” هبل ” / رواية

بقلم : فوزي الديماسي
منشورات دار القلم 2015

متابعة سامية بن راشد

الاهداء : إلى كلّ من علمني حرفا

نافذة :

النصّ يبدأ نقطة ضوء ويكبر، فيكبر معه الأمل، وأنا مع نصي هذا أجدني كمن ستضع مولودها غير مستقر، أضطرب بين السكينة والصخب، أراوح مكاني بين الخوف والرجاء، فليغفر لي الأصدقاء زلة القلم …. تصدير قيثارتي خلعت أناملي ، ونامت تحت شجرة أوتارها سوداء ، وافترشت أنغام الفجر القحط ، وماتت ، وغاب في سماء شاحبة رضيع ، والأرض الفاجرة تحتضن عمامة ملطّخة بالليل ، وأخرى تسبّح باسم الصباح أملا ، والإله على عرشه تقلّبه أهواء القبائل …

الفصل الأول

ينخر السؤال قيعان الروح ، وتضرم فتنة القول ألسنة الحيرة ، دم البلاد يرتق بيد مرتعشة جماجمه ، والدرب على عادته مكتنز السقطات، رجل متأبّط همّه يمشي على شوك السؤال ،أطفال البلد يداعبون “خبزهم الحافي”، وأحلامهم العارية تلاعب حبّات حلم ثخين ، شيوخ يضاجعون أرذل اللحظات ، صبايا الحيّ وشبابه في غفلة من المخالب يرسمون على جدار الأمنيات صورا للدم والنخيل . يرتدي الرّجل المكلوم أفكاره الصاخبة ، يسير والحائط بحثا عن مقهى يواري رؤاه، سار بين جبال المزابل المتثائبة ، والقطط المتسكّعة ، مشى كئيب الخطوات زمنا لم يقدّره بين الأزقّة والشوارع العارية إلا من بقايا حجارة ،ونيران متقوقعة على خيباتها . وفجأة لاح له ضوء مقهى في آخر الشارع ، هرول نحوه . دخله محمّلا بحزمة من الأوراق والأقلام ، فأفكاره الحبلى شدّها المخاض إلى جذع المداد لتوّها ، توجّه نحو طاولة تلوك وحدتها. المقهى غارق في صمته ، وضوء رقيق يداعب الأبصار، ويبعث في القلوب مشاعر شتّى، رذاذ يغازل بلوّر المقهى المطلّ على البحر الغاضب ،جماجم مبثوثة في الفضاء تدخّن سجائرها والوقت ، وعيون على حافة الشهوة تلتهم بشراهة أجسادا تفنّنت في إبراز مواطن الفتنة والشهوة . جلس إلى الطاولة قرب نافذة مطلّة على الضباب، وأشعل لفافة ليبثّها هموم يومه ، ويسرّ لها بأسئلته التافه منها والحارق، وفجأة توجّه بصره وفي غفلة منه نحو رياض الحبّ الممنوع ليتابع مأدبة الذئاب الناهشة واللحم المنفوش على ضفّة الشّبق داخل الفضاء ، اقتحمته في تلك اللحظة مشاعر شتّى، واشتعلت فيه أسئلة معربدة . حاول جاهدا أن يبعث بيمناه في رماد الحلم لترمّم بوهج اللغات انحدار عقله نحو سحيق الدركات، ولتنفخ من روحها في رميم قوافله . امتدّت هواجسه كرؤوس الأفاعي ، وأينعت ثمار الفتنة الراكدة في الخطاب على حزمة أوراقه ، وتقلّبت الكلمات في الظلمة يمنة ويسرة بحثا عن نقطة ضوء في قول يزفّ للكلمات بهجتها، ويعبّد للشمس طريقها الملكي لنهر رؤاه. وقف بباب اللغة باسطا يد السؤال ، وتحسّس درب الشمس بين ثنايا المداد ، فارتدّت منه اليد إلى قيعان الألم ، واشتدّ في وجدانه زئير القحط ، فجلس لسانه القرفصاء في مهبّ السفح ، وشربت لغته ملء الغياب نخوتها المهزوزة … ورغم عواصف حيرته رفع قلمه للكتابة ، وأطلق لذاته العنان لتمخر عباب شجونه ، فطعم الحلم في قهوته كمذاق نقطة ضوء في الليل البهيم ، وحروفه على إجهادها تحاول السير على درب الأوراق لتهيّئ المرافئ للعاشقين ، لعلّ طارق الفجر يشرق ، فتتفتّح الكهوف ، وتتزيّا الدياجير بالعطر واللغات. امتدّت أوراقه دربا أمام عينيه المثقلتين ، وتطاولت أسئلته في البنيان، وحرّكت آلامه مشاعر دفينة ، وهموم الأيام تطلّ من حين إلى آخر من كوّة قلقه … مشى بين أكوام الحروف المتناثرة هنا وهناك بلا هدف ، تبدو السماء بلا طعم هذا اليوم كبائعات الهوى داخل المقهى ، لا شيء يدفع به نحو تخوم التفاؤل ، وأحلامه كأمواج الشتاء المحطّمة على صخرة الضياع ، انطلق قلمه في التحبير : *** كانت متسمّرة وراء ضباب بلوّر نافذتها ، تتابع أمواجا من الرؤوس . أصوات متعالية من الشارع تمزّق صمت الغرفة الغارقة في الذهول . بقيت على تلك الحالة حتى نال منها التعب ، تعبت قدماها ، ولم تتعب الحناجر المتدافعة . تململت هواجسها ، ثمّ تحرّكت نحو باب الغرفة . احتلّت الأجساد الغاضبة تفاصيل الشارع ومفاصله منذ الصباح الباكر . ورائحة الدم منبعثة من أعمدة الجرائد الملقاة على طاولتها قرب السرير ، صوت المذيع منبعث من الراديو يتابع عربدة الرصاص في الأزقّة .