بقلم : د. نرمين جمعه
هناك مناسبات لا تكون قيمتها في الاحتفال نفسه، وإنما في ما تمنحه لنا من فرصة للتوقف قليلًا أمام مسيرة كاملة، ومراجعة ما تحقق، والتفكير فيما يمكن أن يأتي.
وهذا هو الانطباع الذي خرجت به من احتفال مؤسسة القادة للعلوم الإدارية والتنمية بمرور 12 عامًا على تأسيسها؛ لقاء لم يكن مجرد احتفال بذكرى تأسيس، وإنما مساحة جمعت عددًا من القيادات والشخصيات العامة والخبراء وأبناء المؤسسة، للحديث عن رحلة امتدت لسنوات، وما حملته من تجارب وعلاقات وشراكات، وما تستهدفه المؤسسة خلال المرحلة المقبلة.
على مدار اثني عشر عامًا، استطاعت مؤسسة القادة أن تجعل من التأهيل وبناء القدرات محورًا رئيسيًا في رسالتها، وأن تتحرك في مساحات متعددة ترتبط بالتدريب والتنمية الإدارية وإعداد الكوادر والوعي المجتمعي ودعم الشباب.
ولعل أهم ما يلفت النظر في تجربة المؤسسة أن فكرة «التأهيل» لديها لم تظل عنوانًا نظريًا، وإنما ارتبطت بمحاولات مستمرة لصناعة كوادر تمتلك المعرفة والقدرة على تحمل المسؤولية والمشاركة بصورة أكثر فاعلية.
ومن هنا تأتي أهمية الشعار الذي ارتبط برسالة المؤسسة: «التأهيل من أجل التمكين».

فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى أشخاص يمتلكون الرغبة في العمل، وإنما يحتاج إلى أشخاص يمتلكون الأدوات والمعرفة والوعي والخبرة التي تمكنهم من تحويل هذه الرغبة إلى إنجاز حقيقي.
أحمد الشريف.. قيادة تراهن على الإنسان
خلال الاحتفال، كان حضور الدكتور أحمد الشريف، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القادة، امتدادًا طبيعيًا لمسيرة المؤسسة التي يقودها، حيث استعرض جانبًا من محطاتها وما تحقق خلالها، مؤكدًا أهمية البناء على ما تم إنجازه وعدم التعامل مع السنوات الماضية باعتبارها مرحلة مكتملة، وإنما قاعدة للانطلاق نحو مراحل أكثر تطورًا.

واللافت في حديث الدكتور أحمد الشريف أن الاحتفال بمرور 12 عامًا لم يُقدَّم باعتباره نهاية مرحلة، وإنما فرصة لإعادة النظر في أدوات العمل، وتطوير البرامج، وتوسيع دائرة التعاون والشراكات.
وهذه في حد ذاتها نقطة مهمة؛ لأن المؤسسات التي تستمر لا تقاس فقط بعدد السنوات التي مرت عليها، وإنما بقدرتها على التجدد والاستجابة لمتغيرات المجتمع واحتياجاته.
من الاحتفال إلى مراجعة التجربة
من بين المشاهد التي حملها اللقاء، كلمات عدد من ضيوف المؤسسة، الذين تحدثوا عن تجاربهم المختلفة مع «القادة»، وما جمعهم بها من تعاون ومشروعات ومبادرات.
وهنا لم يكن الحديث مجرد إشادة احتفالية، وإنما بدا وكأنه استعراض لخريطة واسعة من العلاقات التي تشكلت حول المؤسسة خلال سنوات عملها.
فالمؤسسة التي تعمل في مجال بناء الإنسان لا يمكن أن تعمل منفردة؛ لأنها بطبيعة رسالتها تحتاج إلى الجامعات، والخبراء، والمؤسسات التعليمية، ومؤسسات المجتمع المدني، والشخصيات العامة، وأصحاب الخبرات المختلفة.

