أعلامٌ في حياتي الجامعية:
أ.د/ محمد محمد جاهين بدوي
الشاعرُ المُثابر، جليلُ الخواطر، دقيقُ المشاعر، الراسخُ في فنِّه الجميل رسوخ الأقدمين، فإذا ما قرأتَ شيئًا من شعره ناظرًا في ديوانه، أو سمعتَ منه قصيدةً ألقاها في مَجلسٍ في حياته – استشعرتَ أنَّك في رحاب صَنَّاجة العرب أبي بصير ميمون بن قيس المعروف بالأعشى الكبير.
لقد كان مبدعًا في توظيف الألفاظ الدقيقة لخدمة المعاني الجليلة، فإذا ما أنشأ قصيدةً ما ألفيته قد بَثَّ فيها جليل المعاني، وأنَّ اللغة قد منحته دقيق الألفاظ، كأنَّهُ يُعْطِي لُغتَهُ المعنى الجميل فتُلبِسُهُ اللَّفظ الجليل على سبيل المطارحة.
ولا ريبَ في أنَّ المعانيَ في القصيدة العربية بمنزلة الأبدان لبني الإنسان، والألفاظ فيها بمنزلة الثياب الحالَّة على تلك الأبدان، وفي كلِّ واحدةٍ منهما ما يُناسب الأخرى جمالًا وجلالًا وقدرًا، فكأنَّ شاعرنا الكبير كان يُطارح لغتَه المعانيَ الجليلةَ فتُطارحه الألفاظَ الجميلةَ جزاءً وفاقًا؛ فتطرق القصيدةُ المنشأةُ سمعَك أو يقعُ عليها نَظَرُك في صورة رائعة، باطنها المعاني الجليلة مشتملة على الخيالات البديعة، وظاهرها التراكيب الصحيحة ذات الألفاظ الفصيحة.
والشعر كاللغة يقوى الاهتمامُ به بقوة عصر إنشائه وتقدُّم أبنائه، وتضعف العنايةُ به بضَعْف عصر قوله وتقاعُس أهله، ولو كان للشعر في زماننا قبةٌ تُبْنى حديثًا كقبة زياد بن معاوية في سوق عكاظ قديمًا؛ ليَعرض فيها الشعراءُ قصائدَهم المُجوَّدة المُحَبَّرة على شاعرهم النابغة؛ ليُحدّد الأروع والأحسن والأشعر – لضُربَت لمثل الشاعر الكبير د/ محمد جاهين بدوي قبةٌ مماثلةٌ يقوم فيها مقام أبي أُمامة، فيُلْقى عليه الشعر فيها إلقاءَ الأقدمين قصائدهم على زياد بن معاوية، المعروف بـ(النابغة الذُّبياني)، والمُكَنَّى بأبي أُمامة؛ فيُقدِّم شاعرًا أجادَ في غرضه على شاعرٍ، أو يقضي بالأشعريَّة لشاعرةٍ أصابت على شاعرٍ.
لقد كان أستاذًا واعيًا تخصصه ومادته ودرسه، محاضرًا راقيًا في قوله وخلقه ومعاملته، لقد درَّس لنا مادة “البحث الأدبي” ونحن طلاب في الفرقة الأولى بكلية اللغة العربية بالقاهرة عام 1997م، فأجاد شرحًا، وأحسن طرحًا، وبثَّ فينا نشاطًا ومرحًا، ونحن حديثو عهدٍ بتلك المادة الجديدة، فقد ترك لنا حرية اختيار شاعر من الشعراء الجاهليين، والكتابة عنه وعن أغراض شعره، فكان شرحه ميسرًا، وأسلوبه مُعبِّرًا، وتكليفه لنا واضحًا، مع أنَّهُ كان يُلقِي محاضرتَه جالسًا، وحديثَ عهدٍ بالإلقاء؛ فقد كان عامُ حصوله على العالمية “الدكتوراه” هو عامَ تدريسه لنا، وهو العام 1997م.
ثم جاءته فرصةُ السَّفر الذي تتَجَلَّى فيه طبائعُ الناس تَجَلِّيَ الشمس في ضحاها، ويُستدل به على مكارم الأخلاق، والسفرُ كان – ولا زال – بغيةَ كلِّ باحثٍ عن وضعٍ مناسبٍ لأستاذ الجامعة لا يجده في بلده العزيز، فغادر الوطن مغادرةً إلى المملكة العربية السعودية عام 2000م، فعمل أستاذًا مساعدًا في كلية المعلمين في منطقة “بيشة” التابعة لجامعة الملك خالد في “أبها”، واستمرت الغربةُ سنوات إلى قرب الممات، كلها عطاء وشعر وإبداع وإمتاع، سواء في الخارج أو في الداخل، فـ”النت” قد قَرَّب المسافات، وأشاعَ العبارات، وأتاحَ المعلومات، ونشر القصائد والمقالات، وقد صارت الغالبية من الشعوب العربية وغيرها مولعين بـ”النت”؛ فما عاد النفع مقصورًا على القرب من الشاعر والعالم والمجالسة لهما في مكانٍ ما داخل الوطن الواحد.