اقتحم الاضطراب عقل الواقفة . دفع بها موج الخوف الهادر نحو شاطئ صخريّ ، فتكسّرت حبّات سكينتها على صخرة كانت تقف بشموخ وسط اللوحة الزيتيّة المعلقة بعناية على أحد جدران غرفتها المرتبكة . التقت عيناها بعين طفل دامعة يجلس على الصخرة وسط اللوحة ، ومن حوله عشرات الجثث ، وأرض جرداء منبسطة تحتلّ بقيّة الفضاء الغارق في رماديّة الألوان . اشرأبت أعناق الحناجر ، وهدير الشارع يسابق صوت الريح . تململ الطّفل ، ثمّ ترجّل ، غادر اللوحة ، واتّجه نحو النافدة ، كفكف بيمينه ذهول الفتاة ، وتطلّع من بلور النافدة المتثائب ، مدّ يمينه نحو الرؤوس المتزاحمة حول صنم تحاول إسقاطه من عليائه ، بعث فيهم الطفل ابتسامة ساخرة ، ثم وجّه وجهه شطر اللوحة ، وعاود سيرته الأولى . وقف الرجل الحجريّ وسط الساحة بشموخ يحدّق في الوجوه الغاضبة بكبرياء رخاميّ في عليائه ، ورقبته مطوّقة بحبل يمسك بطرفه الشباب المندفع تحت قدميه ، رائحة الغاز المسيل للدموع تعربد ، وسيارات البوليس باسطة ذراعيها متأهّبة للفتك . صياح يسابق صوت الريح ، ويرمي بحممه في وجه الرجل الحجري العنيد . استأسدت الأيادي ، واستمسك الرجل ببروده . تقدّمت نحوه آلاف الرؤوس تنادي باجتثاثه ، وتشدّ على الأيادي الجاذبة للحبل ، والرجل البرنزي بينهم لا ينبس بحرف . ارتفعت أمواج الغضب رافعة على أكفّها أغاني الرعاة ، وأناشيد الضحايا ، ودماء العاشقين ، وآيات الطوفان … هل غادر الماء منابعه هذا الصباح ؟ …أم تراه يصارع سكرات الصمت داخل كهف الغياب ؟ حتّى الأشجار والمباني المتبرّجة اكتفت بمتابعة المشهد بعين كسولة . تحرّكت سيارات البوليس ، فملأ زئيرها الرحب ، وبعثت بعصيّها ورصاصها رسلا ، فتراجعت الرؤوس خطوات إلاّ الحناجر ، والحبل معلّق في رقبة الرجل الرخاميّ . اقتلعت قدميها من وحل الذعر ، ومشت خطوات نحو خزانة الملابس ، تخيّرت لوليمة جسدها من الفساتين أجملها. لفّ الفستان ثمارها ، وأحكم إبراز أنوثة مشرعة طالما نهشتها أقبية السجون ، وأقلام العسس ، وعصيّ المخبرين . وقفت أمام المرآة ، وكأنها لم تقف أمامها من قبل تهذّب تفاصيلها ، فشدّ انتباهها تمرّد نهديها لأوّل مرة ، تجوّلت بيمناها في أزقة وجهها ، وتحسّست في جسدها كثبانا كادت تنساها لمّا تعلقت همّتها بتحريك الحناجر والسواعد والألباب مند زمن طويل بقلمها في صحيفة ” الغد المعارضة ” . لم تقف على جمال الأنثى فيها من قبل ، إذ فقدتها كما فقدت لذة قهوة الصباح وهي في طريقها إلى مقر الجريدة المدجّج بسيارات البوليس كل يوم ، وقفت بشموخ وسط الغرفة ، وابتسامة عريضة تحتلّ صفحة أنوثتها المتنمّرة ، مسكت بطرف فستانها ، راقصته بجنون ، ورتّلت على مسامع الوجود إنجيل غوايتها ، فأينعت أحلامها بعد ذبول على وقع صياح الرؤوس التي أفلحت في دحرجة الرجل البرنزيّ نحو الهاوية .توجهت نحو اللوحة النائمة على صدر الجدار مرة أخرى وكأنّها تبحث عن شيء فقدته . لقد غادر الطفل المكان ، وأقلع عن الصخرة ، واستحالت الأرض المنبسطة تحته عيونا تجري دما . تمرّد الدم المنهمر ، وجرف أسوار اللوحة ، وانطلق في عنف نحو أثاث الغرفة . التهم السكينة ، والستائر ،والسرير ، والجرائد ، لم تفقه الواقفة من أمرها شيئا ، وتملّكها ذعر زئبقيّ ، فشلّ حركتها . طلبت بعينين مضطربتين النافذة فلم تدركها ، وبحثت عن الباب فلم تجده . حاولت مصارعة الدم ، ولكن دون جدوى . إنّ غضب الدمّ كان أقوى من تمسّكها ببقايا حياة مهدّدة ، وهديره كان يضاهي هدير الأيادي الصارخة في الشارع تلك التي تصارع كبرياء الرجل البرنزيّ منذ الصباح . اختلطت الأصوات بالدماء . لم تشعر الواقفة على حافة الموت في غرفتها المغلقة بشيء ، طفت على سطح الدّم فانطلق بها نحو الشارع ، لتستقبلها من بعد ذلك الأكفّ الملوّحة بعلامات النّصر على امتداد الشارع ، وترتفع بها الحناجر إلى الأعالي نحو الرجل الواقف ببرود ، حدّقت في العيون المشتعلة ، استوت في وقفتها على الأكفّ ، وألقت بحمم عينيها على وجه الرجل البرنزيّ ، فرأت في عينه جثث الأزهار … المشانق …دموع النساء … الأحلام المذبوحة .كما رأت في عيون بعض الحناجر الغاضبة الأنياب والذئاب ، تطلّعت في الرؤوس المتدافعة مرّة أخرى ، وتجوّلت بينها ، توجّهت نحو الواقف في بروده ينتظر ساعة السقوط ، أحكمت ربط الحبل حول عنقه ، وجذبته بقوّة تحت مطر الأناشيد ، وفجأة سقطت خيمة الكبرياء الواهم ، واندثرت أوتادها لتترك مكانها للفراغ والزغاريد ، سقط الرجل البرنزيّ . اشتعلت الألسنة تهليلا وتكبيرا ، وامتدّت السواعد نحو الأفق لتزفّ للدم زهرة الصبايا المتحلّقات حول نخيل الصباح ،تسلّقت ذاكرتها لحظتها في غفلة منها شجرة الأحلام ، فتهاطلت عليها صور محمومة ، مرتبكة كأقدام اليتامى ، جدّفت لعلّ ذاكرتها تستوعب سقوط كبير الأنياب ، لكن تاهت الذاكرة في أشواق الأوّلين وفرح المنتشرين في الشارع . *** رفع رأسه ، نظر إلى البحر من خلال النافذة ، فإذا هو كما السواعد الحاملة للفتاة على أكفّ الغضب ، امتدّت يده لقهوته ، شربها على عجل ، تذكّر موعده مع صديقة جديدة عرفها أيام الرصاص دعته لحضور أمسية شعريّة . لملم الصحفيّة , وحناجر الغضب , والشارع , والرجل البرنزيّ , وسيارات البوليس , وأقلامه , وأوراقه , تأبّط حزمة حروفه ، وغادر المقهى .

