الأقنعة المتشابكة

الأقنعة المتشابكة –

قصيدة بقلم الشاعرة هبة فتحي

 

خَمْسَةُ أَقْنِعَةٍ لِأُنْثَى بِالْحَيَاة

القِناعُ الأوَّل

قِناعٌ صَبَاحيٌّ صَامِت،

يَمْتَلِكُ عَيْنَيْنِ نِصْفَ مُغْمَضَتَيْن،

لا يَتَفَاعَل،

لا طَاقَةَ لَهُ عَلَى التَّفْكِير.

يَكْسُو مَلَامِحَهُ التَّعَجُّب،

وكأنَّها تَفِيقُ كُلَّ يَوْمٍ

عَلَى صَدْمَةٍ حَضَارِيَّة،

تُشْبِهُ أَهْلَ الْكَهْف.

قِناعٌ يُفَكِّرُ دَائِمًا:

هَلْ هَذِهِ الْحَقِيقَة؟

هَلْ هَذَا أَنَا؟

أَمْ طَالَ الْحُلْمُ

وَطَالَ بِيَ الْأَمَد؟

تَلْتَقِطُ خُصَلَاتِ شَعْرِهَا الْمُبَعْثَرَة،

وَكَوْبَ قَهْوَتِهَا السَّاخِن،

لِتُسَلِّمَ ذَاكَ الْوَجْهَ

لِقِناعٍ آخَر.

القِناعُ الثَّانِي

قِناعٌ جَادّ،

مُسْتَيْقِظُ الْفِكْرِ وَالْعَيْنَيْن،

يَمْتَلِكُ طَاقَةً هَائِلَةً عَلَى التَّوَاصُل.

تَرْتَدِيهِ لِتُنْهِيَ كُلَّ مَهَامِّهَا:

تَرْتِيبَ الْمَنْزِل،

مُحَادَثَاتِهَا الصَّبَاحِيَّة،

تَجْهِيزَ الْغَدَاءِ،

وَبَعْضَ الْحَزْمِ مَعَ الْأَوْلَاد.

قِناعٌ مُبْهِر،

يَمْتَلِكُ صَبْرَ يَعْقُوب،

وَدَهَاءَ يُوسُف.

يَدُومُ طُولَ الْيَوْم،

لِيُسَلِّمَ ذَاكَ الْوَجْهَ

لِقِناعٍ ثَالِث.

القِناعُ الثَّالِث

قِناعُ الْوَاعِظَة.

يَعُودُ الْجَمِيعُ إِلَى الْمَنْزِل،

يَشْكُونَ لِتِلْكَ الْوَاعِظَة

آلَامَ الْيَوْم

وَمَصَاعِبَ الْحَيَاة.

تَضَعُ لَهُمْ بِكُلِّ حَمَاسٍ الطَّعَام،

تَمْنَحُ الْعَاصِيَ صَكَّ الْغُفْرَان،

وَتُثْنِي عَلَى الْمُطِيع.

قِناعٌ يُشْبِهُ الْإِلَهِيّ.

وَلِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الرَّائِعَةَ لَا تَدُوم،

يُغْلِقُ هَذَا الْقِناعُ عَيْنَيْهِ مُبَكِّرًا،

وَيُسَلِّمُ ذَاكَ الْوَجْهَ

لِقِناعٍ رَابِع.

القِناعُ الرَّابِع

قِناعُ الصَّمْت.

كِتَابٌ—

إِنْ كَانَ الْيَوْمُ بَسِيطًا،

وَإِنْ كَانَتْ تَمْلِكُ فِي هَذَا الْوَقْتِ

بَعْضَ الْعَقْل.

أَمَّا فِي الْأَيَّامِ الصَّعْبَة،

فَلَا تَمْلِكُ هَذَا الْقِناعُ

أَعْيُنًا لِلْقِرَاءَة.

تَضَعُ السَّمَّاعَاتِ فِي أُذُنَيْهَا،

فَلِهَذَا الْقِناعِ قُدْرَةٌ رَهِيبَةٌ عَلَى السَّمْع.

تَنْفَصِلُ عَنِ الْوَاقِعِ

لِبَعْضِ الْوَقْت.

قِناعٌ مُبْهَم،

لَا تَعْرِفُ:

أَجَمِيلٌ هُوَ؟

أَمْ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ

بُرُودَةَ الْمَوْت؟

وَمَعَ كَوْبٍ آخَرَ مِنَ الشَّاي،

وَكَثِيرٍ مِمَّا لَمْ يُقَل،

تُسَلِّمُ هَذَا الْوَجْهَ

لِقِنَاعِهَا الْخَامِس.

القِناعُ الْخَامِس

قِناعٌ مُنَمَّق،

يَلِيقُ بِذَاكَ الِاهْتِمَامِ الَّذِي تَمْنَحُهُ لَه.

ابْتِسَامَةٌ هَادِئَة،

بَعْضُ مَسَاحِيقِ التَّجْمِيل،

وَجْهٌ يَبْدُو مُشْرِقًا،

عَيْنَانِ لَامِعَتَان،

يُخْفِي بَرِيقَهُمَا

شُرُوخَ الرُّوح.

لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَرَاهُ الْآن:

كَـمُومِيَاءَ مَلَكِيَّة

تَتَزَيَّنُ قَبْلَ الدَّفْن.

جَمِيلٌ هَذَا الْقِناع،

جَمِيل—

رَغْمَ الصَّدَأِ الْكَامِنِ أَسْفَلَه،

وَرَغْمَ بُرُودَةِ أَطْرَافِهِ،

وَرَغْمَ تَطَايُرِ عِطْرِ الْمَوْت.

جَمِيلٌ أَيْضًا

هَذَا الصَّمْت.

Related posts