#الخيط_المقطوع لـ #هدير_خالد

كم ترهقنا التفاصيل وتسلب أرواحنا ليس ألمًا وليس دمعًا إنما تنتهك راحتنا ولذة فرحتنا، تبكينا في صمت بين الحين والآخر ثم تغادر في جفاء مطلق وكأن شيئًا لم يكن! فجميع المشاعر التي نختبرها يومًا ما هي إلا تفاصيل صغيرة تكون في بدايتها كطفلة رضيعة تريد أن يهتم بها أحد لتصبح شابة يومًا ثم عجوزًا في اليوم الذي يليه ومؤكد أن البذور تختلف أو لعلها قد لا تتشابه فمنها من يسقى بماء عذب فينضج وردًا وفرحًا ومنها من يروى بماء فاسد فيأتي بشوك وعذاب!.
(في عالم موازٍ للعالم الذي نعيش فيه يسكن رجل وامرأة في بيت صغير به حديقة جميلة مليئة بالزهور الخلابة ذات رائحة ذكية تجعل فصل الصيف محببًا إلى النفوس وتجعل من فصل الشتاء كرجل مريض أصابه الوهن لشهور عدة ولكنه رغم ضعفه جميلًا تحب الزوجة زوجها إلى درجة لا تعلمها وتخاف أن تدركها يومًا فتراها عالية فتبدأ في النقصان ولكن زوجها لا يهتم بشيء أو دعونا نقول أنه يهتم بالجميع سواها وهي أمام حبه عاجزة وهي في ذروة شبابها).
* حبيبة: ألن تعود باكرًا اليوم يا حبيبي؟!.
* إسلام: لا.. لن أستطيع يا حبيبة لدي مشروع يجب أن أسلمه اليوم.
* حبيبة: وفقك الله يا نبض قلبي.
* إسلام: أقبلي يا حبيبة!.
* حبيبة: نعم.
* إسلام: أتمانعين إن سألتك سؤالًا غريبًا بعض الشيء؟!.
* حبيبة: لا.. مؤكد لن أمانع ما سؤالك؟!.
* إسلام: إني أعلم بمدى تقصيري معك فمنذ زواجنا الذي استمر ثلاث سنوات وأنتِ التي تقدمين لي كل شيء وأنا لا أتذكر يومًا أنني بذلت جهدًا لإسعادك ولكن مقابل ذلك أجد عطاءك يزيد ويزيد فلماذا؟!.
(تتجه نظرات حبيبة إلى الأرض محاولة أن تخفي دموعها التي تخونها دائمًا وكأنها نساء خلف أسوار مشيدة تخرج بين الحين والآخر لتتنفس بعضًا من الحرية قبل أن تحبس من جديد ثم تقول له بصوت خافت..).
* حبيبة: لعلك لا تحبني مثلما أحبك أو لعلك تتخطى هذه الدرجة وتعشقني ولكنك لا تستطيع أن تعبر لي وفي الحالتين لا يهمني سوى ما أقدمه لك وأن أكون أحب النساء إلى قلبك!.
(ظهر الخوف الشديد في عين إسلام وزادت ضربات قلبه وكأن صوته أصبح أشبه بصوت عجلات قطار يسرع لأن به محبوب يتعجل لرؤية محبوبته ويا لها من سرعة عندما يكون الشوق هو الغالب! ودار صراع بعقله متسائلًا: #ماذا_تقصدين_بأحب_النساء_إلى_قلبي_يا_حبيبة!).
* حبيبة: الساعة قاربت على الثامنة ستتأخر على عملك يا نور عيني.
(في شرود وبيد مرتعشة يجمع إسلام أوراقه قائلًا..).
* إسلام: مع السلامة يا حبيبة.
