هبنقة والمتنبيجـ الجزء الثاني

 

 

هبنقة والمتنبي الجزء الثاني
تابعة / إيمان الحملي
بقلم الناقد الأدبى الدكتور / رمضان الحضرى

بعدما نشرت الجزء الأول من هذا المقال ، تفضل الأستاذ سامح الصفار والأستاذ الدكتور / أحمد عبد الرحمن بتصحيح ما أخطأت فيه ، وكانا يصران على التصحيح مني دون أن يعلم أحد بالخطأ ، فطلبت منهما أن يصححا الخطأ على الملأ ، ليعرف القراء جميعا أن العصمة للأنبياء والرسل ، وكل ابن آدم خطاء .
فقد قضيت جل عمري بين مجالس العلماء ، فما وجدتُ عالما يستحي من خطأ أو سهو ، لكنهم جميعا كانوا يعلنون عن أخطائهم ، ويرتدون للصواب بكل يسر ، وكان بودي لو تسنح الفرصة لأعدد تجاربي مع أعظم علماء العصر ، لكني أرى أن هناك الأهم من هذه التجارب ، فلم أعرف واحدا منهم كان يحاول أن ينتصر لرأيه أبدا ، بل قال لي أحدهم وقد تعلم على يد عميد الأدب العربي / طه حسين : ( أنا أثق في كل مفكر ومثقف في الدنيا ، ولكني لا أثق في علومي التي تعلمتها وأتقنتها ، وأظن أنني تعلمت من جميع الذين قابلتهم ، وأشك أنني لي فضل على واحد قمت بتعليمه ) ، وكان رحمه الله يمتدح كل الناس إلا نفسه ، وإذا روى تجربة له يرويها ليثبت فضل غيره عليه ، ولا يثبت صفة حميدة لنفسه أبدا ، ولا لعائلته أو أقاربه أو أصحابه ، ويمدح طلابه دوما ، ويرفع قدرهم ، رحم الله العلامة عبد المنعم تليمة ، تعلمت منه كيف يكون العقل حرا دون مؤثرات خارجية عليه ، وأن أغلى ما أعطى الله للإنسان هو العقل ، فهو القوة الحقيقية التي تعطي للفرد تميزا واستقلالية ، بعبارة أكثر وضوحا ( العقل هو المنطقة الرئيسة للنقد الأدبي ) ، فوحده الذي يظهر الفروق بين الجميل الأصيل وبين المشين القبيح ، وبين العدل والظلم ، وبين الحقيقة والإدعاء ، والغريب أن العقل لم يكن مكرما في أمة من الأمم كما كان مكرما في أمة العرب ، وسيعجب القاريء كثيرا حينما يعلم أن فلسفة أبي يوسف الكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم كانت المحرر العقلي لكل دول أوربا منذ القرن الثالث عشر الميلادي ، فقد عرف الأوربيون أثناء الحملات الصليبية قيمة العقل بعد ترجمة مؤلفات هؤلاء الفلاسفة للغات اللاتينية ، وبناء على الفكر العربي الإسلامي تم فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية في جميع دول أوربا ، فقد ظل الفكر الأوربي يضع العقل في المرتبة الثانية بعد رأي الكنيسة حتى جاء الفيلسوف ( أوكام ) في النصف الأول من القرن الرابع عشر وأعلن عن تفجير الصراعات بين الملكية الأوربية والكهنوتية ، فتم الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية .
الغريب أن الدول الأوربية تقدمت من خلال الفلسفة العربية والنقد العربي ، وعادت الدول العربية تهمل النقد والفلسفة .
