-مَسْرحةُ التراثِ في تجربة(لمحات من عبق التراث) للكاتبة نوال مهنى(3)

إعداد:
الأستاذ الدكتور/صـــبري فـــوزي أبوحســـين
أستاذ الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات
وعضو اتحاد كتاب مصر

مسرحيات سياسية:
وتتمثل في تجربة: (يحيا العدل) حيث الصراع بين المثال والواقع، والعقل والقوة، والصدق والطمع، نجد الواقع متمثلاً دالاًّ على ما نحياه من خلال الوزير الذي يقف حائلاً دون استعانة الملك بأهل الحكمة والعلم (الفيلسوف) خوفًا من ضياع منصبه، ونلاحظ أن الملك استجاب لمكر الوزير وتنازل عن رغبته في نشر العدل ونشر الفكر والعلم، وهنا دعوة صريحة لكل القيادات أن يستعينوا بأهل العلم حتى تستقيم الأمور، ويبدو ذلك من كلام الفيلسوف عندما يقول:”الحل يا مولاي يكمن في صلاح الحاكم أولا أي في نزاهته ويقظته وكفاءته في إدارة شئون الدولة( )”.
وفي تجربة(مسابقة في الكذب)حيث المبالغة في فرض المكوس والضرائب، وتجربة (سلطان العلماء والسلطان نجم الدين) حيث تطبيق الشرع بكل قوة وعزة، وفي تجربة(ذات النطاقين) حيث الثبات على الموقف والجهاد في سبيل الحق… وتأتي التجربة العشرون(البقرة العاشرة) لتعلن بجلاء عن طريق تفكير اليهود وتخطيطهم من أجل واقعهم ومستقبلهم، وتوظيف كل شيء، بما في ذلك النص التوراتي والإنجيلي، والمخترعات العلمية الحديثة من أجل مخططاتهم الاستعمارية والتوسعية على حساب وطننا العربي المنكوب بهم! وفيها نوع من تحديث التراث و عصرنته.
وليس هذا التصنيف الفكري للتجارب إلى: سياسي، وثقافي، وخلقي، نهائيًّا ولا صارمًا حاسمًا، ولكنه على سبيل التعميم، حيث تمتزج التوجهات والرؤى في كل تجربة…
ويلاحظ في هذه التجارب المسرحية العشرين التنوع التاريخي في المادة التراثية بين العصر الجاهلي في تجربة (المكافأة)، وعصر صدر الإسلام في تجربتي(بائعة اللبن)، و(الراعي الأمين)، وتأتي تجربة (صاحب الجنتين) قرآنية من القصة المسرودة في سورة الكهف، والعصر الأموي في تجارب: (ذات النطاقين) و(زين العابدين والفرزدق) و(نفيسة العلم)، و(الإمام وصاحب الدنانير)، و(سعدى والخليفة الأموي)، والعصر العباسي في تجربة(الجاحظ وصورة الشيطان)، وتجربة(المنصور والأصمعي)، والعصر المملوكي في تجربة(سلطان العلماء والسلطان نجم الدين)، وتأتي تجربة (البقرة العاشرة) من وقائع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين… أما تجربة(جحا والسلطان) فمن التراث الإنساني العالمي، تلك الشخصية العجيبة الملغزة والمحيرة التي تجمع بين الذكاء والتغابي أو التحامق…وهي موجودة في ثقافات متعددة ولغات مختلفة. وقد ذكر الدكتور إبراهيم وعوض أن من مجالات الدراسة الأدبية المقارنة دراسة الشخصيات المتميزة، ومنها: شخصية جحا التي تعود إلى المصادر الشعبية، وأصبحت موضوعًا تتناوله الآداب العالمية بمختلف ألوانها؛ إذ نجده في الأدب الشعبي المصري، والأدب الشعبي التركي، والأدب الشعبي القوقازي، والأدب الشعبي الفارسي… وهو في كل ذلك رمز للإنسان البسيط خفيف الظل، الذي يعبر عن رأيه في شجاعة، منتقدًا أوضاع السلطة الحاكمة الفاسدة المستبدة، حاملاً ملامح كل أمة ينتمي إليها حسبما لوحظ؛فهو، على وجه الإجمال، خير معبر عن الوجدان الشعبي وموقفه من عصور القهر والظلم( ). وهي عامة مجردة غير محددة الزمان أو المكان أو الشخوص، ومثلها تأتي تجربة (سيدي حُمَيِّر) من التراث الشعبي، وكذا بقية التجارب- وهي: (يحيا العدل، الشاعر والسوق، مسابقة في الكذب، العجوز والتاج الذهبي، الصياد والسمكة العجيبة)- جاءت مجردة الزمن، وشخوصها وأماكنها غير محددة! وهذا ما يجعلنا نرى أن مصطلح التراث لدى الكاتبة واسع فضفاض، فكل ما قرأته عند السابقين عليها تراث!