***
(بعد مغادرة إسلام تسرع حبيبة إلى غرفتها جاهشة في البكاء تشعر بخوف شديد وكأن هذه الشمس التي عبرت من أجلها جميع الجدران وتلك الستائر البيضاء لم تكن كافية لتشعرها بالطمأنينة والأمان تردد بصوت ضعيف مستسلم: لماذا فعلت هذا يا إسلام؟! فلم أقصر في حقك ولو ليوم واحد، ابتعدت عن الجميع لأكون بجوارك فقط، لم أمانع للحظة أن أكون لك خادمة وزوجة مطيعة وأمًا وأختًا وصديقة ولم أتردد في أن أكون لك النور عندما تتملك منك العتمة وأن أكون القوة عندما تعطيك الحياة من ضعفها ما شاءت فلماذا تخونني!! لماذا تسلب كرامتي طوال هذه الفترة!! فهل من محب للحبيب جارحًا وهل من طبيب للمريض شاقيًا! وقطع هذه المأساة التي تعيشها حبيبة من ثلاثة أيام صوت هاتفها مكتوب على شاشته ياسمين).
* حبيبة: نعم يا ياسمين!.
* ياسمين: أتبكين يا حبيبة؟! ألم أقل لك أنه لم يستحقك يومًا ولم يفكر سوى في شهواته ومغامراته فقط وأنك كنت فقط وسيلته للاستقرار لكي يشعر بأن رغم عصيانه مازال في قلبه نطفة من الإيمان!.
* حبيبة: لا أبكي على ما فعله يا ياسمين بل إن قلبي مقهور على عمر ضاع منه ثلاث سنوات هباء مع رجل لم يحبني يومًا ولم ينتبه لوجودي بجواره سوى في الآونة الأخيرة عندما شعر ضميره ببعض من الإجهاد والخزي.
* ياسمين: متى ستخبريه؟!.
* حبيبة: الليلة.
***
(ذهب إسلام إلى موقعه الجديد ولم يجد إجابة لسؤاله هل علمت حبيبة ما ارتكبته من ذنب في حقها! وإن علمت لماذا لم تقل لي! وكيف علمت من الأساس! وماذا كانت تقصد بجملة أريد أن أكون أحب النساء إليك! أااااااه لو تعلمين كم نادمًا على ما فعلته يا حبيبة وإنني لا أتمنى سوى مغفرتك وأن تعطيني فرصة ثانية لأكون الرجل الذي تمنيتيه منذ سنوات، الرجل الذي قتلت صورته الطيبة داخل روحك لأزرع وجهًا زائفًا لم يكن هذا الوجه سوى وجهي! يا رب هدايتك، وصل إسلام إلى مكتبه وألقى التحية إلى زميله أحمد قائلًا..).
* إسلام: السلام عليكم.
* أحمد: وعليكم السلام يا إسلام ماذا حدث؟ لماذا تبدو منزعجًا إلى هذا الحد؟!.
* إسلام: أشعر أن زوجتي علمت بكل شيء.
(رد أحمد في ذهول قائلًا..).
* أحمد: أتقصد أنها عرفت بخيانتك لها!.
* إسلام: نعم.. أشك في ذلك.
(ثم قال أحمد وقد تملكه شعور اللامبالاة..).
* أحمد: وإن علمت حقًا طلقها فلن تخسر شيئًا.
(غضب إسلام مما قاله أحمد وقال بنبرة قاسية..).
* إسلام: كيف تقول ذلك يا أحمد؟ حبيبة زوجتي ولن أطلقها مهما حدث.
* أحمد: أعتذر لك يا إسلام ولكن إن كنت تحبها لهذه الدرجة لماذا لم تَصُنْ حبها!.
(وضع إسلام رأسه بين يديه في ضجر وخوف شديد تملكه عندما أحس أن حبيبة قد تبتعد عنه وقال..).