والنقد يمثل في رؤيتي قمة الفهم والمعرفة والاستيعاب فهذه أهم الأدوات عندي ، فالناقد يكشف ما في النص من رموز ودلالات وإشارات وغموض وغيرها ، والسخيف فعلا أن بعض من يسمون أنفسهم كتابا ( للشعر والسرد والنثر ) ، يحسبون أن كلامهم جد مهم ، فليس من يثبت ذاته عند نفسه كمن يثبت ذاته في المجتمع ، وإثبات الذات في المجتمع ليس بالإتيان بالجديد كما يظن كثيرون ممن يتعاطون الأدب ، بل إن إثبات الذات في المجتمع بدفع حركة المجتمع تجاه التقدم الحقيقي الذي يجلب الرفاهية والسعادة للأفراد ،
فالنقد الأدبي قيمة أخلاقية وإن كانت أداته اللغة ، لأن النقد هو انتصار للوعي بإثراء الحالة الإبداعية وإدخالها في دائرة الضوء ، وهذا ما يجعل النقد خطابا جماليا جديدا يضاهي الخطاب الإبداعي الذي يتخذه النقد مصدرا لإبانة جوانب الأهمية في النص .
والنقد مبني على الحرية في الاختيار ، والحرية هنا تعني الوعي الكامل بالمنقود ، وبما يقدمه في المجتمع ، فلازال نقد طه حسين يقدم أنهارا جديدة في الفكر الإنساني ، ولا تزال أشعار شوقي تقدم الدليل والحكمة للمجتمع العربي ، ولم يفقد شعر المتنبي رونقه وفلسفته حتى بعد مرور كل هذه القرون عليه ، ولازال محمود حسن إسماعيل ونزار قباني ويوسف إدريس يؤثرون في المجتمع تأثيرات إيجابية ، ولا زالت موسيقى عبد الوهاب والسنباطي وأغاني أم كلثوم وتشخيص الريحاني والمليجي والدقن وإسماعيل ياسين وغيرهم تؤثر في المجتمع تأثيرات إيجابية مهمة ، ليست لأنها الأقدم ، بل لأنها الأهم والأكثر وعيا بالمجتمع ، والأسمى إبداعا وارتباطا بالمجتمع .
ومن هذا المنطلق أسير على شط الإبداع مع نصين هما :
نص الشاعر علي عمران
**********
إنِّي خَلَقْتُكِ مِنْ رِمَالِ تَخيُّلي
فدَعي الشَّوَاطِئَ للظَّلامِ، وأقْبِلي
هَاتي شِفاهَكِ قرِّبيهَا مِنْ فمي
وتعلَّقي بالمَاسَتينِ، وقَبِّلي
خمَّارةُ الأحلامِ تفتَحُ بابَهَا
لِحَمامةٍ زُفَّتْ لِأعذَبِ بُلبُلِ
ومَحَارةُ الشُّطآنِ تحمِلُ لُؤْلُؤًا
سَمْحًا كوجهِ اللهِ في قلبِ الوَلي
وضَفائرًا فوقَ التُّرابِ رسَمْتُها
وتركتُ للأيَّامِ فِتنةَ أنْمُلي
فتأوَّهَ النَّايُ المُسَافِرُ وارتَمَى
في حِضْنِ ثَغْرٍ حارِقٍ كالفُلْفُلِ
إنّي خلَقْتُكِ منْ تُرابِ قصائدي
حسْناءَ ترفُلُ في عبيرِ تَغزُّلي
ونَفَخْتُ في سِرِّ الأُنوثةِ فاسْتوى
جسْمٌ مِنَ التُّفَّاحِ يزهو بالحُلِي
وجَلبْتُ للعينينِ كُحلًا سَرمَدًا
وصَبَبتُ في الخدّينِ عِطرَ قَرَنْفُلي
وحَلَبتُ للنّهْدينِ ضَرعَ سَحابةٍ
كانتْ جِوَارَ اللهِ لمْ تَتَنزَّلِ
فَدَعي الرِّدَاءَ وأقْبِلي تُفَّاحَةً
حمْرَاءَ فوقَ سَتائرِ الليلِ الخَلي
لنُعيدَ للبُرجِ الحزينِ حمَامَهُ
ونرُدَّ للصَّحراءِ ماءَ الجدولِ