****

تصدير:

دربنا بطعم الجثث ولون الغيم ، وعصافيرنا على الفنن الرميم تبكي الفجر المغدور ، وعمائم الحيّ ملطّخة بدماء القهر، والعرش المستذئب يدعو المخالب باللفظ ، واللحظ ، والإله يراوح مكانه قلقا بين الألسنة مختلفة الأهواء ، والرضيع جالس على شوك نعش الأهل يمشّط غده السراب بابتسامة تائهة في الرصاص ….

الفصل الثاني :

دخل قاعة فسيحة ، باردة الملامح ، جدرانها ملتحفة لوحات زيتية فاخرة ، لوحة سوداء يتوسّطها قبر أحمر ، وقد نبتت فوقه وردة بيضاء ، وأخرى احتلّتها امرأة مشرّدة وقد تحلّق حولها الذئاب ، أنثى تجلس في ظلمة الليل على مقعد حديقتها تغازل القمر ، وسور عتيق يطلّ على مقبرة تخيّرت لها الشاطئ مقاما ، شدّته صورة المقبرة ، والتهمت اهتماماته ، فنسي موعد الأمسية الشعريّة سبب وجوده هنا . سافر على متن الدهشة إلى أقاصي الفنّ ، وحلّ سؤاله في اللوحة ، ودقّ أوتاده ، والخيام ، فبعث بملكاته أجسادا من حيرة في دروب اللوحة ، فمشهد البحر في صخبه ، والمقبرة في سكونها يبعثان في النفس أسئلة متوحّشة، كما تفتح على العالم نوافذ متعدّدة ،ومن زوايا مختلفة تبثّ في الوجود موسيقى جنائزيّة واجمة ، توقّف أمام اللوحة ، يطلّ على البحر من ثقب السور ، رائحة الموت تظلّله . لم يشعر بالملل أمامها، ولم ينل منه التعب ، إذ به شوق للإبحار في عالم السكون . حملته الذكرى على جناح الماضي إلى المناطق المهجورة في ذاكرة الوطن ، وانطلق حنينه الدّفين على وقع صخب الأمواج يغازل القبور بكلمات خرجن للتوّ من خدر السؤال ، تململ بين القبور ، واضطربت روحه بين الحلم والشوك ، والقبور على حالتها تلك تشرب من رحيق الغياب ، مسترقة السمع لنحيبه في محراب اللوحة ، والكوّة المطلّة على البحر في أعلاها كما الطفل تعبث بحبّات هدوء الواقف ، وفي غفلة منه انحدرت كلماته من شاهق الهمّ في محراب الألوان : ” وقفت بباب السؤال ، والزمن ليل ، والنجوم من حولي تكفكف شهوة المقام ، والقمر في عليائه يلعق جراح الدّجى ، وعيناي في زحمة الضباب تخطّان كسفينتين على وجه الوجود صحف السّفر . تقدّم بي الركب نحو بساتين اللغات ، ومن ورائي حروفي تقلّب جراحي المثمرة . توغّلت قوافلي المتعبة تسبقها إلى قمّة الجبل أجنحتي المرهقة ، وعند بلوغ قمّة الفجر صاحت حيرتي في رسل الأفق أن دقّوا أوتاد الصهيل في الأرض ، فاضطرب مدادي في مهده ، وأينعت من بين شقوق دمعتي نخلة للعابرين ، وشدّ الماء إلى أعمدة المعبد ولدان غائبون …. ولّت لغتي وجهها شطر المعبد، ومن ورائي اضطرابي يحثّ فيّ طقوس الأسوار ، والنفس في قيعان جسدي كريشة في مهبّ الطريق ، تصارع بذور المستقرّ … مسكت بيميني موج البحر ، وبالأخرى أطلقت العنان للصهوة ، فصاحت هواتفي في وجهي أن ترجّل ، وسر نحو النار ، والخيام ، والموائد المتخمة مع أحلام القبيلة ، ولكن أغنية الريح كانت أشدّ وقعا من كلّ الأصوات ، فرسمت على بلّور الرّوح خرائط مبهمة ، وتمايلت سنابلي في عين الرّدى ، استبدّت بالروح أشواق الدروب …. تركت الخيام ، فارقت المستقرّ ، وعدت سيرتي الأولى , وعانقت المسير ” ، هكذا حدّث اللّوحة في سريرته . شدّته لوحة البحر لألوانها، حتّى أنسته سبب وجوده هنا , وفجّرت فيه عيون القول ، نظر في ساعته اليدويّة ، فكّر في أن يقتحم على الشعر عرينه بعد انطلاق الأمسية ، لكن خيّر أن ينتظر صاحبته في قاعة المعرض . وواصل التجوّل في معبد الألوان . وانتقل إلى لوحة أخرى ، ليتفحّصها . امرأة تغطّ في دم كثيف ، ومن حولها صغارها ينهشون لحمها ، ومن فوقهم الشمس في فستانها الكئيب ، وذئاب من فوق قمم الجبال يعدّون قوافل الرحيل نحو الوليمة ، وفي الجانب الآخر من اللّوحة خرجت فراشات الماء من عمق الغبار لتوّها ، وابتسامة شهيد نفخت في آنية الصباح ، والحروف المغرّدة على فنن الدرب بعثت بأشّعة الفجر خيولا ، ونوافذ روح الأمّ الذبيحة مشرعة الأحلام على الفراغ ، ونساء رافلات في حنّاء الوقت يغسلن على ضفّة النهر حديث الليل ، وصبايا حول بئر المعنى متحلّقات يرسمن بهمس نديّ صورة الطّارق المنتظر ، والبياض تحت الشجرة يحثّ في دنان الوجود أريج الحياة . استفاق من غيابه على يد كالطّيف تقطفه من ذهوله , ومن بساتين اللّوحة ، وتعيده إلى عالم الشهادة ، فتوجّه نحو صاحب اليد ، فإذا بها صديقته الشاعرة تحييه باليد ، وبالعين تعاتبه . مدّ يده للردّ على التحيّة بتحيّة ملفوفة في الاعتذار على عدم حضور أمسيتها الشعريّة . وقفا على باب لوحة تربّع الرّبيع على صدرها ، والزمن صمت معبّأ قيلا ، والنجوم من حولهما تكفكف شهوة المقام ، والقمر في عليائه يلعق جراح الدّجى ، وعيون المحبّين تراقص الضياء . تقدّم بهما الركب نحو واحة الحبر ، وحملتهما نسمات اللّقاء نحو أقاصي الوجود . وقفا إلهين عاريين في عين الشّمس . توغّلت قوافلهما في أرض الألوان تسبقهما إلى قمّة الجبل أجنحة الطير . وعند بلوغ سفح الفجر قالت الشاعرة لصاحبها على باب اللّوحة : ” الغروب حياة” فردّ بصمت : ” والجبال لغات تسكن الذّات ، والريح بوصلة الكلمات ” فقالت : ” الماء ؟؟؟ أمّا الماء فرحلتي في أحشاء الوهم ” فقال :” تسيل من ناي وحدتي مشاعر شتّى … تنهمر الروح على شاسع الهمّ… تسقي الصدى نخلة شريدة … يسرج القلم صهوة الوجع …يوجّه وجهي وجهه شطر المرايا … يتدثّر الربيع بمرآته المهشّمة …يطلق الحبر عبراته زغاريد لمواسم الرحيل …يحتسي الصباح أجنحة الطير … تزمّل الرّوح صيحة … يسبح الحرف في فضاء الكلمات قبيل الفجر الأوّل … يفتح صفحاته على بياض الشرفات …فيجرّه الماء الغاضب … ويضيع وجهه في السحاب … ” فأجابت وهي تداعب غوايتها : ” تبزغ البلاد حيرة من شرق السفح …تذرف السماء جماجم شكّ على الضفّة الأخرى من يمّ الغروب …طفل من غبار يجرّ قمره نحو الآفاق …قوافل الحيّ تخبط في الضوء خبط عشواء …ومن ثلج الغواية تخرج وردة ملطّخة بأسئلة السنين … وآدم القحط يحبّر على ظهر دابّته آيات الدمّ …وينفخ الوقت في ثقب الحكايا من بوحه… فينتشر الخرفان في تفاصيل الكلام … ثكلى ترتق بدمعتها عظاما نخرة ووجه البلاد ….وترقص الذئاب ….” , وتنبت في وجه الأرض اصنام على اختلاف أحجامها فتوجّهت إليه بالسؤال : ” أوتقول الشعر يا فتى ؟” فقال مبتسما وعيناه تطوفان بلوحة وجهها , وباللّوحة المعلّقة على صدر المعرض بعناية فائقة : ” هو وجعي يطلّ عليّ برأسه كلّ حين …لم أكتب الشعر … بل هي” خربشات ” على جدار الوهم بكلمات قليلة الحيلة …أحاول أن أقولني …أو يحاول قولي أن يرسمني … وبين الرسم والقول أكدح على درب الحرف ، لعلّني أكون من عشّاقه … وأنّى لي بلوغ وجهه الحبيب ، وأنا الضعيف في حلقات المداد ” فقالت :” تحدّثني عيناك عن وجه الوجود … ويداك تمدّان الشروق رغيفا لأطفال الريح …يداعب موج البحر خصلات أناملك المبحرة في البياض … والأجداث من حولك زقزقة على غصن الكلام …صخب الصبايا …ولهو الأطفال …وثرثرة عجوز في الغابرين …وجمجمة من عبق التاريخ …ونافذة مشوّهة الملامح …وفارس أحلام على صهوة الحبر يبذر كلمات من العناكب على جبين فراشة …آنية الوقت مرآة مهشّمة على طاولة السّحاب … ووجهك صيحة على باب الخراب…ولسانك بوح عقيم …. والليل شرفتك المطلّة على وجهي … ووجهي صوتك الغائب …” فقال :” أنا خيط أبيض يناجي سواد السّماء … صهوة تائهة على لوح الهجرات في بحر اللّغات … طفلة مجروحة الرّؤى … شمس منذورة للسّفك على مذبح الغروب … صدى فانوس في أحشاء الرّيح … أنا …بلا خرائط …شوّهت تفاصيل وجهه مخالب الوردة…وعقرت أحرفه …وعلّقت أحلامه على باب المدينة … أنا … أغنية العبرات في ليل كوخ يتيم … ذكرى عليلة …أغنية سقيمة ….أريج مسكوب في أكواب الموت الأبيض… مداد يضاجع قبر حوريّة المعنى … أنا … أمّ تبحث عن ثدييها … صيحة فجر في صباح الموتى … أجداث تجلّل بياض الصّحف … صوت مبحوح في كهف الرّحيل …. إنجيل التائهين على درب الهباء حرفي ” قهقهت على صوت الرّيح المعربدة ، أطلق هو يديه في بياض الرّذاذ نحو موج اللّوحة ، مستقبلا بوجهه القديم قوافل الطّير ، ونجمة زانية تلوح كباقي الهمّ في كبد السمّاء . وجّه فؤاده المكلوم نحو وجهها الغائب ، ولثم الفراغ المحيط بالفضاء ، وغنّت موجة محبطة على رميم صخرة أنهكتها الظلمات في غفلة من مواسم العشق الجريح في اللّوحة المتمسّكة بالجدار … سارت صاحبته … ومن ورائها سار … توقّفا عند الباب الخارجي للقاعة … ضمّها إلى همّه ، وطارا مع الغيمة. استبدت بالروحين أشواق الدروب ، فتركا اللّوحة والقاعة ، وفارقا المستقرّ ، وابتلعهما المسير . في اتجاه شاطئ المدينة ، ليجلسا تحت ظلّ الحرف على صخرة من صخورا لشاطئ ليكملا مواسم الشّطح .