وقد حضر معنا في إحدى أجازاته الصيفية غداءً صعيديًّا ماتعًا جامعًا عند سعادة العميد الكريم أ.د/ عبده إبراهيم، في أعقاب الانتهاء من دورات تدريبية مكثفة في أمور الجودة، سُمِّيت بـ(الْحِزَم المتكاملة لمؤسسات التعليم العالي لتأهيل فرق إعداد الدراسة الذاتية وملفات الاعتماد) أقامتها الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد بالتعاون مع جامعة الأزهر في شهري: يونيو، ويوليو عام 2009م، وفي منتهاها وَجَّهَ أ.د/ عبده إبراهيم دَعْوَتَهُ الْجَفَلَى لزملائه المتدربين للاجتماع على غداءٍ يُقِيمه في بيته العامر بشارع “الملك فيصل”، وكنتُ ممن لبَّاها مع بعض الزملاء، وقد أنشدنا د/ محمد جاهين بدوي في ذلك الاجتماع بعض قصائده الرائعة بعد تناول الغداء الصعيديّ الماتع الجامع.
وكنتُ من أصدقائه على “الفيس بوك” بصفحتي القديمة الملغاة بعد وفاته بعام تقريبًا، وحين هممتُ بكتابة بعض القصائد، وتعجلتُ في نشرها على صفحتي دون مراجعةٍ دقيقةٍ وقع في بعضها أشياء، فلم يُعلّق عليها على صفحتي الشخصية التي تَتَرَقَّبُها جميعُ الفئات، ولكنني فوجئتُ به يتواصل معي على “الماسنجر” بيني وبينه، ويُنبهني إلى ما في بعض أبياتها من خلل دون أن يعلم بذلك أحدٌ، وتلك أخلاق الكبار الراقية، فشكرت له كثيرًا، وأثنيت عليه بما هو أهله، وقلت في نفسي حينئذٍ: (الشعر الذي يحتاج إلى جو مناسب وتحبير وتجويد وتأنٍ في الإخراج لا تناسبه عجلة النحاة).
وقد شجَّعَني ذلك على مراسلته بعد ذلك، وأخذ رأيه في بعض القصائد التي نظمتها، وهي قصيدةٌ تائيةٌ عبَّرت عن حالة وجدانية، وقد جاءت في تسعة عشر بيتًا، فاستحسنها وأشاد بها، وأبدى ملحوظتين فيها، وقد أخذتهما بعين الاعتبار؛ فجاءت قصيدتي من البحر الطويل على هذا الوجه:
في حُبِّ اللهِ
لراجي عفو ربه الحميد د/ أحمد عيد
تَبَتَّلْتُ فِي الأَسْحَارِ مَرْجَى عَطِيَّتِي وَحَسْبِي صَفَاءُ النَّفْسِ إِثْرَ السَّكِينَةِ
يُنَادِي مُجِيبُ السَّائِلِينَ: وَعِـزَّتِي لَئِنْ صَاحَ عَبْدِي ضَارِعًا كُـلَّ لَيْلَةِ
لَعَادَ قَرِيرَ الْعَيْنِ مِنْ فَيْضِ مِنْحَتِي وَمَا لِلْمُنِيبِ الْقَلْبِ غَيْرُ النَّفِيسَةِ
قِيَامِي شُهُودِي لِلْجَلالِ ، وَرِفْعَةٌ وَمَيْلِي رَجَائِي عَفْوَ رَبِّ الْخَلِيقَةِ
سُجُودِي صُعُودِي في سَمَاءِ مَحَبَّتِي وَصَوْمِي عَنِ الأَغْيَارِ خَيْرُ الْمَطِيَّةِ
تَهُبُّ رِيَاحُ الشَّوْقِ نَحْوِي سَريعَةً إِذَا رُمْتُ تَسْلِيمًا خِتَامَ التَّحِيَّةِ
