الزراعة والأمن القومي.. عندما تتحول سنبلة القمح إلى قضية سيادة وطن

بقلم: الإعلامية د. نرمين جمعة

في زمن تتسارع فيه المتغيرات الدولية، وتتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، لم يعد الحديث عن الزراعة يقتصر على زيادة الإنتاج أو تحقيق عائد اقتصادي، بل أصبح الحديث عن الأمن القومي المصري بكل ما يحمله من أبعاد استراتيجية وتنموية.

ومن هذا المنطلق، نظم مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية والبحوث الإنسانية ندوة علمية مهمة بعنوان “الزراعة والأمن القومي… رؤية استراتيجية نحو الاكتفاء الذاتي”، جاءت لتؤكد أن الدولة التي تمتلك غذاءها تمتلك قرارها، وأن الأمن الغذائي أصبح أحد أهم أعمدة الأمن القومي في العصر الحديث.

وافتتح الندوة اللواء أ.ح/ حمدي لبيب، رئيس مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية والبحوث الإنسانية، مؤكدًا أن القضايا المرتبطة بالأمن الغذائي والمشروعات القومية الزراعية لم تعد ملفات قطاعية، وإنما أصبحت جزءًا أصيلًا من منظومة حماية الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، مشددًا على أهمية استمرار الحوار العلمي والفكري حول هذه الملفات الاستراتيجية.

وجاءت ورقة العمل التي قدمها الأستاذ الدكتور علي محمد إبراهيم، أستاذ مركز البحوث الزراعية، لتقدم رؤية علمية متكاملة حول دور المشروعات الزراعية في دعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية الاجتماعية، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي، مستعرضًا بالأرقام والحقائق حجم إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، ودوره في توفير فرص العمل، ودعم الصناعات الوطنية، وتعزيز الصادرات الزراعية، وتوفير العملة الأجنبية.

كما تناولت الورقة التحديات التي فرضتها الأزمات العالمية، بدءًا من اضطرابات سلاسل الإمداد، مرورًا بالتغيرات المناخية، ووصولًا إلى الأزمات الجيوسياسية، وهي جميعها عوامل أكدت أن الأمن الغذائي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة استراتيجية تسعى إليها الدول للحفاظ على استقلال قرارها الوطني.

وفي تعقيبه، قدم الأستاذ الدكتور السيد مصطفى قاعود، أستاذ كلية الزراعة بجامعة قناة السويس وعضو الهيئة الاستشارية العليا لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، رؤية تحليلية عميقة، أكد فيها أن تحقيق الاكتفاء الذاتي لا يرتبط فقط بزيادة الرقعة الزراعية، وإنما ببناء منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي، والتكنولوجيا الزراعية، والإدارة الرشيدة للموارد، والتصنيع الزراعي، بما يعظم القيمة المضافة للمنتج المصري ويزيد من قدرته التنافسية.

كما شهدت المنصة كلمة مهمة ألقاها اللواء الدكتور/ عادل مصطفى، أكد خلالها أن بناء الدولة الحديثة لا يقوم فقط على امتلاك أدوات القوة التقليدية، وإنما يعتمد كذلك على تعظيم قدراتها الإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي، باعتباره أحد أهم مقومات الاستقرار الوطني، مشيرًا إلى أن المشروعات الزراعية الكبرى تمثل استثمارًا طويل الأجل في مستقبل الوطن والأجيال القادمة.

ولعل الرسالة الأبرز التي خرجت بها الندوة أن المشروعات الزراعية القومية لم تعد مجرد مشروعات إنتاجية، بل أصبحت استثمارًا مباشرًا في الأمن القومي، حيث تسهم في توفير الغذاء، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وخلق فرص العمل، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق أهداف رؤية مصر 2030.

لقد نجح مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية والبحوث الإنسانية في تقديم نموذج للحوار الوطني المسؤول، الذي يجمع بين الخبرة العلمية والرؤية الاستراتيجية، ويضع أمام الرأي العام قضايا تمس حاضر الدولة ومستقبلها، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من لغة العلم والأرقام.

فالزراعة اليوم ليست مجرد قطاع اقتصادي… بل خط دفاع أول عن الدولة.

وعندما تستثمر مصر في الأرض، فإنها لا تنتج الغذاء فقط، بل ترسخ سيادتها، وتعزز أمنها القومي، وتبني مستقبلًا أكثر قدرة على مواجهة تحديات الغد

Related posts