين جمعة.. الإعلام حين يتحول إلى مسؤولية مجتمعية «نقلة نوعية وطنية» نموذجًا لبناء الوعي

بقلم : عزت يحيى

لم يعد دور الإعلام في المجتمع يقتصر على نقل الأخبار أو متابعة الأحداث، فمع اتساع مساحة المعلومات وتعدد مصادرها، أصبح الإعلام المسؤول أمام مهمة أكثر أهمية؛ وهي أن يساعد المواطن على فهم ما يحيط به، وأن يقدم له المعلومة التي يحتاج إليها في الوقت المناسب، وبأسلوب واضح يستطيع من خلاله أن يتخذ قراره بصورة صحيحة.

ومن هنا تأتي أهمية العمل الإعلامي التوعوي الذي يقترب من تفاصيل حياة المواطن اليومية، ويتعامل مع القضايا التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها ترتبط بصورة مباشرة بحقوقه وواجباته وحماية مصالحه.

وفي هذا الإطار، يأتي العمل المجتمعي والتوعوي الذي تشارك فيه الإعلامية الدكتورة نرمين جمعة تحت مظلة نقابة العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات، من خلال مبادرة «نقلة نوعية وطنية»، باعتباره نموذجًا لفكرة أوسع ترى أن الإعلام يمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء الوعي، وليس مجرد ناقل للمعلومة.

Screenshot

الفكرة الأساسية هنا ليست في تقديم محتوى توعوي لمجرد تقديمه، وإنما في الوصول إلى المواطن بلغته، والاقتراب من الأسئلة التي يواجهها في حياته اليومية، وتحويل المعلومة الرسمية إلى رسالة بسيطة يسهل فهمها والاستفادة منها.

فالمواطن قد يمتلك هاتفًا محمولًا، ويستخدم الخدمات المختلفة بصورة يومية، لكنه ربما لا يعرف بعض حقوقه أو الإجراءات التي تحمي بياناته أو الطريقة الصحيحة للتعامل مع مشكلة قد تواجهه.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للإعلام التوعوي.

أن يقول للمواطن:

اعرف حقك.. اعرف الإجراء الصحيح.. ولا تترك المشكلة تتفاقم بسبب عدم المعرفة.

وهذه الرسالة تتجاوز موضوعًا بعينه، لأنها تؤسس لثقافة مهمة في المجتمع؛ هي ثقافة المعرفة قبل التصرف.

Screenshot

فالوعي لا يعني أن يعرف الإنسان كل شيء، وإنما أن يعرف أين يجد المعلومة الصحيحة، وكيف يتأكد منها، وإلى من يتوجه عندما يحتاج إلى مساعدة أو إجراء رسمي.

وهذا النوع من المحتوى يمثل أحد أشكال الإعلام الذي يضع المواطن في مقدمة اهتمامه، لأن الهدف النهائي ليس زيادة عدد المشاهدات فقط، وإنما أن يخرج المواطن من المحتوى وهو يمتلك معلومة يمكن أن تحميه أو تساعده أو توفر عليه وقتًا وجهدًا.

كما أن العمل التوعوي يساهم في مواجهة واحدة من أخطر مشكلات العصر؛ وهي انتشار المعلومات غير الدقيقة.

فمع سرعة تداول المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل أن تنتشر معلومة ناقصة أو خاطئة، وأن تتحول خلال دقائق إلى مصدر للارتباك والقلق.

ومن هنا يصبح الإعلام المهني مطالبًا بأن يقدم البديل:

معلومة واضحة.. مصدر موثوق.. ورسالة مسؤولة.

وهذا هو المعنى الأوسع لمبادرة «نقلة نوعية وطنية»؛ أن تكون هناك نقلة في طريقة تقديم الرسالة الإعلامية نفسها، من خطاب بعيد عن احتياجات الناس إلى محتوى يلامس حياتهم اليومية، ومن مجرد نقل المعلومات إلى المساهمة في صناعة الوعي.

والأهم أن العمل المجتمعي لا ينجح بصوت واحد، وإنما يحتاج إلى تكامل بين المؤسسات والجهات الإعلامية والمجتمع، لأن بناء الوعي مسؤولية مشتركة.

فكل معلومة صحيحة تصل إلى مواطن في الوقت المناسب يمكن أن تمنع مشكلة.

وكل توعية بحق من الحقوق يمكن أن تحمي إنسانًا من الوقوع في خطأ.

وكل رسالة تدعو إلى الرجوع للمصدر الرسمي يمكن أن تساهم في الحد من انتشار الشائعات.

ولهذا فإن الإعلامي الذي يختار طريق التوعية لا يقدم محتوى عابرًا، بل يشارك في بناء سلوك مجتمعي أكثر وعيًا.

وتؤكد الدكتورة نرمين جمعة من خلال هذا المسار أن الإعلام يمكن أن يكون حاضرًا في تفاصيل حياة الناس، ليس فقط عندما يقع الحدث، ولكن قبل وقوع المشكلة أيضًا؛ من خلال التوعية والوقاية وتعريف المواطن بالطرق الصحيحة للتعامل مع المواقف المختلفة.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة العمل الإعلامي الذي يحمل بعدًا مجتمعيًا.

فالإعلام الناجح ليس فقط من يخبرنا ماذا حدث، وإنما من يساعدنا أيضًا على فهم ماذا نفعل.

وفي النهاية، فإن بناء الوعي لا يحتاج دائمًا إلى رسائل كبيرة ومعقدة.

أحيانًا تبدأ الحكاية بسؤال بسيط..

هل تعرف حقك؟

هل تعرف المعلومة الصحيحة؟

هل تعرف الجهة التي يمكنك الرجوع إليها؟

وهنا تبدأ النقلة الحقيقية…

من متلقٍ للمعلومة إلى مواطن واعٍ يعرف، ويتحقق، ويتصرف.

وهذا هو جوهر العمل المجتمعي الذي تسعى إليه مبادرة «نقلة نوعية وطنية»؛ أن يكون الإعلام جزءًا من الحل، وأن تتحول الكلمة المسؤولة إلى خطوة حقيقية في طريق بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على حماية نفسه وحقوقه

Related posts