يُحَدِّثُنِي رَبِّي … وَتِلْكَ كَرَامَةٌ فَمَا لِي رَجَاءٌ فَوْقَ سَطْحِ الْبَسِيطَةِ
لَقَدْ هَامَ قَلْبِي بالْكِتَابِ وَغَايَتِي أَرُوحُ وَأَغْدُو فِي رِحَابِ الْمَعِيَّةِ
فَمَا هَزَّ أَرْكَانِي مَثِيلُ تِلاوَتِي كِتَابي وَوِرْدِي وَفْقَ نُورِ الشَّرِيعَةِ
فَيَا سَعْدَ مَنْ بَالْحُبِّ دَانَ لِرَبِّهِ وَأَلْقَى كُؤُوسَ اللَّهْوِ خَوْفَ الْقَطِيعَةِ
تَبَارِيحُ شَوْقِي فِي هَوَاكَ جَلِيلَةٌ وَعَيْنَايَ مَلأَى مِنْ دُمُوعِ الْمَحَبَّةِ
أَغِيبُ بِنَفْسِي عَنْ حِوَارٍ لِخُلَّتِي وَجِسْمِي لَدَيْهَا فِي جِوَارِ الأَرِيكَةِ
فَيَا وَيْحَ قَوْمٍ ما أَحَبُّوكَ خَالِقِي وَنَالُوا رَشَادًا قَبْلَ يَوْمِ الْمَنِيَّةِ
وَيَا بُؤْسَ مَنْ يَرْجُو نَعِيمًا وَمُتْعَةً وَمَا عَرَفَ الْمَحْبُوبَ عَيْن الْحَقِيقَةِ
فَنُعْمَاهُ لا تُحْصَى وَإِنْ رِيمَ عَدُّهَا وَآيَاتُهُ الْكُثْرَى مَنَارُ الطَّرِيقَةِ
وَكَيْفَ يَضِلُّ الْمَرْءُ ، ما اللهُ حِبُّهُ وَأَحْمَدُ هَادِيهِ طَرِيقَ الشَّرِيعَةِ؟
تَبَارَكْتَ في عَلْيَاكَ مُحْسِنَ خِلْقَتِي وَرَاحِمَ ضَعْفِي حِينَ أَدْخُلُ حُفْرَتِي
وَلَيْسَتْ جِنَانُ الْخُلْدِ حِرْصِي وَمَطْلَبِي مُرَادِي حَبِيبًا ، وَهْوَ رَبُّ الْبَرِيَّةِ
فَسُبْحَانَ رَبِّي أَنْتَ حَسْبِي وَعُدَّتِي وَأنْتَ مَلاذِي يَوْمَ ضَعْفِ الْوَسِيلَةِ
وقد علَّق عليها الشاعر الكبير د/ محمد جاهين بدوي حين أرسلتها إليه قائلًا في ردِّه عليَّ:
“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أخي الحبيب وشاعري الأروع
القصيدة أكثر من رائعة بكل تأكيد
وتطرح رؤية صادقة وتجربة عميقة في الرؤيا الصوفية السنية بلا غلو أو إفراط، ونعمت القصيدة والتجربة.
بكل صدق تغبط عليها، وأرجو أن تكثر من ذلك وتعدد تجاربك في هذا المجال … ولك من القلب أزكى تحاياي وأصدق دعائي بكل التوفيق ودائم الإبداع ومتجدده”.
وقد نشرتُ هذه القصيدة على صفحتي القديمة الملغاة وقتًا قليلًا إلى أن اتصل بي العالم الجليل الصوفي الصافي أ.د/ عبد العظيم فتحي خليل الشاعر – أسأل الله تعالى له الشفاء والعافية ودوام النفع به – وأثنى عليها ثناءً حسنًا، ثم قال لي: (مثل هذه الحالة الطيبة تُخْفَى ولا تُعْلَن على الملأ؛ لأنَّك قد تُحسد عليها)، فسارعت إلى حذفها يومئذٍ حذفًا.
وكانت تجمع الشاعر الكبير د/ محمد جاهين بدوي بزميله النحوي وزميلنا أ.د/ عادل سرور علاقة وثيقة، ومحبة صادقة، عَبَّرْت عنها إحدى قصائده في ديوان: (حَدَّث أزهريٌّ قال) ص103، وقد جعل عنوانها:
“عادل سرور”!