* إسلام: كل ما فعلته كان لحظة إدمان فلقد أدمنت على ارتكاب الخطأ مهما كانت درجته وما كان يحرق روحي من الداخل هو أن بعد ما أفعله طوال اليوم أذهب إلى حبيبة أجدها تصلي خاشعة باكية تدعو وهي بين يدي الله بهدايتي وأن يجعل يومها قبل يومي ولو بلحظة واحدة، أتعلم أنها كانت تقرأ القرآن يومًا فجلست بجوارها واضعًا رأسي على كتفها، أتعلم بماذا شعرت حينها! إنني عاصٍ ورغم ذلك أنعم الله عليَّ بجنة النعيم ولكن خوفي الذي يكاد يفتك بعقلي هو أنني على يقين بأنه لن تدوم هذه النعمة كثيرًا لأنني لا أستحقها.
* أحمد: اطلب منها أن تسامحك.
* إسلام: أنت لا تعرف حبيبة إن طيبتها التي قد تجاوزت حدود الكون لن تجعلها تسامحني بسهولة بعد أن جرحت كرامتها.
***
(في تمام الساعة السادسة، أوشك إسلام أن ينتهي من عمله واستعد للمغادرة ولكن جاء إليه زميله مصطفى وبعد أن ألقى عليه التحية قال له..).
* مصطفى: إسلام! الحمد لله أنني وجدتك، أريد أن أخبرك بشيء حدث منذ ثلاثة أيام، قابلت زوجتك وصديقتها في الطريق وألقيت التحية عليهن وبينما نحن نتحدث وجدناك في الطريق الموازي تسير مع امرأة غريبة الشكل وحاولت أن أنادي عليك ولكنك لم تنتبه وأسرعت زوجتك خلفك وتبعتها صديقتها حاولت أن أتصل بك لكن هاتفك كان مغلقًا..
(ترك إسلام زميله مصطفى وأسرع إلى بيته ويكاد قلبه يخرج من صدره ويعلم أن هذه اللحظات ما هي إلا لحظات خروجه من الجنة فيا له من إحساس يقبض الروح وخاصة إذا كان المصير هو الجحيم! وصل إلى بيته ولم يجد حبيبة ووجد جوابًا مكتوبًا به: (كنت لي كل شيء ولم أكن لك أي شيء، سامحني لأنني أحببتك إلى حد أجهله رغبة مني وليس رغمًا عني؛ لأنني لم أُرِدْ أن أتنازل عنه يومًا، لا تبحث عني فلن تجدني مثلما كنت دائمًا أبحث عنك ولم أجدك وعلمت السبب وهو أنني كنت أبحث عن خيط مقطوع لن يكون بداية ولا نهاية وهذا ما كان بيننا أشلاء خيط مقطوع وما يثبت لك هذا أن اليوم يوم زواجنا كنت أحتفل به كل عام بمفردي والآن قد حان دورك وستجد هديتي أمامك).
فتح إسلام العلبة الموضوعة على المنضدة ووجد بها دبلة زواجه من حبيبة فعلم أن الساعة قد دقت وأغلق باب الجنة في وجهه..
#النهاية:
لم تكن هذه النهاية فبعد خمسة أشهر كان يتم الإعلان عن رواية ناجحة في معرض الكتاب تسمى #الخيط_المقطوع لـ #حبيبة_علي_حسن وتقف الطوابير في انتظار توقيع الكاتبة ومن بينهم زوجها إسلام بعد أن أخذ الحزن من وجهه ما أخذ وفتح صفحة الإهداء فوجد حبيبة كاتبة: (مهداه إلى رجل سلب من عمري ثلاث سنوات وأعطاني طفلًا في أحشائي وخيطًا مقطوعًا) وأدمعت عيناه فرحًا وحزنًا وعندما قابلها سألها وما هي النهاية؟ قالت له: اقرأ آخر سطورها فأسرع في تجاوز الصفحات ليصل لآخرها وقرأ..
#من_يعطيك_روحًا_داخلك_يستحق_أن_تسامحيه_من_أجلها!

Related posts