بلغا المكان ، وتخيّرا الجلوس على صخرة يتيمة على شاطئ رماديّ الهوى ، تداعب أصابع الريح كثبان أحلامه ، والبحر على إجهاده يرتّل بين يدي الوجود آيات النخيل ، وقفت حيرة قرب مجلسهما تعانق جفاف السنين ، كشفت شهوة البكاء فيها ، وألقت برداء الصمت على المكان ، ونزلت إلى الشجن لتتطهّر من أشعّة الشمس … نهضت الشاعرة , وغادرت صاحبها لبعض الوقت ، ثمّ خرجت عليه كما القمر من خدرها ، تجرّ وراءها أريج العزّ ، والعفاف . وتحمل على صدرها تفّاح الغواية .

وعلى الخدّين ورد البساتين يضطرب بين نسائم الأصيل . ووجهها كصفحة ماء البحر ، والزمن فجر .رسمت على ضفّتي ثغرها غابة زيتون ، ومشت بخطى مختالة نحو عين الشمس ، على أصابع الفؤاد .

والنفس قد أشعل فيها الشوق نار القرى . فتنة هي في إقبالها ، ومحنة هي في إدبارها ، وبين هذه ، وتلك ، جنّات من رسم الخيال ، بريشة من سحر . هي لوحة قدّت من عبير الوجود ، وآية من آيات الربيع في أساطير الأوّلين . هي فجر ،وماء ، ونخل ، وسماء موغلة في زرقتها ، وقارب نجاة لقلب غريق ، هي البوصلة في عرض التيه ، ومرافئ للعشّاق في الحلم . خرجت والضوء يتقدّم موكبها ، وقوافل من الورد تحرس خطواتها على اليمين وعلى الشمال ، ودموع الفرح منثورة على وجنتي اللقاء ،واللقاء تحت ظلّ الحياء ، يرفل في الحناء.

طرقت باب النخلة برفق العاشقين … مشت على رؤوس الفؤاد نحو نوافذه المطلّة على أفق الرؤى … ركبت ظهر الصباح موجّهة ألمها شطر وردة عنيدة على قمة الصمت تحرس النخلة … صارعت الريح ، ريح المنيّة المتأبّط شعرها ليليّ الهوى … دربها سدنة أشواك الخريف …. ركبت بحر الغيوم نحوه لعلّها تدركه على ضفّة الحلم …بلغت أسواره رغم أسود المعنى … زقزق الفجر … فإذا بها في برد اللغة ماسكة على اللاّشيء , فتأبّطت صاحبها , وركبا زورق القبل.

****
تصدير :

قوافلي مقبلة على عنيد الدروب ، والزاد فؤاد ، وبعض ماء ، ومداد ، وقلم ، وحمامة تتهجّى البياض ، ورميم أجداد ساكن في القلب ، وعلى جدث الأحلام تراقص وردة صباحنا السراب . وامرأة أنيقة من غابر الزمان موغلة في صحرائها ، وخيامها ، وأطلالها ، تدفع بالنفوس دفعا جميلا ، وفحولة فقدت جناحيها في الحيّ ، في زمن امتلأ فيه الرحب عواء ، ونباحا ، ونقيقا باسم آلهة الشمس ، والشمس ضباب ، والنخل في هجير الصمت المخيّم على الألباب يدقّ مسامير نعشه ….

الفصل الثالث :

تمدّدت على بياض الورقة ، فتحت ذراعيها للآتي ، افترشت كثبان الحروف ، تدثّرت بأغاني الحصاد وأهازيج الغاضبين المتحلّقين حول الرجل البرنزيّ ، قلّبت ذاكرتها ، رسمت حقلا من السّنابل على جانبي سكينتها ، رتّبت بعبث الصّبيان تفاصيل صباحاتها في انتظار قدوم خزّافها ، ليحبّر بقيّة سيرتها ، وسيرة الرجل البرنزيّ .

قطرات الذكريات تطرق بلّور نفسها المعلّقة في أرجل الطيور المهاجرة . جلست في مهبّ قهقهات الرجل البرنزيّ تنتظر حبر صاحبها ، وصاحبها في غفلة من أنامله يعيش لحظة عشق مع صديقته الشاعرة على شاطئ البحر .

اضطربت على موج الأهازيج ، ومن حين إلى آخر تبعث بعينيها هدهدا إلى أقاصي بياض الورقة ، لعلّ القلم في طريقه إليها ، ملّت الانتظار والتسمّر في ذات المشهد ، وشعورها بالنّصر يدفعها نحو تخوم الغد المنشود ، كرهت التوقّف عند سقوط الرجل البرنزيّ في الرواية ، أرهقها الانتظار . ابتعدت قليلا ، تخيّرت لها من الأماكن ظلّ شجرة سافرة تمنّي النّفس بقدوم صانعها ، وهو الذي تركها وراء ظهره تتخبّط في أوراقه ، مولّيا وجهه شطر عشيقته الجديدة في مدائن الشعر والعشق ، بقيت متسمّرة في صوت النشيج ، وجبالها عهن منفوش على قارعة الصمت ، ودربها نحو القبيلة مزركش بالشّوك ، يمخر حلمها الجنين عباب الأسئلة .

كلّما تذكّرت هجر صانعها وقلمه النافخ في سكناتها حياة بعد موت تضيع سفنها في بحر من الذئاب وتغادر العصافير خرير الفؤاد. وبينما هي على لوح الاضطراب إذ بجثّة الرجل البرنزيّ تتمدّد ، وتتعدّد في فضاء الصفحات ، ويخرج منها رجال كثير على شاكلته لينتشروا في الساحة .

تقهقر جمهور الغاضبين قليلا ، وعيونهم تتابع المشهد بحذر ، تحلّق رجال البرنز حول أبيهم المدّد ، كلّ ينفخ فيه من روحه ، تقدّم أحدهم وبيديه آنية من دم ،ليباركهم بدم الآنية كما يبارك الربّ عياله ، جاؤوه صفّا صفّا ، وهو كما الفراشة يتنقّل بينهم ، يبارك هذا ، وذاك ، يخصّب رؤوسهم بدم الآنية واحدا بعد الآخر ، ويلبسهم بياض الصّباح ، ولمّا أتمّ طقوسه أطلق أجنحتهم في سماء الورقة يوزّعون الورد والابتسامات على جمهور الغاضبين ، وحملت أصنام البرنز المنتشرة في الرّحب الجثث المبثوثة في الطرقات لتدفنها في حفرة النسيان ، وتلملم بعد ذلك رعب الشّوارع ، ورقصات الرّصاص ، وبرك الدّم ، وتبعث في الغاضبين تباشير الصّفح .