إلى حِبِّ روحي العلامة العارف المحب أ.د/ عادل سرور
للنُّورِ بَحْرٌ بالرُّؤَى مَسْجُورُ وسَفِينُهُ التَّهْلِيلُ والتَّكْبِيرُ
بَحَّارُهُ قَلْبُ المُحِبِّ صَفَا فأَشْـ ـرَقَ بالْجَلالَةِ وانْجَلَى دَيْجُورُ
هُوَ فِي الْمَعَارِفِ أُمَّةٌ مَجْمُوعَةٌ هُوَ فِي السَّجَايَا جَنَّةٌ وحَرِيرُ
إنْ قَالَ أَجْرَى فِي الْقَرَائِحِ سَلْسَلًا وإذَا “نَحَا” فالمُشْكِلاتُ نَمِيرُ
وإذَا “دَعَا” فمِنَ القُلُوبِ سَوَامِعٌ وإذَا “تَرَنَّمَ” فاللُّحُونُ زَبُورُ
وإذَا تَفَكَّهَ فالعَوَالِمُ ضِحْكَةٌ بَيْضَاءُ طُهْرًا، والفُؤَادُ قَرِيرُ
مَنْ ذَا يُرَوِّي بالمناقِبِ خاطِرِي ونَظِيمُ شِعْرِي دُرُّهُ الْمَنْثُورُ؟
هُوَ حِبُّ رُوحِي في الْخَلَائِقِ “عادلٌ” ورَفِيقُ دَرْبِ الصِّدْقِ فَهْوَ “سُرُورُ”!
ولقد كان الشاعر الكبير د/ محمد جاهين بدوي مشجعًا لتلامذته وإخوانه، مُحبًّا لزملائه، مُقدِّرًا لهم جميعًا تقديرًا بقلبه الصافي، وكلامه الراقي، وأسلوبه العالي، ونصحه السامي، أسأل الله تعالى أن يُكرم نزله، وأن يُديم ذكره محمودًا في عالم الشعر، معدودًا في النُّبلاء من الشعراء.
وأمَّا عن مسيرته الجامعية فقد حصل على الإجازة العالية “الليسانس” من كلية اللغة العربية بالقاهرة عام 1985م، بتقدير: ممتاز، فعُيِّنَ معيدًا في قسم الأدب والنقد بالكلية، ثم حصل على درجة التخصص”الماجستير” عام 1991م، وكان موضوع رسالته: “قصيدة الصورة في شعر أبي شادي”، ثم حصل على درجة العالمية “الدكتوراه” عام 1997م، وكان موضوعها: “شعر الحب بين ابن عربي وابن الفارض: تحليل وموازنة”.
وقد صدرت له دراسات أدبية عديدة، منها: جدلية الثبات والتغير في شعر ابن أذينة، عام 1999م، وثكل المكان وكونية الأحزان في مرثية حسان بن ثابت للرسول – صلى الله عليه وسلم – عام 2004م، وسيميائية التناظر والتقابل في شعر ابن زيدون: النونية نموذجًا، عام 2005م.
وقد صدرت له عدة دواوين شعرية، منها: (حَرَمُ الهوى فمُها) عام 2005م، و(إلَّا ودادَك زينبُ) عام 2008م، و(جواي فيك جوابي) عام 2010م، و(سادن سدرة المنتهى) عام 2013م، و(حدَّث أزهريٌّ قال) عام 2014م. [هذه المسيرة الجامعية الموجزة مستفادة من: تجليات محمد جاهين في مقام الدهشة لـ أ.د/ مصطفى السواحلي ص125، 126].
وقد شاء الله تعالى أن تقوم دراسة علمية متخصصة حول شعره، أعدتها الأستاذة/ خديجة أحمد حسن، في كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية، جامعة الأزهر.
وقد أخبرني سعادة العميد الموقر أ.د/ صابر عبد الدايم يونس، العالم الجليل الأديب الناقد الشاعر الكبير، أنَّهُ ناقشه في رسالة التخصص “الماجستير” قائلًا: ” رحم الله الشاعر الكبير والإنسان النبيل الناقد الكبير أ.د/ محمد جاهين بدوي، وشعره في الطبقة الأولى من الشعراء المحدثين، لقد شاركت في مناقشة رسالته للماجستير بصحبة أستاذنا العلامة أ.د/ محمد عبد المنعم خفاجي، وكان متفوقًا متمكنًا”.
وختامًا أقول:
كانت ولادة الأديب النحرير الشاعر الكبير الناقد القدير د/ محمد محمد جاهين بدوي في قرية “الصنافين”، بمركز منيا القمح، محافظة الشرقية في يوم الاثنين، الموافق التاسع والعشرين من شهر يوليو، عام 1963م.
وكانت وفاته في يوم الثلاثاء، 25 من ذي القعدة عام 1439هـ الموافق السابع من أغسطس عام 2018م.
فسلامٌ على الأديب النحرير الشاعر الكبير الناقد القدير د/ محمد محمد جاهين بدوي في الشعراء المؤمنين والعلماء العاملين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مع خالص تحياتي:
د/أحمد عيد
26 مارس 2021م.