ومن ثم فإن الشراكة تصبح جزءًا أساسيًا من عملية التأهيل، لأنها تفتح أمام المتدرب والكوادر الجديدة مساحات مختلفة من المعرفة والخبرة والتجربة.
جيل مصر 2040.. الرهان الحقيقي على المستقبل
ومن أكثر المحاور التي لفتت الانتباه خلال الاحتفال، حضور الشباب والنشء من خلال مشروع «جيل مصر 2040»، وتقديم نماذج من الأفكار والمشروعات التكنولوجية التي ابتكرها عدد من الشباب.
وهنا تتجاوز الفكرة مجرد عرض لمشروعات شبابية؛ لأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من اكتشاف الموهبة مبكرًا، ومنحها فرصة للتعلم والتجربة، ثم تحويل المعرفة إلى ابتكار.
فإذا كانت مؤسسة القادة تحتفل اليوم بمرور 12 عامًا، فإن مشروعًا مثل «جيل مصر 2040» ينظر إلى ما هو أبعد من الاحتفال نفسه، وينشغل بالسؤال الأهم:
من هم القادة الذين سيحملون مسؤولية السنوات القادمة؟
وهذا السؤال ربما يكون أهم من أي حصاد رقمي أو استعراض لإنجازات الماضي.
المحافظات.. الوجه الآخر للعمل المؤسسي
اللقاء أيضًا حمل جانبًا مهمًا من خلال استعراض مسؤولي المحافظات لحصاد عام من العمل والأنشطة والبرامج، وما واجهوه من تحديات، وما يخططون له في المرحلة المقبلة.
وهذا الامتداد الجغرافي يمنح المؤسسة طبيعة مختلفة؛ فالمؤسسة المركزية مهما كانت قوة برامجها، تظل بحاجة إلى وجود حقيقي على الأرض، وإلى كوادر تستطيع ترجمة الأفكار إلى أنشطة ومبادرات تتناسب مع طبيعة كل محافظة واحتياجاتها.
ومن هنا يمكن النظر إلى قطاع المحافظات باعتباره أحد أهم أدوات الانتقال من الفكرة إلى التطبيق.
المرحلة المقبلة.. الاختبار الحقيقي
ربما كان أهم ما حمله احتفال هذا العام هو الرسالة التي ظهرت خلف تفاصيله؛ وهي أن السنوات الاثنتي عشرة الماضية أصبحت رصيدًا من الخبرة، لكن الرصيد وحده لا يكفي.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير مستمر في برامج التدريب، واهتمام أكبر بالشباب، ودعم الابتكار، ومواكبة التحول الرقمي، وتعزيز الوعي، وربط التأهيل باحتياجات المجتمع وسوق العمل، إلى جانب توسيع دائرة الشراكات.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام مؤسسة القادة ليس فقط كيف تحافظ على ما حققته؟، وإنما كيف تطور ما حققته؟
فكل مرحلة زمنية تفرض أسئلتها الجديدة، وكل جيل يحتاج إلى أدوات مختلفة، وكل مؤسسة تريد الاستمرار والتأثير مطالبة بأن تعيد اكتشاف نفسها باستمرار.
12 عامًا.. وما زال الطريق مفتوحًا
خرجت من احتفال مؤسسة القادة وأنا أرى أن قيمة المناسبة لم تكن في رقم 12 وحده، وإنما في معنى السنوات التي يحملها هذا الرقم من عمل وتجارب وعلاقات وشراكات ومحاولات مستمرة لبناء الإنسان.
والاحتفال الحقيقي لأي مؤسسة لا يكون فقط في أن تقول: «وصلنا إلى هنا»، وإنما في أن تمتلك الشجاعة لتسأل: إلى أين نذهب بعد ذلك؟
وهذا هو الرهان القادم لمؤسسة القادة.
أن تتحول خبرة 12 عامًا إلى رؤية أكثر نضجًا، وأن يتحول التأهيل إلى تمكين، والتمكين إلى مشاركة، والمشاركة إلى أثر، والأثر إلى مستقبل أفضل.
كل عام ومؤسسة القادة للعلوم الإدارية والتنمية بخير، وكل التوفيق للدكتور أحمد الشريف ولجميع قيادات وأبناء المؤسسة في مرحلة جديدة من العمل والعطاء