تقدّمت وجوه من الصفوف الخلفيّة من الجمهور نحو الرّجل البرنزيّ ، وقد استوى على عرشه من جديد ، مشت بملامحها المستبشرة نحو يمينه لتقبّلها ، وتبارك عرشه ، كما غنّت فئة أخرى جثّة الفجر . عاد الشّارع إلى هدوئه ، وأينعت أشجار غير مثمرة على ضفّتيه ، غادر النّاس حناجرهم وأياديهم الملوّحة بعلامات النّصر ، تململت الصحفيّة بين كثبان الكلمات ، وانطلقت من حولها في برد الأوراق أصوات الهواتف تردّد في غفلة من العرش : مخالب تداعب صمت الغرفة … صباح صحراويّ يقهقه بين أحضان شمعة متبرّجة … الضّوء يتدلّى … والغرفة هناك حيث الثعابين تلاعب عقارب الساعة الحائطيّة … أغصان المعنى شلّالات من خوف تطرق نافذة الغرفة … ريح متوحّشة ترتّب تفاصيل السّرير … لقمة معفّرة قرب مرجل الغياب تحتلّ نصف اللّوحة المعلّقة على صدر الليل ، وشجرة في الريح فريدة تولول في النّصف الآخر … فانوس الحكايات يلثم وجنتي الخزانة … طفلة من ماء تراقص دميتها من وراء بلّور النافذة الداكنة ، وأعمدة من دخان تضمّد جراح الستائر … قطط المدينة تمارس طقوس الحياة تحت الشرفة ، وألسنة همسها تلتهم حزمة الأسئلة المتوثّبة في ميدعة الطفلة الواقفة في فراغ الشّارع … استوى الفجر في دروب الرواية يناجي أبجديّات الشواطئ الراّكدة في أحشاء الذّكريات … تلك هي حكايات الليل ترويها المخالب في غفلة من الكوّة … حلّق في سماء الرّواية أمل من دخان ، ورفرفت فكرة يتيمة في سقف الغبار ، حطّت حمامة على حافة حماقة ، وتحرّكت العاجزة في غياب خزّافها نحو جحافل الغاضبين الناسلين من أرض الهجير نحو مدائن الأفق ، فراشات تشدّ الظلّ إلى عمود الماء ، ملامح ليل مشوّه تنام تحت جدار ، والقمر على عادته يتابع نمل الهواجس المنتشر على صخر الرواية بعين باردة .

تقدّمت بخطى حذرة نحو جمهور المذهولين ، تدعوهم لمواصلة الرحلة ، وتطهير الأرض من ديدان المدينة ، وإلقاء الرجل البرنزيّ وعياله المنتشرين في الأرض كالوباء خارج صفحات النصّ ، ارتفعت ألسنة صياحها تبعث في الناس ماء الحياة ، لكن صوتها عاد إلى حنجرتها متكسّرا ، ألقت نظرة على الجموع ، فاستقبلها الصمت ، وكان الناس قد تفرّقوا نحلا يأكلون الخبز من حولها ، ويتقاتل بعضهم لبلوغ أيادي المخلوقات البرنزية الصغيرة الممتدّة بالخبز .

مشت مكبّة على غدها وفي الفؤاد ظلّ ،وضلال ، وحيرة ، وسؤال ، وعلى الدرب أينعت رؤوس الليل الأليل ، والأنياب ، والزمن غياب في غياب ، وزورق الوقت كشجرة في مهبّ الذئاب ، فهي التي خضّبت أحلامها بمدائن من زبرجد ، ونخل ، وماء ، وشيّدت على شاطئ الأماني مسالك للعاشقين ، ونفخت في ترائب الفجر أجنحة من طين اللغات ، ورسمت على ثغر الوجود بالثلج خرائط للمشرّدين ، ورفعت القمر في عليّين ، وجعلت من القلب مرافئ لعرائس البحر ، وحكايا الأوّلين ، وزرعت في الكهوف نار القرى ، ورتّلت في سكون الحيرة آيات من دفاتر القبائل ، ثمّ توجّهت نحو جيدها ، والنهد ، فخانتنها الجموع والذاكرة ، وضاع النهد في زحمة المخالب ، وابتلع السّراب قريحتها

****

تصدير :

يا صاحبي … يا راكب لوح الهجير ، وصهوة الرحيل ، وليل المنيّة قاب قوسين أو أدنى من صهيل العويل ، وذئاب الحيّ في القفر يزرعون الماء في نهر ضليل … يا صاحبي تمهّل فإنّني مقيم … يستأسد ضعفي فيّ … ملّني دربي الذّليل ، وامتدّت رؤوس الأجداث في ذاكرة الطريق ، ونسلت جماجم الحيّ من بين أغصان أنياب انهمرت لتوّها من كهف قديم ، وبعض أيّامي على إجهادها ترتّل بعض آي من صحف القادمين ، لعلّ صبحهم يبزغ من شرق الكلام ، أو ينثره ضحى أحلام رميم … تمهّل يا صاحبي ، فإنّني مقيم … لعلّ النار الكامنة في السفح تقبّل وجنتي العلم الشاهق ، وتنفخ فينا أنامل النّخيل … تمهّل يا صاحبي ، فإنّني مقيم … فبقايا نور تلوح هناك ، على الضفّة الأخرى من الوجد كأطلال عطر على ثوب أميرة في الغابرين ، كأخاديد وجه أرض مشرعة الأمنيات للفاتحين … تمهّل يا صحابي … تمهّل … وتهجّ معي على ضوء خصلات شعرها آيات الماء ، والفجر الأثير ، فلعلّ البحر يذهب حزنه ، ويتدثّر بفستان من العيون ، بعدما بعثره موجه العقيم …

الفصل الرابع :

دخل منزله منتشيا بعد لقاء ورديّ مع صديقته الشاعرة على شاطئ البحر ، لكن النشوة قطعتها فوضى المكان التي استقبلته . تسمّر في المدخل من هول ما رأى ، برك من الدمّ تملأ الدّار، ورائحة الموت منتشرة في الفضاء ، استبدّ به الخوف ، وتملّكه الذعر ، يبدو أنّ أنياب حرب عبثت بالأثاث .

لم يفهم بداية طبيعة المشهد ،بل ظنّ أنّه أخطأ العنوان ، تقدّم نحو الداخل بحذر ، فاحتضنته قاعة الجلوس بجثث مبثوثة على الأرض ، ورؤوس معلّقة على الأبواب ، والجدران ، انتشر الخوف في مفاصله ، وكاد يسقط أرضا من رؤية الرؤوس المقطوعة المعلّقة ، استمسك ببعض حياة ، وتوجّه نحو الغرف يفتحها واحدة تلو الأخرى بجنون ، نفس الديكور يحتلّّ ملامح الغرف ، رؤوس معلقّة، وبرك دم ، كلّ الجدران والأبواب ملطّخة بالفجيعة تلقي بردائها على الفضاء . أدركه الدّوار ، تقهقر خطوات ، وقد عبثت به رياح التوتّر ، أجهد عقيرته لكي تطلق صيحتها ، لكنّها خانته ، تحامل على غثيانه ، وكتم أنفاسه ، تقدّم خطوات نحو الجثث ، وبينما هو يتجوّل على أرض شوكيّة بين أكداس الجثث يسأل ملامحها ، إذ بصوت كما الأنين يقتحم عليه وجومه . توقّف عن السؤال، وأطلق ساقيه نحو مصدر الصّوت، دخل غرفة الاستحمام ، وجدها مطروحة أرضا ، والدّم يغطي مرايا فخذيها ،

إنّها شخصيّة روايته ، تلعق دمها ،وتحاول تضميد جراحها ، يا لهول ما رأى ، لقد تركها نائمة بهدوء بين جنبات نصّه قبل مغادرته لبيته ، ولكن من فعل بها هذا ؟ ومن أخرجها من أوراقه ؟ ومن عبث بها ؟ ومن ألقى بها خرقة مغتصبة في بيت الاستحمام ؟ ازدحمت الأسئلة في رأسه ، وتطاولت أشواك السؤال في كلّ أقطار بدنه . تقدّم نحوها ليتبيّن حقيقة الأمر ، توجّه إليها بوابل من الأسئلة ، لكنها أجابته من بئر غيبوبتها بسبابتها متوجّة إلى غرفة مكتبه ، ثمّ استسلمت لدمها النازف .

