كلمة حق في زمن الضجيج

كلمة حق في زمن الضجيج
​بقلم: د. سعيد المغربي

عضو مجلس إدارة الاتحاد العام للمصريين في الخارج.
​من السهل جداً أن تمسك بقلم، ومن الأسهل أن تملأ الصفحات ضجيجاً وصراخاً تظنه سيهز أركان الكيانات الراسخة، لكن الفارق بين “الكاتب الحقيقي” الذي ينشد الإصلاح، وبين “الغاضب” الذي تحركه مرارة العجز عن استيفاء شروط العمل العام، هو كالفارق بين الثرى والثريا.
​لقد آثرنا الصمت طويلاً ترفعاً، وإيماناً بأن العمل الحقيقي على الأرض هو خير رد، لكن حين يتجاوز التطاول حدود النقد المباح، ويتحول إلى حملة تشويه ممنهجة تطال قامات وطنية ومجلس إدارة بأكمله في ذممهم الشريفة، بصفات وألفاظ يعاقب عليها القانون، يصبح الصمت هنا تفريطاً في حق كيان وطني شُيّد بجهود المخلصين.
​وهنا يحق لنا أن نطرح بعض الأسئلة التقريرية الهادئة:
​لماذا الآن؟! لماذا لم نرَ هذه “العيوب الفاضحة” والاتهامات المرسلة طوال فترة سعيك المحموم للانضمام إلى ركب الاتحاد والتطلع لكرسي مجلس إدارته؟!
​هل كان الاتحاد واحة للنزاهة عندما كنت تطرق أبوابه طالباً ودّه، وتتحين الفرصة لتكون جزءاً من هيكله، ثم تحول فجأة إلى كيان مظلم بمجرد أن اصطدمت طموحاتك بصخرة اللوائح والشروط الصارمة التي لم تستوفِها أصلاً للترشح؟!
​هل تحول “الحسم في تطبيق اللوائح” وتطبيق القانون بعدالة إلى “ديكتاتورية وإقصاء” لمجرد أن هذه الشروط كشفت عدم أهليتك للمنصب، وحرمتك من دخول السباق قبل أن يبدأ؟!
​الحقيقة المضحكة المبكية أن هناك صنفاً من البشر لا يرى الكيان عظيماً إلا إذا كان قادراً على تفصيل مقاعده على مقاس رغباته، فإذا وقفت اللوائح القانونية بالمرصاد ومنعته من تجسيد أوهامه، انقلب يوزع صكوك الفشل والتشويه. ونقولها بملء الفم: المرضى يجدون دواءهم عند الأطباء، أما الموتى فيبعثهم الله وحده!
​ودعونا نضع النقاط على الحروف، ونستعرض الحقائق التاريخية والقانونية التي تدحض هذا الهراء بالوقائع والأرقام:
​أولاً: الكيان القانوني الراسخ والأقدم
​لأولئك الذين يتحدثون عن “عدم الشرعية” بجهل مطبق: الاتحاد العام للمصريين في الخارج هو جهة اعتبارية مشهرة رسمياً منذ عام 1985. أربعون عاماً من الوجود القانوني والشرعية المؤسسية تحت الرقابة المالية الصارمة من الجهة الإدارية الرسمية في الدولة المصرية. الاتحاد ليس جمعية سرية ولا نادياً خاصاً، بل هو الكيان القانوني الوحيد المشهر لتمثيل أبناء مصر بالخارج، ولهذا السبب تحديداً تراه دائماً “مطمعاً” لجهات وشخصيات متعددة تبحث عن مجد زائف أو غطاء رسمي لمصالحها الضيقة.
​ثانياً: شمس الإنجازات التي لا يغطيها غربال الأكاذيب
​إذا كنت تبحث عن “الفشل”، فدعنا ننعش ذاكرتك ببعض ما قدمه هذا الاتحاد على أرض الواقع، وهي خدمات ملموسة وموثقة في أرشيف الإعلام والدولة:
​خدمة المغترب في المقام الأول: الاتحاد لم يكن يوماً كياناً نخبوياً، بل هو الحصن الذي يلجأ إليه أي مغترب مصري لحل مشكلاته الطارئة في أي بقعة حول العالم.
​أزمات الطلاب بالخارج: من ينسى دور الاتحاد الفاعل في حل مشكلات الطلاب المصريين في السودان وتأمين مساراتهم الأكاديمية خلال الأزمات؟
​أزمة قرغيزستان: حين احتُجز الطلاب المصريون في “بشكك” بقرغيزستان، كنا هناك نتحرك على الأرض لإنهاء الأزمة وحماية أبنائنا وإعادتهم سالمين، في وقت كان البعض يكتفي فيه بالكتابة من خلف شاشات التكييف!
​المظلة العلاجية الكبرى: بالتنسيق والتعاون المثمر مع البنك الأهلي المصري، نجح الاتحاد في توفير مظلة علاجية وخدمات صحية حقيقية لأعضائه المغتربين لتأمينهم طبياً.
​المشاريع القومية الكبرى: الاتحاد هو من تقدم بمشروع “بنك المغترب” عام 2005 لخدمة أبناء مصر وأسرهم واستثمار مدخراتهم لدعم الاقتصاد الوطني.
​دعم اللغة العربية والهوية: بالتعاون والتنسيق الدائم مع وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج (بمسمياتها المتعاقبة)، قاد الاتحاد مبادرات تعليم اللغة العربية لأبناء الجيلين الثاني والثالث لربطهم بوطنهم الأم في ظل الهجرة الدائمة.
​المبادرات الوطنية والتكافلية: تاريخنا في دعم الدولة المصرية ممتد من “حملة سد ديون مصر” التاريخية، ودعم تصدير المنتجات المصرية، وصولاً إلى التكافل الاجتماعي من خلال توزيع حقائب رمضان بالتعاون مع صندوق تحيا مصر.
​ثالثاً: لسنا ملائكة.. ولكن!
​نحن لا ندعي العصمة، ولسنا ملائكة منزلين من السماء؛ نحن بشر نجتهد، نصيب ونخطئ، ونعمل ليل نهار لخدمة هذا الوطن وأبنائه متطوعين دون مأرب أو مغنم شخصي. لكن هناك فرق شاسع وهائل بين “النقد البناء” الذي يبحث عن مواطن الخلل لإصلاحها، وبين “التطاول الممنهج” والطعن في ذمم أعضاء مجلس إدارة كامل يضم قامات وطنية مشهوداً لها.
​إن حرية الصحافة التي نتغنى بها جميعاً هي مسؤولية وأمانة، وليست رخصة لنهش السمعة وتصفية الحسابات الشخصية بعد العجز عن استيفاء شروط الترشح للعمل العام.
​وختاماً، وبنفس المنطق الذي يطالب فيه البعض بالرقابة على الاتحاد – وهي رقابة نرحب بها ويخضع لها الاتحاد قانونياً بالفعل من أجهزة الدولة وبشكل دوري – فإننا نطالب بمحاسبة جادة والرقابة على “مسيئي السمعة” ومروجي الأكاذيب دون دليل. فالقانون الذي يحمي حرية الرأي، هو ذاته القانون الذي يضرب بيد من حديد على يد كل من يستغل قلمه لتصفية حسابات شخصية على حساب الصالح العام.
​الأقنعة سقطت، والحقائق ساطعة كشمس النهار.. ولن يصح في النهاية إلا الصحيح.

Related posts