ويحسب للكاتبة(نوال مهنى) أنها انتقلت بنا انتقالات عدة بين حدائق التراث: العربي، والإسلامي، والعالمي، والشعبي، وعبر الزمان ومع صنوف الإنسان، لنتنسم معها عبق الماضي عبر هذه القصص النثرية الممسرحة العشرين، نلتمس من خلالها العظات والعبر ونتعلم الدروس التي تفيدنا في حياتنا، وفي تعاملاتنا مع الأحياء والأحداث المستجدة ( )، فهي أنموذج للإبداع المجيد الانتقاء من التراث، انتقاء مدرسيًّا تعليميًّا هادفًا، وهكذا في بقية المسرحيات تعتمد الأديبة على التراث لإسقاطه على واقعنا؛ فهي تعلم بمدى أهميته ويوضح ذلك مدى تبحرها في قراءة التراث وايمانها بأهميته، وقد نجحت الكاتبة في توصيل أفكارها وإمتاعنا بالأحداث. وقد ساعدها تخصصها الأكاديمي في علم النفس أن تغوص في جوانب النفس الإنسانية محللة صفاتها ومشاعرها وطرق تفكيرها، وبما أنها شاعرة في الأساس فحسها الشعري المرهف يسيطر على عدة أجزاء من هذا العمل( ).
ثالثًا: البناء الداخلي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنبني هذه التجارب بناءً دراميًّا قصيرًا موجزًا، حيث القِلَّةُ في الشخوص، والمحدوديةُ في المشاهد والمناظر والأحداث، وكذا الأزمنة والأمكنة، وفيها وضوح، ومباشرة وخطابية، وهادفية عن طريق التعبير بالتراث، وقد أتت التجارب في عدد قليل من الصفحات، لتقرأ في ربع الساعة أو أقل. فأكبر تجربة هي البقرة العاشرة في ست عشرة صفحة( )، وأقل تجربة هي الإمام وصاحب الدنانير في خمس صفحات( )…
وتُعرَض التجارب بلغة سهلة يسيرة تعليمية واقعية، مناسبة لطبيعة الشخوص وطبيعة الجمهور، وتأتي المفارقة الصادمة في ختامها غالبًا. وفيها أخطاء طباعية وإملائية، ولغوية، بيانها على النحو التالي:
– الأخطاء الطباعية والإملائية وهي محدودة، تتمثل في : (شئ ص25)، (أحك لنا ص112)، (وعاء مل علما، ص167)، (نعم يا مولا، ص189، أنها خطة ص190، قلبي الثملي ص193، وزمني أمام ص200، هذا فضلاً عن عدم الاستعانة بالنقطتين الفوقيتين بعد فعل القول، وعدم التنسيق الجيد للنصوص الشعرية!
– الأخطاء اللغوية، وتتمثل في: وخاصة أن، ، أتوق لتحقيق ص23 ، فيما تفكر أيها ص23، ما هو الحل، ص26، (أوه) في سياق التعجب ص79،ص80، وهي لفظة توجع أو تحزن أوشكاية، والصواب(واهًا) ما أبهى هذه النخيل الباسقة ص80، وترى الحساب العادل إما جنة أو نار، ص81، لأمر هام، وأي أمر هام ص108، ص156، ص169، أن يكون طعمها لذيذ، ص146، ومعه اثنين من أصحابه ص153، سيدي أبوعثمان، ص166، لم أنتهي ص169.وفي قولها عن ثلاثية: الحق والخير والجمال: “وهي علوم معيارية ص24، والصواب : وهي قيم مثالية..