تركها على حالتها تلك ، وأطلق العنان لرجليه ، والفضول . دخل غرفة المكتب حذرا ، فاستقبلته أمواج من الرؤوس ترفع على أكفّها الرّجل البرنزيّ ، ومن ورائه رجال البرنز الأقزام يدقّون طبول الفرح ، وينشدون أهازيج النّصر ، توغّل في غابة الرؤوس موجّها وجهه نحو الساحة ، حيث ترك في الرواية الرجل البرنزيّ يتخبّط في دمه ، وحول رقبته حبل الغضب، ومن حوله تحلّق جمهور الغاضبين ،

والصحفيّة شخصية روايته على أجنحة الزغاريد ترفرف كفراشة الربيع ، حاول الوصول إلى المكان بمشقّة . فتيّار أمواج الرؤوس المبتهجة كان أقوى من أن يبلغ مبتغاه بيسر. شقّ جموع الصامتين بعد غضب ، والمبتسمين بعد تجهّم ، والهادئين بعد ثورة ، دفع أجسادهم تارة برفق ، وطورا بقوّة ، لعلّه يتبيّن أشياء لم يفقه كنهها من قبل ، بلغ الساحة بعد عسر ، فوجد شخصية روايته طريحة الأرض ،

والرّجل البرنزيّ قد عاد إلى عليائه شامخ الوقفة بين أشجار الشارع ، تقدّم نحوها بعين دامعة ليلملم دمها وأشلاءها تحت مطر اللاّمبالاة ، تجوّل بعينيه في الوجوه المنبسطة كأرض خلاء ، لا جواب ، إلاّ عويل الريح يطرق باب هواجسه من حين إلى آخر . رفع الرّجل البرنزيّ يمناه ، فتقهقرت الجموع ، ثمّ ابتلعتها الأرض تاركة مكانها لقهقهاته ولأناشيد عياله . جمع أوراقه وشخوصه المبعثرة على أرض الساحة ، ورماها في دهاليز محفظته ، وغادر أرض الرواية ، وطفق يطهّر غرفه من آثار الدم والرؤوس ، ثمّ أسرج خيبته ، ودفع بقوافل سقوطه نحو الشّارع ، بيمينه محفظته ، وبشماله محنته ، وعقله في باطنه يرتّل من لوحه المهمّش .

***

اللوح المهمّش الفصل الخامس :

ذئاب : تضرم الأيّام ذئابها تشعل الرّيح مخالب الوقت في برد الطريق وحدي أصارع الصدى مكبّا على جراحي أسير والفحيح قبائل النهايات تضاجع الصّمت وتقبّل الأشواك جبين غربتي يا غربتي المتدثّرة بوطني ووطني أغنية في الفلاة وزورق بعثرته الظلمات وأنا كما المرافئ المهجورة لا وجه يحملني تراتيل للشرفات

***

أمّي : ستبزغ أمي من شرق الأحلام ستنثر صباحها على فراش الوجود يخرج الولدان من غار النسيان يطوفون على نخل البلد ودموعه بأكواب من رحيق الأمنيات سيهزّ إليه الشهيد بجذع الماء لينفخ في نيام اللغات تباشير الزيتون سيرقص الجبل على تراتيل السواعد والعقول ويدندن البحر على أوتار الصخر حكايا العشّاق عشّاق الوطن

***

هذيان : يسألني حرفي تحت ظلّ الليل عن قوافل الضياء … القمر والشمس نيام قوافل السقوط تسير والنهر الزنيم …. وتسير على هدي الفوضى ذاكرتي … ومن ورائها جثث النخيل تغنّي للأنياب وحرفي هو حرفي في وحل السؤال مقيم … لا يريم ذئاب القبائل على طريق الرحلة يمنّنون الأنفس بصبح زيتون وتين ونخل وعبيد … يحلمون بقينة قدّت من أريج فجر عتيد … وثدي مطواع يدرّ عروش الملك التليد … ماذا عساني أقول … …وحرفي بين مشنقة الوهم ومقصلة السؤال يتخبط في المداد السقيم

***

سنابل : امتدّت يد الورد إلى وجه الوجود تداعبه والزمن فجر … وموعد الرّحلة يقترب ودروب الأسئلة مشرعة الصّدى وشوك الآهات مندمل وقفت اللغة بباب الحبيب ونيران الوجد تشتعل والمريدون … والبخور …. والقوافل …. والقمر …. اشتدّ بالنخلة تحت أغصان الرؤى الوجع …. وشدّها المداد إلى أهازيج الصهوة ، وأنامل البحر …. وغنّت في محراب العاشقين بصوتها المخمليّ القمم … ولاحت شهوة القول من وراء النجوى … ودكّت صيحة اللقاء معبد الحالمين … فانتشروا ….

***

ظلّ الليل : يسألني حرفي تحت ظلّ الليل عن قوافل الضياء … القمر والشمس نيام قوافل السقوط تسير والنهر الزنيم …. وتسير على هدي الفوضى ذاكرتي … ومن ورائها جثث النخيل تغنّي للأنياب… وحرفي هو حرفي… في وحل السؤال مقيم … لا يريم… ذئاب القبائل على طريق الرحلة يمنّون الأنفس بصبح زيتون ، وتين ، ونخل ، وعبيد… يحلمون بقينة ، قدّت من أريج فجر عتيد… وثدي مطواع يدرّ عروش الملك التليد… ماذا عساني أقول… وحرفي بين مشنقة الوهم ، ومقصلة السؤال… يتخبّط في المداد السقيم…

***

ذاكرة : حطّت مطايا الروح على فنن الذهول … واستأسد في القول الأفول الشمس عليلة هذا الصباح وكفّ الكون مخضّبة بالعويل ذاكرة فريدة على قارعة السؤال مثقوبة الرؤى ترفل في عراء اللغات تقلّب جثّتها بين همّ الدرب ، وجمر الحرف تتهجّى أبجديّة الماء غجريّة الهوى : يا دمعة وطني … هزّي إليك بالجبل … واغسليه بحبري … وانثريني على رؤوس الأفئدة صباحا …فنهر دم إخوتنا في الشعاب جرف الذئاب ، والأنياب … وسقطت ورقة الكلام …. مال الجبل على المجد يلثم وجنتيه … ونخلة مسفوكة الرّحم على ضفّة القبيلة …. ناي حزين… وصوت غجريّ الهوى يدكّ في ساحة الليل أوتاد منيّة متسكّعة …. صاح الفجر في وجوه لطّخت بالموت بياض الورقة … وسقطت ورقة الكلام … وانساب صوت الريح من بين أنامل جبل البلد ينفخ في السفح سفر القمّة *** رفيق الحلم : دندن يا رفيق الحلم دندن … واعزف لي لحن الصباح … دندن …. وغنّني …. فالهمّ دقّ أوتاد النّواح …. والكلام ضيّعته حناجر القابعين في الكهف …. دندن لأرقص للقصيد … للغاب …. للجبل اليتيم …. …لعلّ الرقص يبعث في الجماجم الماء…

***

شجرة العمر : نسير في شتاء الأحلام ، ونمنّي النفس بشمس الخلود ، والشمس سراب ، وأسئلتنا الحائرة تقف بباب الخراب ، تقلّب بيديها حرفنا والمداد ، ونرفع الأماني نحو قمّة البقاء ، والبقاء غياب ، ودربنا كما القطار يقذف ، ويبتلع ، وبين هذه وتلك ، تضطرب الأيّام على سرير الكدح زمنا أو بعضه ، وتستغرق منّا شجرة العمر

***

مداد زنيم : تزدحم الأشواق على باب الحنين … وتتشابك السوق … ويرقص الصوت على عتبات الغربة … وشمعة في الوجود وحيدة ترسم نخلة … ترسم طفلة … ترسم بحرا … والفضاء سواد يدثّره عواء … صباح منهك الخطوات … ومداد في الناس زنيم…

***

المومس العمياء نغنّي للضوء ودربنا كهف … ونزفّ للشمس أشعّتها… ومركبنا وهم … نقبّل النخل في كابوس اللغات … نزكّي مفاتننا وفتنتنا … وأصابعنا ذئاب تلتهم الوجه الكئيب …. وصوتنا في الفلاة ” مومس عمياء ” … *** حورية : بي همّ قديم … بي وطن سقيم … بي قافلة في الوحل لا تريم … بي لغة كحطب أصابه مطر غزير … وبيدي وردة أضاعت أريجها تحت أقدام المارّين من الجرح … بي وطن على ضفّة اليمّ على جمر الإنتظار يمنّي الخدّ بقبلة من فارس عتيد … بي لغة فقدت بكارتها …ونهشت لحمها عمائم سقوط متسكّعة في خيالي المحموم بحثا عن حورية أضاعت طريقها لنصفهم الأسفل …يا حوريّتي … أنت كما الشجرة في مهبّ الشهوة ، على قارعة الأنعام تنتظرين ساعة النهش … لقد نبشوا وطني الراقد بين جنبي ، وحلّ بجثّتنا نسر الثلج … ليسقي أنياب القبيلة ،وعمائمها نبيذ العدم ، وحورية

