تونس متابعة إيمان المليتي
بقلم الكاتبة غفران عزوز
شعرت بلذعة خفيفة تسري في شرياني وأنا أحدق في وجه الممرضة وهي تقوم بحقني بآخر جرعة من مخدر المورفين لعله يخفف من وجعي الكبير…
ثم بعد برهة ،بدأت أفقد السيطرة على جسدي شيئا فشيئا ..أطرافي تكاد تنفصل عني ..أصابعي لا أشعر بهما ..بدأت ألمح البياض ورأسي ثقيل..ثقيل..
انتشر الضياء في الغرفة الصغيرة مفترسا النصف المظلم ببطء..أحسست فجأة بهدوء وسلام منعش فلا ألم على الإطلاق…ينتشي خيالي قليلا فتزورني نسائم بحرية ،تسللت من نافذتي لتداعبني وكأنها تمسك بيدي لتأخذني في رحلة إلى شاطئ الأمان حيث الموج الأبيض يكابد في الوصول إلى صخرة عالية ..فإذا بي أركض وأركض…حرة ..أسلم نفسي للريح ولرذاذ الماء..ولكل ماهو مجنون وطليق مثلي..ثم يتملكني التعب فجأة فتنتفض دقات قلبي صعودا وهبوطا …لعل هذا المخدر قد بدأ طريقه إلى أعصابي ليشل عملها اليومي ..فيرشدها إلى دروب منسية ..لازلت أشعر بالدوار …لكن لا بأس إنه دوار لذيذ…يجعلني خفيفة كأني أطير في الفضاء ..أقفز على سطوح الأبنية المجاورة ..فتستيقظ جزئيا حواسي النائمة..وأستحضر طفولتي..لأطير من جديد إلى الشمس وأعانق الفرح ومدن الأحلام والحب …
العالم أمامي وأنا لست سوى فقاعة ماء وردية تقاوم لترتفع في الفضاء الشاسع لتصل إلى أبعد نقطة فيه ثم تختفي…
أحاول جاهدة النهوض من السرير…أطرافي مازلت جامدة ..لكن سأقف على قدماي ..لا شئ سيهزمني ..أتمسك بالجدار وكأن كل شيء ينزلق من حولي ..ألقي بجسدي المتهالك على كرسي قريب ..ثم تخطر ببالي فكرة مجنونة …أريد أن أكتب..أريد شهودا على أحلامي الأخيرة …وليس هناك أصدق من البوح في لحظات ضعفنا..
وجدت على منضدة بالقرب مني رزمة من الورق فوقها قلم جاف ،مسكت بواحدة وبدأت بكتابة أولى كلماتي ثم بدأ السطر يتماوج ولم أعد أرى بوضوح ما أكتب ..للمرة الأولى أعي نفسي مشلولة تماما أمام مخدر ما ..أكتب …أي جنون ..إنه جنوني الخاص ..هوسي بالكتابة يقحمني داخل موجة إذا لم أأغالبها غلبتني… فإذا بي أعوم وأغرق مثقلة بآلامي …فأسقط في القاع كورقة الخريف.)
بقلمي غفران_عزوز