عبد الملك بن مروان وحركة تعريب النقود
تابعت .. سحر محمود
-ما الذي دفع عبد الملك بن مروان أن يُجازف ويتخذ خُطوة تعريب النقود برغم من قوة الدولة البيزنطية الضاربة في تلك الفترة وبرغم من أن دولة عبد الملك بن مروان كانت تمر بفترة أضطرابات وثورات وخروج عليه من قّبل البعض الذين أعتقدوا أنهم أحق منه بالولاية؟
-الواقع أن عبد الملك كان من أقوي وأذكي حُكام الدولة الأموية بل أن بعض المؤرخيين جعلوا منه المؤسس الحقيقي للدولة الأموية ويرجّعون إليه فضل أستمرارية الأمويين بالأضافة إلي يده العسكرية الباطشة المُتمثلة في الحجاج بن يوسف الثقفي الذي يدين له بني أمية بالكثير والكثير فهو الذي ثبت دعائم الدولة وقضي علي الكثير من الفتن والثورات الداخلية..
-ولكن الظروف السياسية والأقتصادية حين ذاك حتمت بشكل قوي ضرورة الأتجاه لتعريب النقود للتملص من التبعية الأقتصادية والسياسية للخصم القوي العنيد للمسلمين حين ذاك المتمثل في الدولة البيزنطية ، ووجب الذكر والتنويه ها هنا أن العرب قبل الإسلام كانوا يتعاملون أما بالدراهم الفضية الساسانية التي يضربها الفرس أو بالدنانير الذهبية التي يضربها الروم ولأن الشئ بالشئ يُذكر وجب التنويه أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد تعامل بتلك النقود ولا يُخفي ذلك علي أحد فقد كان سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم تاجر وله أسفاره العديدة بغرض التجارة كما أنه كان في فترة من حياته يتولي شئون تجارة السيدة خديجة رضي الله عنها فلا يُمكن لتاجر في تلك الفترة أن يبيع ويشتري ويتم معاملاته إلا عن طريق تلك النقود (حيث أنها عُملة عالمية في تلك الفترة)
– الأهم الآن أننا نعلم علم اليقين كم هي قوية قبضة من تنتشر عُملته والسكة الخاصة به في أكثر من مكان وما يلي ذلك من تبعية أقتصادية ثم سياسية بعد ذلك ، لذا رأي عبد الملك أن يتخذ تلك الخطوة الخطرة التي يعلم علم اليقين أنها ستكون ضربة قاسمة للبيزنطيين..
فقام بأستدعاء خالد بن يزيد بن معاوية وكان رجل ذو رأي صائب وعلم واسع وأستشاره في الأمر فأجابه برأيه القاطع : حرم دنانيرهم وأضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالي ، فأتخذ عبد الملك قراره وقام بتعريب السكة..
-ولأن لا شئ يحدث فجأة دون أسباب فأنني بعين الخيال اقرأ السؤال الذي يدور في سماء عقلك الآن ماهي الأسباب الرئيسية التي أشعلت شرارة الأمر من البداية وفتحت الطريق لذلك أمام عبد الملك..
ركز معي في السطور التالية لتعرف..
-كان من ضمن أبرز الأسباب القوية لتعريب السكة تهديد الأمبراطور البيزنطي جستنيان الثاني بضرب سكة عليها كتابات تُسئ لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وذلك بسبب أن مصر كانت تُصدر ورق البردي لبيزنطة وكان المعتاد في ذلك أن يتم كتابة عبارة التثليث( الأب والأبن والروح القدس) باللغة اليونانية أعلي أوراق البردي الخارجة من مصر لبيزنطة..
– ولكن عندما علم عبد الملك بـ الأمر أمر أن تُستبدل تلك العبارة بـ ( شهد الله ان لا اله إلا هو و الملأئكة و
أولوا العلم قائمًا بالقسط )
– ووصل ذلك الخبر لأمبراطور الروم جستنيان و أستشاط غضباً وأمر بأن يُعاد الأمر لما كان عليه وإلا سينفذ تهديده السابق ذكره بسك نقود عليها عبارات تُسيئ للنبي عليه الصلاة والسلام..