***

قبيلة الدرب نفق طويل ، والأفق عليل ، واللسان مع اللبّ سقيم . لا فجر يلوح من وراء جبل الشجون ، والحزن ألوان ، وفنون ، والسفوح متلبّسة بالذئاب ، والقمم تكرع من القحط على مقربة من عين شوكية حامية . لا صباح يبشّر بدرب جديد ، والعمر مديد ، والعواصف كما الحديد ، تهدهد ليل اللغات الشريد…. يا لغتي… يا نخلي المذبوح على قارعة الحلم العنيد … يا أنا … يا وجهي التائه في وجع ابتسامة متسكّعة … إنّني متعب حدّ الوطن … إنّني محبط ، وإحباطي بحجم قبيلتي اللائذة بالعراء *** مرايا : وقفت على ضفّة الأنا ذات فجر مشرقيّ جريح… صفّفت أحلامي المبعثرة بعناية أنثى متبرّجة ، وتعطّرت بأريج اللغات ، وخلعت نعلي بباب السؤال ، وقفت أمام مرايا آدم ، ومن ورائي تحثّ حواء تفّاح المعنى الأنيق في قافلتي ، أخذتني سنة قدسيّة القلم ، ونوم اليقظة ، فشعرت بأنّي أنّي ، وبعثت بالروح رسولا ، فارتفع صمتي في قيعان العيّ ، وارتدّ الصدى شوكا ، وأينع الدم في درب نعش قديم ، يبكي صباحات جنوب الضفّة … حتّى النار التي ظننت بها خيرا هذا الفجر خذلتني ، والعصا التي أهشّ بها على أفكاري ، والفؤاد الذي يهزّ إليّ بجذع وجهي كوّروني في العدم

***

ذاكرة : حطّت مطايا الروح على فنن الذهول … واستأسد في القول الأفول… الشمس عليلة هذا الصباح… وكفّ الكون مخضّبة بالعويل… ذاكرة فريدة على قارعة السؤال مثقوبة الرؤى… ترفل في عراء اللغات… تقلّب جثّتها بين همّ الدرب ، وجمر الحرف… تتهجّى أبجديّة الماء…

***

طفل الغياب يا طفلي المسافر في عبراتي اجلس نتقاسم رغيف السراب وأقم بيوتك في مدادي سفكت الحياة على عتبات الخراب وأشرق في معطف الليل شوك السؤال شرّدوك طفلا كسيرا على جبين البلاد ذبحوا صوتك في المدى صاح غرابهم وأنت الأريج المغدور على خريطة الصّدى أقم مجلسنا هنا ملء تيه الأرض سنزرع الشمس على ملامح الأفق نجمة تهدهد ابتسامة في السماء

****

تصدير

سنزرع الحب في كل درب ، وسننثر البسمة على كلّ ثغر ، سنمنح الصباح بياضه ، وسنمدّ لليل سكينته ، وسنخيط للوجوه فجرها ، سنعبّد بالنور للجبال قممها ، ونطلق العنان للطفل يمسح بيمناه رؤوس الحيارى ، فلا دين إلا الحبّ سبيلا …

الفصل السادس :

دخل نزلا فاخرا ….جلس في مقعد وثير وراء البلوّر يتابع توقيع الرذاذ على الزّجاج بعبراته ، صوت جورج وسوف يدندن “سيرة الحبّ “، وضوء خافت يبعث في نفس الجالس إلى ذاته شيئا من أريج الذكريات . موج البحر أسود ، وألسنة غضبه تنهش الصخور بوحشيّة ، ولون السماء كئيب الخطوات ، والريح تعبث بستائر الفؤاد ، وصوت الفراغ يدوّي في قيعان النفس ، والهمّ منبسط كجبّانة قديمة على باب الذهن ، واللغة نخلة بين فكّي الفناء تطلّ من نافذة مهشّمة الملامح على الفراغ ، والصهيل الموات يتردّد بين جنبات الأوراق الجالسة القرفصاء في مهبّ الحنين ، وفانوس متآكل الضوء يحضن موج الانحدار من حين إلى آخر من داخل النصّ .

النادل ببدلته السوداء يضفي على المكان مسحة حزن وشاعرية معا ، يطوف بأكوابه بين الأرائك المبثوثة هنا ، وهناك ، وبين كثبان الغواية ، وعارضات الشبق في بهو النزل وصالوناته . تطلّع نحو البحر ، تساقطت أفراحه كأوراق الخريف ، ولولا “سيرة الحبّ ” التي بعثت في أوراق قلبه المتناثرة على أديم دمعته رميم حكاية من حكايا روايته المبتورة لكان نسيا منسيّا . وقفت شخصية روايته بين كثبان أوراقه المتناثرة في مخيّلته بشعرها المسافر في الذكريات ، والدمّ ينزف من أقطار جسدها ، تطلّع في تفاصيل جرحها بقلب مكلوم ، خاطبته ، فجاءها الصوت عبرات من سحيق التراث المغمّس في جليد النسيان .

أضرمت ابتسامة شوق على وجنتيها رغم عمق الجرح ، لعلّها تحرّك بنسيم فجرها أطلال قلمه ، فأفلت شمس الورد بين أحضان الكهف ، وأذّنت الرحلة في الصور المتدافعة على عتبات الجالس في الضياع . طاف بعينيه المثقلتين بين الأصنام الموزّعة في البهو ، محاولا قتل نصّه فيه ، وإخماد صخبه ، ليجمع شتيت أفكاره ، ويحكم ترتيب باقات كلماته قبل مجيء صاحبته الشاعرة . حاول عبثا قتل الرّجل البرنزيّ الواقف في عليائه ، لكنّ صورته وهو يلوّح بعلامات النّصر بين الجموع المهلّلة ، والمتدفّقة من كلّ فجّ عميق عصفت بذاته المضطربة على لوح التوتّر ، وأضرمت وهج المشهد في مخيّلته .

دخل عليه النادل خلوته ، طلب قهوة ، أشعل سيجارته التي أشعلت حطب مداده ، وحمله دخان سيجارته على صوت جورج وسوف إلى لوحة كبيرة معلّقة في مدخل النّزل . عجوز يجلس على دكّة قديمة تحت سقف عتيق قدّ من حطب إلى طاولة يحتسي قهوته ، وصخب الصّبيان من حوله يبعث في المكان بهجة ، جمل يطوف حول بئر : يدور … يدور … يدور … والقحط المتصاعد يشرع نوافذه للصبيان المتحلّقين حوله . مكان عتيق يحتلّ أركانه عبق التاريخ ، وأريج الأجداد ، وصهيل الخيول ، وغناء القوافل … عقل الشيخ الطاعن في الألم يدور كدوران الجمل المحموم ، يذرع ذاكرته ، أو هكذا يبدو من خلال اللّوحة .