كما استعانت الكاتبة بتقنية التناص، فطعمت لغتها بالنصوص الشعرية: فأوردت نصوصًا شعرية من تأليفها لبيان فصاحة أبطال المسرحيات في تجربة (الشاعر والسوق) وتجربة(المكافأة) واستعانت بالشعر التراثي في تجربة(زين العابدين والفرزدق) وتجربة(بين المنصور والأصمعي)، وتجربة (سعدى والخليفة الأموي) .وقد جاءت النصوص منسجمة مع أحداث كل مسرحية، وصادرة من شخوص مبدعة ومتذوقة هذا الفن، وقد ساعد هذا التوظيف على تنويع لغة الإبداع، وإضفاء جو إيقاعي لذيذ عليها. وقد حدث خطأ طباعي في رواية قول الفرزدق: جرى بذلك له في لوحه القلم ص35، والصواب (بذاك). وفي قوله: فقل لمن يرتجيها وغيرهم سفها( ) ص188، والصواب عروضيًّا بحذف الواو.
ومع التناص مع الشعر نجد تناصا مع القرآن الكريم تناصًّا كليًّا في تجربة(صاحب الجنتين)، وتناصًّا جزئيًّا في تجارب أخرى، كما نجد تجربة تنبني على التناص الامتصاصي مثل عامي، وهي تجربة(سيدي حمير)؛ فهي “مستوحاة من التراث الشعبي كقصة سيدي حمير التي تروى في كثير من البلاد بروايات مختلفة مؤداها حكاية المثل الشعبي:”احنا دافنينه سوا( )”. والتناص مع التاريخ في أعصر مختلفة وحوادث متنوعة بارز في معظم التجارب…
والحوار أساس في كل مسرحية، وهو سهل سلس يسير، يكاد يكون صالحًا للتمثيل من قبل طلاب المراحل التعليمية المختلفة، وأرى أن طلاب المرحلة الثانوية أنسب بخصائصهم العمرية لهذه المسرحيات، عدا مسرحيتي (يحيا العدل، والبقرة العاشرة)، فهما مناسبتان للمرحلة الجامعية، والحوار- بصياغته وفكره- مناسب لكل شخصية، وقد عبر عن أهم ملمح في كل شخصية، وأكبر دليل على ذلك الحوار في مسرحية (المنصور والأصمعي)، فنجد من خلال تفرس الحوار المنصور الخليفة الذكي المثقف الحافظ، ونجد الأصمعي العالم الراوية اللغوي، المغرب في إبداعه، والمضمن إبداعه تأييد حكم بني العباس؛ لتحقيق هدفه .وكذا الحوار في مسرحية (يحيا العدل) الذي يمثل شخصياتها الثلاثة بكل جلاء: الملك المتأرجح بين المثالية المرتجاة والواقع المفروض، والحريص على ملكه وسلطانه والوزير اللئيم المخادع الحريص على مكانته السياسية والخائف من المفكرين، والفيلسوف الحكيم العميق العاقل الشجاع الصريح ..
. وتدور المسرحيات حول فكرة الصراع بين ثنائيات عديدة نعيشها جميعًا مثل: الحاكم والمحكوم، العدل والظلم، الفقر والغنى، الأمانة والخيانة، القناعة والطمع، الواقع والمأمول.. إلى غير ذلك من الصراعات الإنسانية وبخاصة في بلادنا العربية. والصراع في المسرحيات يسير خاطف، وليس عميقًا أو ممتدًّا، وهو في مسرحية(يحيا العدل) ذهني فلسفي، صراع العقل والقوة، والفتنة بالسلطة، وفي مسرحية (زين العابدين والفزدق) مذهبي، وسياسي، ويكاد يكون الصراع منعدما في تجربة(نفيسة العلم) لأنها تجربة أقرب إلى السيرة والترجمة للسيدة نفيسة رضي الله عنها، وكذا تجربة (الإمام وصاحب الدنانير)، وفي تجربة(الشاعر والسوق) نجد الصراع بين المثقفين والماديين، والسؤال عن جدوى الثقافة والإبداع! وفيها إدانة لهؤلاء التجاريين الانتهازيين. وأرى أن هذا العنصر من أخفت العناصر الداخلية في هذه المجموعة….