*********
هذا نص عبارة عن معرض كبير للفنون التصويرية ، فلا يخلو بيت من صورة ، بل قد يحتوي البيت على أكثر من صورة ، ولم تأت صورة متكلفة أو مولدة من صور سابقة ، فلم يسطُ الشاعر على الديوان العربي القديم كما يفعل البعض مع شعر أبي تمام والمتنبي والبحتري ونزار قباني ، فجاءت الصور جميعها بكرا في قصيدة الجلوة ، وكأن الشاعر كان يكتب قصيدته في بستان فاكهة رائعة يقع على شاطيء نهر ، وحوله العنادل والبلابل والحمام ، فموسيقى النص عجيبة ومعزوفة بدون آلات عزف ، فجاءت الكلمات راقصة بلام مكسورة ، واللام من الحروف المتوسطة ، فليس بالجهور ولا المهموس ، لكنه وسط ، وليس بالصلب ولا الرخو ، بل وسط ، واللام المكسورة تخرج من نهاية طرفي اللسان منطبقا مع اللثة فتحدث في النفس هدوءا وانسجاما كاملين ، بل هناك راحة في النفس تأتي من الراحة في النطق ، حيث إن مخرج الحرف ليس مغلقا كحروف القلقلة ، ولكنه مخرج مفتوح يحدث طمأنينة في النفس ينتج من سهولة النطق .
أما النص الثاني فهو للشاعر عبد العزيز جويدة ، وكنت قد اخترت نصا سابقا ، وحينما قرأت نصه الجديد ، رأيت أن يكون النص الجديد هو وطن النقد عندي ، فهكذا الشعراء العظماء ، كلما قدم نصا جديدا أمكنه أن يستهلك طاقتك النقدية لتترك القديم وتعيش في النص الجديد ، يقول عبد العزيز جويدة : _
فتـــــــــوى
*********
قالتْ
أنا مِن فرطِ ما بي من وجعْ
واللهِ أحيا في هواكَ مُتيَّمَةْ
فأجبتُها
واللهِ حالُكِ نفسُ حالي
إن المواجعَ في الهوى
بينَ القلوبِ مُقسَّمَةْ
نِصفانِ نحنُ إذا عشِقْنا
النصفُ مَقتولٌ ونِصفٌ قاتلٌ
يتبادلانِ الموتَ عِشقًا
في بُروجٍ مُحكَمَةْ
فالعشقُ زلزالٌ ويَضربُ عُمقَنا
لا رحمةٌ في الحبِّ يومًا
ليسَ فيهِ مُساوَمةْ
قاوِمْ كما تَبغِي ستسقُطُ راكعًا
إن الجبابرةَ الأكاسرةَ الأولَى
سقطوا أمامَ الحُبِّ
دونَ مُقاومةْ
يا لَوحةَ الشرفِ التي
قد طرَّزَتْها بالحنينِ جُروحُنا
مِنَّا الجِراحُ
ومنكمو
وقعُ السهامِ المؤلِمَةْ
إن الذي بالحبِّ ألهَمَنا الحنينَ لأجلِكمْ
لهو الذي خلقَ الحنينَ وألهَمَهْ
إن كنتَ في حبٍّ وحظُّكَ عاثِرٌ
أو كانَ حظُّكَ في الحياةِ “مُسيلمَةْ”
لا تَبتَئِسْ
واشدُدْ رِحالَكَ في الهوى مُتوكِّلاً
فهُناكَ “طلحةُ” و”الزُّبَيرُ” و “عِكرِمَةْ”
فالحبُّ نورُ اللهِ في كلِّ المِلَلْ
الكافِرَةْ
والمُسلِمَةْ
الحبُّ رزقٌ في السما
فارفعْ أَكُفَّكَ للسما
وارفعْ لربِّ العالمينَ المَظلَمَةْ
قَتلَى وجَرحَى كلَّ يومٍ بينَنا
نالوا هنا شرفَ الجراحِ
وحالُهُمْ
إن الجراحَ من الأحِبَّةِ أوسِمَةْ
قالتْ
نُباهي بالجراحِ ونَفتخِرْ ؟
فأجبتُها
إن التباهي بالجراحِ لَمَكرُمَةْ
قالتْ
أتذكرُ مرَّةً أن قلتَ لي
إن النفوسَ على النفوسِ مُحرَّمةْ؟
فأجبتُها
إلا الشعائرَ في الهوى
تلكَ الشعائرُ في القلوبِ مُعظَّمَةْ
قالتْ
حلالٌ قتلُنا؟
فأجبتُ
مَن في الحبِّ يٌقتَلُ أوقَتَلْ
لهُ جنتانِ مِن النعيمِ
ومَرحَمَةْ
************
وهذا نص يجمع أعمدة الحياة الثلاثة ( الدين والثقافة والعلم ) ، ويجمع أزمنة الفعل العربي بشكل جديد يتعامل مع الحدث التصويري ، ولذا فإن الجزء الثالث من هذه المقالة غدا بأمر الله سوف يتناول هذا النص كشكل جديد في التقنيات الفنية .

Related posts