وتضرم الأيّام ذئابها في ملامحه ، وتشعل الرّيح مخالب الوقت في برد الطريق من حوله . وحده يصارع الصدى مكبّا على جراحه ، يسير والفحيح ، وقبائل النهايات تضاجع الصّمت ، ووحدته أغنية في الفلاة ، وزورق بعثرته الظلمات ، وهو الجاثم على صمت اللوحة كما المرافئ المهجورة ، لا وجه يحمل تراتيله للشرفات . كان الرذاذ يرسم على وجه البيت العتيق بعض عبراته…جبّانة ممتدّة في اللوحة توقد في النفس أسئلة متسكّعة .تزاحمت الأسئلة على باب قهقهات الموتى ، وتدافعت القبور نحو الشيخ ، اشتدّ نحيب السماء ، ورقصت الأجداث تحت سماء تزاحمت الأسئلة على باب قهقهات الموتى ، وتدافعت القبور نحو الشيخ ، اشتدّ نحيب السماء ، ورقصت متلبّسة بغيمة شريدة… والجمل على عادته : يدور … يدور… يدور… تعب يطلّ برأسه الشوكيّ من حين إلى آخر من تحت جبل قرب البيت العتيق ، والبرد ينهش وجه اللوحة ، والجبل باسط صمته يضمّد جراح الوجود . صوت أنين الدّم قادم من هناك ، والريح تعصف بأحلام الذئاب ، والعجوز يحمل وجهه وشم البلد ، وبقايا حيرة ، وصدى زغاريد ، والجمل في مكانه : يدور … يدور… يدور… العجوز الجاثم على صدر اللوحة كنخلة تائهة في المدى ، يتهجّى بعسر دروب القمّة كامرأة فقدت شفتيها لحظة اللقاء ، يجلس في محراب الدم المسفوك كطائر منح جناحيه للحفر ، وفي نفسه شيء من أنثى منكسرة الوجدان يرسم أحلامه على رمل الهزيمة بدماء الولدان، والثكالى ، وينتظر في شرفة الانحدار مجيء الصبح ، وصوت العويل ، وهدير الأنين يوقّع على بلوّر نافذة الغياب دموعه ، وقوافل اللغات لاذت بالكهوف ، وخلدت للثبات على أنغام الرصاص ، وقوافله متعبة ، والزاد فؤاد ، وبعض ماء ، وحمامة تتهجّى على مذهبه البياض. على قبر الأحلام تراقص وردة صباحه السراب ، وامرأة أنيقة من غابر الزمان ، موغلة في صحرائها ، وخيامها ، وأطلالها تدفع بالنفوس دفعا جميلا نحو الشمس ، في زمن امتلأ فيه الرحب عواء ، ونباحا ، ونقيقا باسم الشمس ، والشمس ضباب ، والنخل في هجير الصمت المخيّم على اللوحة يدقّ مسامير نعشه ، والجمل في مكانه : يدور … يدور… يدور… وتشرق الآلام من كفّ العدم ، وتبعث بخصلات شجنها على رؤوس الجبال وشقوق الذاكرة ، فتبعث فيه الانحدار ، وتحتلّ أشعّة الكآبة مضجعه ، فتتمطّى الخيبة في سرير الأسئلة تغالب تارة حيرة عاتية ، وطورا سعير الدروب . إنّه الحزن يترع الكؤوس بنبيذ الصمت ، ويبثّ في مفاصل اللوحة دبيب الموت ، فتغادر سكينتها ، وتقف في فناء الاضطراب ، لتستقبل عدما جديدا ، والجمل في مكانه : يدور … يدور…. يدور … انتقل إلى لوحة أخرى بجانبها شدّته إليها بألوانها ومناخاتها الغامضة : إمرأة عارية إلاّ من انسيابها ، تقف وسط اللّوحة بصلف أنثويّ ، ومن حولها كثبان الرّمل تلعق بشراهة تخوم جمالها ، أمعن فيها النّظر ، فاجتثّته أشعّة الألوان من أريكته . دخل اللّوحة من باب الشّطح ، مزّق توتّره ، وألقى به على الرّمل ، وامتدّت نحوه يد ناعمة لترسم على جذعه آيات العري ، اقتحمه الخجل للوهلة الأولى . فتح الفجر أزرار ليله الكثيف ، وألقى به خرقة مبتورة المعنى على ربوة اللّوحة ، ورقص رقصة الريح على صفحة الماء ، وغرّدت الأفكار على فنن البوح ، وقبّلت الشمس جبين السّماء في حياء ، ورسمت وجهها الصّقيل على جدران الجسدين المبثوثين على رمل الألوان داخل اللوحة . ذابت الأشجان ، وأشرقت الصبايا حول بئر الغياب لتبثّ فيه أشواقها والأرحام ، وترتّل على مسامع الواقفين في العري آيات الماء ، وصبيان الحيّ كما الفراشات يطوفون بين أعمدة الخيال بفوانيس حبريّة الهوى ، وفتح القمر أبواب عرينه للوافدين ليكتبوا بأجسادهم تفاصيل وجدهم على باب الكلام ، خيّم الحرف على الفضاء ، والثّغر المتيّم بالصّباح أضرم الحياة في برد فؤاد الواقف في محراب الجسد ، فبعث من بين شقوق رماد الدرب القول صقيلا .

ابتسمت في وجهه مرّة أخرى ، وامتدّت يمناها نحوه بتفّاحة الكلام ، تردّد في البداية ، لكن فحيح الغواية فيه هزمه . فنسج من خيوط الشمس ضحكة رضيع ، ونفخ من مداد الماء في أجنحة الطير ، وعبّد مسالك قلبها للياسمين ، وفرش آماله تحت ظلّ رؤية وردية ، فامتطت في غفلة منه جياد الصباح ، وانطلقت تحت سماء شهوته نحو الإمتداد ، فانتصبت لذّة الحياة فيه . تبعها ، اقتفى آثار غنجها ، شدّته مفاتن الوليمة إلى مدّها وجزرها ، فأنسته لعبة الغواية موعده في البهو مع صديقته الشاعرة ، وطهّرته طقوس رقصها من بذور ذكرى نصّه ، كما ردّته إلى لحظة الماء ، فذاب في طويّته التي خضّبت أحلامه بمدائن من زبرجد ، ونخل ، وماء ، وشيّدت على شاطئ الأماني فيه طرقا للعاشقين ، ونفخت في ترائب الفجر أجنحة من طين اللغات ، ورسمت على ثغر الوجود بالثلج خرائط للمشرّدين ، ورفعت القمر في عليّين ، وجعلت من قلب الواقف في مهبّ عريه مرافئ لعرائس البحر ، وحكايا الأوّلين ، وزرعت في الكهوف نار القرى ، ورتّلت في سكون الحيرة آيات من دفاتر القبائل على مسامعه ، فعرّجت حروفه على ديار الأحبّة ، ومال الفؤاد ، وزفّ الحنين للمكان صهوته ، والصهيل ، وهزّه غناء العارية على كثبان الرمل ، ودغدغه نسيم الشرق القديم ، فأينعت فيه تباشير الفرح ، وأشرقت أنامل الوجود لتخطّ بعيد الفجر الأوّل على أديم روحه خطوط الحياة ، فدندن على أوتار لبّه خصلات شعر غجريّ يسابق سفن الصباح …. فنهض ، ومن بعده نهضت رفيقته في اللّوحة ليستقبلا رياح اللّقاح في معبد الربيع تحت مطر ابتسامات العذارى ، والنسيم الشوكيّ يداعب شجرة ثكلى هناك في مكان قصيّ من اللّوحة ، وذئاب الساعة حولهما ، كما العقارب يتقدّمون نحو بهجة تائهة ، ويمدّون نحوهما مخالب قدّت من طين الفناء ، ورضيع في الخيال المحموم يمتصّ حلمة غد تليد على ربوة الوقت الضليل .

توقفت على ضفّة صاحبها المزمّل في العري ، صفّفت أحلامه المبعثرة بعناية أنثى متبرّجة ، وتعطّرت بأريج اللغات على باب السؤال ، ورسمت لروحه أجنحة من نور ، ولبوحه دروبا موشّحة برائحة الخزامى ، وللصباحات الورديّة تراتيل من حلل سندسيّة . وجلسا معا على صخرة الأحلام ينتظران شروق الأنغام ، والوجود من حولهما عقد من ضياء في جيد الأرض ، وأنهار أغاني الرّعاة مترعة بأريج الآتي ، والأفكار منتشرة في الأراضي الممتدّة ، وبين الشّعاب ، تمرح الحروف في حقول المعنى ، والشمس بمائها توقّع على ناي روحيهما أمنيات للعاشقين ، وحرير الحكايا ينسج حولهما الأشواق سرب حمام محمّل بفاكهة الفجر . حملت بيمينها نخلة ، وهو من ورائها كما ظلّها . تقدّما نحو الفضاء ليزرعا النخلة ، ولكن هاتفه الجوّال أخرجه من اللوحة مسرعا ، رفع السّماعة : – آلو … من معي ؟ – المستشفى – وماذا وراءكم ؟ – لقد عثرنا على رقم هاتفك في وثائق السيدة الشاعرة … فاتصلنا بك … لعلّك تساعدنا أو تدلّنا … – ماذا ؟ – الشاعرة ماتت في حادث مرور … والجنين الذي في بطنها بخير …

Related posts