-أما الأمر الأخر الذي دفع عبد الملك للتعريب هو الخروج من تحت سيطرة الدولة البيزنطية ولذلك قصة صغيرة للغاية أسردها لكم في السطور الباقية..
كانت العلاقة بين جستنيان وعبد الملك متوترة للغاية وهلي المحك كما يقولون ، فقام أمبراطور الروم بتوظيف مجموعة من
الجنود أسمهم الجراجمة وهى قبائل تقع على حدود الدولة
الأسلامية و تُغّير عليها من أجل أشغال عبد الملك عن عمل أي أصلاحات
داخلية
ولكي يتقي عبد الملك شر جستنيان ويكسب بعض الوقن ينظم فيه شئون دولته من الداخل ، فقد بعث عبد الملك للأمبراطور يهادنه على أن يقوم
الأمبراطور بالسيطرة على الجراجمة مقابل 1000 دينار يومياً !
بما يعادل 365000 دينار سنوياً..
– وقبل عبد الملك الشروط علي مضض لأنه لم يكن يملك من الأمر شيئاً وذلك حتى يتفرغ للأصلاح الداخلي و التخلص من
المنازعون له علي لحكم (سأذكر قصة ذلك بعد قليل)
وكانت تلك الأحداث فى نهاية عام 72 و بداية عام 73 هـ..
-فما أن تمكّن عبد الملك من فرض سيطرته داخلياً وأستتب له الأمر رأي أن وقت نقض الهدنة قد حان فأمتنع عن الدفع للأمبراطور ومن هنا دارت رُحي الحرب الضروس بين الطرفين والتي أنتهت بأنتصار المسلمين ، ولكن هل تعتقد أن الخيط ينتهي هُنا ؟! بالتأكيد لا !
حيث أن عبد الملك كان له أسبابه القوية لضرب سكة يستمد منها شرعيته ويُثبت بها أركان دولته فكما ذكرت كان هُناك صراعات داخلية علي الحكم ومن أحق من الأخر بالخلافة ، ومن أهم أسباب ودوافع عبد الملك السياسية الداخلية أعادة حق أصدار السكة الرسمية إليه حيث قام كل من
( عبد الله بن الزبير وساعده في ذلك مصعب بن الزبير قاموا بأعلان الخلافة في مكة والمدينة ودانت لهم بلاد الحجاز وتم سك نقود بأسماءهم علي الطراز الساساني وقد فعل قطري بن الفجاءة نفس الأمر ،
فقام عبد الملك بسّك
شكل جديد للدراهم و الدنانير فقام الناس بالتعامل بالعملة الجديدة التي ضربها وأقبلوا عليها خاصة أنها كانت ذات وزن ومعيار أفضل من غيرها ، ثم نأتي أيضاً للأسباب الأقتصادية
وهي خضوع الأقتصاد الأسلامي لسطوه وسيطره السكة الأجنبية
وعدم الثبات في اسعار السلع مما ترتب
عليه عدم استقرار قيمة النقد ، كما كانت هناك الدوافع القومية اختفاء الطابع العربي على الدولة الأسلامية بكافة ميادينها حيث كان المسيطر علي الدواوين في مصر هم القبط واللغة القبطية وفي العراق الفرس واللغة الفارسية لذا فقد صاحب عملية الأصلاح النقدي تعريب كافة
الدواوين الرسمية للدولة في مصر
و الشام و فارس حيث خطط عبد الملك أن تكون اللغة العربية
هي اللغة الرسمية و الرئيسية في كافة الأمور الرسمية للدولة و
استكمال لتلك السياسة كان لبد من تعريب العملة و تخليصها
من أي سيطرة كانت داخلية أو خارجية..
– في النهاية يجب توضيح أن النقود كان يتم وزنها عن طريق قطع تتخذ نفس هيئة النقود وذلك للتأكد من عدم الغش والتلاعب وكانت تُسمي (الصنج الزجاجية)