الطريق إلى
وكسة 25 يناير 2011 … (2) ج5
بقلم /أيمن بحر
صعد الإسلاميون في تركيا دون أي مشكلات أو أزمات أو تغيير مفاجئ، سواء على صعيد الأوضاع الداخلية أو الخارجية، خاصة تلك التي تتعلق بموازين العلاقات الدولية والإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، فجاء تقلد حزب العدالة والتنمية الإسلامى لسدة الحكم حلًّا لحالة الفوضى السياسية التي أفرزها انهيار الأحزاب العلمانية التقليدية، وضعف ثقة المواطن التركى وأمله فيها، وكان الإسلاميون بمثابة ضمانة لاستقرار الأوضاع في تركيا، البلد الإستراتيجي بالغ الأهمية للولايات المتحدة، خاصة أن وصولهم للسلطة بث الثقة، وحال دون انهيار اقتصادى كان منتظرًا، (لديهم أهم وأكبر تجمع لرجال الأعمال «الموصياد»)، كما ساعد على تقليم أظافر العسكريين، وعلى عكس القوميين وجنرالات الجيش، كان المطلب الرئيسى على أجندة الإسلاميين قيادة بلدهم للحاق بقطار الاتحاد الأوربي الذي أبت أمريكا إلا أن تحجز لتركيا مقعدًا فيه (نفذ الإسلاميون كل الشروط والمطالب الأوروبية حتى لو تعارضت مع الشريعة الإسلامية: إلغاء عقوبة الإعدام على سبيل المثال).
ولم يختلف الحال كثيرًا في المغرب التي سار فيها الحزب الإسلامى «العدالة والتنمية أيضًا»! على نفس المنوال، وبدا في موقعه من صفوف المعارضة أنه ليست لديه أي مشكلة بنيوية تجاه الغرب والأمريكان بصفة خاصة، ولم يتردد في التواصل مع المؤسسات الأمريكية المختلفة، وعلى رأسها سفيرها في الرباط الذي لا يرى الحزب حرجًا في استقباله ولقائه علنًا.
وإذا أضفنا لهذين النموذجين الإسلاميين المقبولين -في السلطة والمعارضة- نموذج الحزب الإسلامى العراقى الذي كان الحركة السنية الوحيدة التي قبلت بالمشاركة في مجلس الحكم الانتقالى الذي أسسه ورأسه بول بريمر ممثلًا عن سلطة الاحتلال الأمريكى، أمكن لنا أن نؤكد وجود مبررات قوية لأمريكا تدفعها لتغيير موقفها من الإسلاميين، بما يسمح لأن تجيب عن السؤال: هل تقبل أو تسمح بوصول الإسلاميين إلى السلطة في مصر والعالم العربى؟ لتقول: ولم لا؟
إن مأزق الأنظمة العربية أنها فقدت أهميتها لدى الأمريكان، ولم تعد فزاعة الإسلاميين التي كانت ترفعها ذات أهمية، ولم يعد هناك جدوى من تخويف الأمريكان بالنموذج الجزائرى أو من شرور الإسلاميين الذين ربما صاروا الحل الأمثل والرهان الذي يوشك أن يلعب عليه الأمريكان في المنطقة، وهو ما يمكن أن يبينه أي متابع لتقارير جهات بحثية مؤثرة في رؤية الإدارة الأمريكية، مثل مؤسسة «راند» أو «كريسس جروب»، فهى تكاد تشير صراحة إلى أهمية النظر بعين الاعتبار إلى مشاركة الإسلاميين في اللعبة السياسية.
وإذا كانت العقبة في ذلك هي موقف الإسلاميين من إسرائيل، فإننا هنا نميز بين موقفين للإسلاميين: الأول خاص بالحركات الإسلامية في البلاد البعيدة نسبيًا عن المشكلة مثل تركيا والمغرب، وسنلاحظ أن إسلاميى هذه البلاد ليست لديهم حساسية كبيرة تجاه المشكلة الإسرائيلية بما يضر بالسياسات الأمريكية أو يهددها، فهى لم تبنِ شعبيتها في الشارع السياسي على العداء لإسرائيل ولم تربط مشروعها -يومًا ما- بالقضاء على إسرائيل، وأقصى ما كانت تفعله هو التجاوب مع مشاعر الشارع السياسي والتعبير عنها.
ويمكن فهم هذا في ضوء الموقف الذي وقفته حكومة الإسلاميين الأتراك من إسرائيل، باستدعاء رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان للسفير التركى في «تل أبيب»، احتجاجًا على تصعيد إسرائيل لعمليات تصفية ناشطى الانتفاضة. برجماتية الإسلاميين الأتراك لم تتركنا طويلًا للتعجب، فقد وضح بما لا يدع مجالا للشك أن الموقف التركى ما هو إلا ورقة لم تكلفهم شيئًا في مقابل فوز مرشحهم، أكمل الدين إحسان أوغلو، بمنصب رئيس منظمة المؤتمر الإسلامى، فقد اكتسح الرجل انتخابات المنظمة التي أجريت بعد استدعاء أردوغان للسفير الإسرائيلى بيومين فقط، وهو ما تكرر لاحقًا في رسالة الرئيس المعزول مرسي في خطابه لشيمون بيريز «عزيزى وصديقى العظيم»، فما هي إلا مجرد عناوين تختبئ خلفها أقنعة زائفة .
أما الثانى، فهو موقف الإسلاميين في مصر وليبيا وغيرهما، فهو موقف يعتمد على إظهار العداء مع ممارسة عكس ذلك، من أجل الحصول على دعم شعبى واتخاذ صورة المدافع والمناضل عن حقوق الشعوب، من أجل اكتساب قاعدة جماهيرية، وفى سبيل الوصول للحكم، وهى ورقة يعرف الأمريكان جيدًا، كيف يلعبون بها.