والعنوان مباشر واضح موجز، وإن كان يؤخذ على الكاتبة في صياغته التعميم المخل أحيانًا كما في عنوان (الإمام وصاحب الدنانير)، فالإمام هنا هو أبو حنيفة النعمان، وصاحب الدنانير هو أحد الشخوص في مشهد من المسرحية! وكان أمام الكاتبة أن تبدع عنوانًا أكثر وضوحًا وتحديدًا من هذا العنوان! وكذا عنوان(سعدى والخليفة الأموي) والمقصود سيدنا معاوية رضي الله عنه!، وجاء عنوان (المكافأة) وعنوان (البقرة العاشرة) مكثفًا، غير معبر مباشرة عن حكاية التجربة!
والوحدة الفنية بارزة في معظم التجارب زمانًا ومكانًا وشخوصًا وأحداثًا، وفي حبكة بعض منها ضعف مثل تجربة (الإمام وصاحب الدنانير) التي هي ثلاثة مشاهد منفصلة لا جامع بينها إلا أنها من حياة الإمام.
وفي نص (المكافأة) استطراد وحشو لا سيما في ختامها، وكذا في تجربة(مسابقة في الكذب) نجد ضعفًا في بناء خاتمة المسرحية؛ فقد جاء صادمًا غير متوقع، ودالا على همجية السلطان ووزيره في التعامل مع مال السلطنة، ومع المحكومين؛ إذ يحلان مشكلتهما الاقتصادية، التي تسببا فيها، من خلال الشعب وجيب الشعب فقط! وفي تجربة(زين العابدين والفرزدق) مخالفة للتاريخ حيث ادعي أن الفرزدق جاهد بالكلمة في سبيل الحق!
والجدية والتراجيديا مهيمنة على معظم التجارب باستثناء تجربة (الجاحظ وصورة الشيطان) التي تعد من الكوميديا السوداء، والتي فيها مخالفة للتاريخ في ذكر أن سبب جحوظ عين الجاحظ بسبب كثرة القراءة والكتابة،(ص166) وهذا من خيال الكاتبة وليس موجودًا في تاريخ الجاحظ وسيرته؛ فالواقع أن جحوظ عينه أمر خلْقي وراثي، ولذا لقب بالحدقي لنتوء واضح في حدقتيه، كما سُجِّل في كتب التراجم والسير. كما أن جملة (تعويذة تقيني من الحسد) (ص169) أيضًا غير تاريخية ولا منطقية؛ فليس معهودًا أن رسم صورة شيطان على خاتم تقي من الحسد! وكان أمام الكاتبة من حياة الجاحظ كثير من الحكايات الطريفة والظريفة غير هذه الحكاية السلبية!
وهذه التجربة أنموذج دال للإبداع النسوي؛ فالنسوية في هذه التجربة حاضرة في مبدعتها، وفي بعض التجارب التي فيها المرأة بطلة شخصية محورية فيها، منذ العنوان، مثل(نفيسة العلم) التي فيها السيدة نفيسة رضي الله عنها، وزينب بنت يحيى المتوج ابنة أخيها، وجوهرة خادمتها، وبائعة الصوف أم البنات، والفتيات الأربع “بنات البائعة”. وفي تجربة (ذات النطاقين) تأتي شخصية السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، شخصية رئيسة في كل مشاهدها الأربعة، وكذا في تجربة (بائعة اللبن)، حيث الحوار المسير للأحداث بينها وبين أمها.وفي تجربة (سعدى والخليفة الأموي) تأتي سعدى شخصية وسيطة مثالاً للزوجة الأصيلة النبيلة الوفية الثابتة الصامدة، وفي تجربة(العجوز والتاج الذهبي) تأتي الشخصية النسائية هامشية، وكل هذه شخوص نسائية إيجابية، أما في تجربة (الجاحظ وصورة الشيطان) فتأتي الشخصية النسائية ماكرة ساخرة!
وإن هذه التجارب كتبت من قبل كاتبة خبيرة بصناعة الدراما التليفزيونية، ومن ثم فهي مهيأة لأن تتحول إلى أعمال درامية إذاعية أو تلفازية.وفيها تحبيب في التراث والتاريخ، وإشاعة المتعة النفسية والعقلية، وإثارة الانتباه، والتثقيف، وبعث الحركة والحيوية في التراث، وهي متنوعة تناسب جمهورًا متنوع الثقافة بين العامة، والمتعلمين تعلمًا وسطًا، والنخبة من المثقفين..

Related posts