نجاح الندوة التأسيسية لبرنامج «العام الدراسي».. «المثلث التعليمي» يضع حقوق المعلم والموظف والطالب في ميزان القانون

بقلم  : د. نرمين جمعة

في لقاء حمل رسائل توعوية وقانونية وتربوية مهمة، شهد البرنامج الوطني الشامل «العام الدراسي: بين أصالة الهوية وتقنيات المستقبل» انطلاق أولى فعالياته التأسيسية، ضمن المشروع القومي «حراس الحياة» – مبادرة «نقلة نوعية»، بالتعاون مع نقابة العاملين بالهيئة العامة للاستعلامات، وذلك من خلال ندوة بعنوان:

«المثلث التعليمي وسيادة القانون: حقوق المعلم، الموظف، والطالب في ميزان العدالة».

وجاء اللقاء ليضع قضية التعليم في إطار أوسع من حدود المناهج والفصول، من خلال مناقشة العلاقة بين أطراف العملية التعليمية، وضرورة معرفة كل طرف بحقوقه وواجباته، مع التأكيد على أن سيادة القانون هي الضامن الحقيقي لاستقرار المؤسسة التعليمية وحماية جميع أطرافها.

بداية تحمل قيمة ورسالة

استُهلت فعاليات الندوة بـالسلام الجمهوري، أعقبه تلاوة آيات من القرآن الكريم، في مشهد جمع بين الانتماء الوطني والقيم الدينية والأخلاقية، وهي الرسائل التي يقوم عليها البرنامج منذ انطلاقه.

ثم جاءت الكلمة الافتتاحية لـالمهندس المستشار أشرف نفادي – رئيس المبادرة، الذي رحب بالحضور والمشاركين، مؤكدًا أهمية إطلاق برامج وطنية تستهدف بناء الوعي، وربط المعرفة بالواقع، وفتح مساحات للحوار حول القضايا التي تمس المواطن والمؤسسات بصورة مباشرة.

وأشار إلى أن الاهتمام بالعام الدراسي لا يجب أن يبدأ من أول يوم في المدرسة فقط، وإنما يبدأ من الوعي بحقوق وواجبات كل من يوجد داخل المنظومة التعليمية.

الدكتور مصطفى فرج: الوعي أساس الإصلاح


وتضمنت فعاليات اللقاء كلمة
الدكتور مصطفى فرج – المنسق العام للمشروع، الذي أكد أهمية أن يتحول الوعي بالقانون والحقوق والواجبات إلى ممارسة حقيقية داخل المؤسسات.

وأوضح أن أي منظومة لا يمكن أن تحقق أهدافها دون وضوح الأدوار، وأن بناء بيئة تعليمية مستقرة يحتاج إلى تعاون وتكامل بين الطالب والمعلم والموظف والإدارة، بعيدًا عن العشوائية أو تضارب الاختصاصات.

وأكد أن الهدف من مثل هذه اللقاءات ليس فقط تقديم المعلومات، وإنما صناعة وعي قادر على التعامل مع المشكلات بطريقة صحيحة وقانونية.

اللواء محمد سليمان الموجي.. المحور الرئيسي للندوة

ثم جاءت المحاضرة الرئيسية التي قدمها سعادة اللواء أ.د. محمد سليمان الموجي – دكتوراه في القانون الجنائي وحقوق الإنسان، ومحاضر بأكاديمية الشرطة، والتي تناول خلالها مفهوم «المثلث التعليمي»، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم العلاقة داخل المؤسسة التعليمية.

وأوضح أن هذا المثلث يقوم على ثلاثة أطراف رئيسية:

الطالب.. المعلم.. الموظف.

وأن نجاح العملية التعليمية يتطلب تحقيق التوازن بين حقوق هذه الأطراف وواجباتهم، لأن اختلال ضلع واحد من أضلاع المثلث ينعكس بالضرورة على المنظومة بأكملها.

الطالب.. حق في التعليم ومسؤولية في السلوك

وأكد اللواء محمد سليمان الموجي أن الطالب له حقوق أصيلة في الحصول على التعليم، والرعاية، والحماية، ووجود بيئة تعليمية آمنة ومحترمة، لكنه في المقابل يتحمل مسؤولية الالتزام بالقواعد المنظمة للعمل المدرسي، واحترام المعلم والعاملين، والالتزام بالسلوك الذي يحفظ حق الآخرين في التعلم.

وهنا تتضح قاعدة مهمة:

لا توجد حقوق بلا مسؤوليات، ولا مسؤوليات بلا حقوق.

وهو مبدأ تؤكده كذلك اللوائح المنظمة للانضباط المدرسي، والتي تستهدف تنظيم حقوق وواجبات الطلاب وأولياء الأمور ومسؤوليات وصلاحيات العاملين بالمدرسة، مع التأكيد على احترام حقوق جميع المشاركين في العملية التعليمية. ⁠)

المعلم.. رسالة سامية وليست مجرد وظيفة

وكانت مكانة المعلم واحدة من أبرز الرسائل التي حملتها الندوة.

فالمعلم ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل وينصرف، وإنما هو صاحب رسالة تتصل مباشرة ببناء الإنسان وتشكيل وعي الأجيال.

المعلم هو من يشرح، ويربي، ويوجه، ويكتشف الموهبة، ويزرع قيمة الانضباط، ويساهم في تكوين شخصية الطالب.

ومن هنا جاءت الدعوة إلى ضرورة احترام رسالة المعلم، والحفاظ على مكانته، وتمكينه من أداء دوره الحقيقي، وعدم تحويله إلى أداة لتنفيذ مهام بعيدة عن طبيعة عمله أو تخصصه، إلا في إطار ما تسمح به القوانين واللوائح والقرارات المنظمة.

فكلما احترمنا المعلم.. احترمنا التعليم نفسه.

لا يجوز أن تضيع الرسالة بين الأعباء الإدارية

ومن النقاط المهمة التي أثارتها الندوة ضرورة التفرقة بين العمل التعليمي وبين الأعمال الإدارية أو الخدمية التي قد تُسند إلى المعلم بصورة تؤثر على أدائه الأساسي.

فالهدف ليس رفض التعاون داخل المؤسسة، وإنما التأكيد على أن توزيع المهام يجب أن يكون منضبطًا، واضحًا، ومتوافقًا مع الاختصاصات والقواعد المنظمة.

والمعلم الذي نطالبه بصناعة جيل جديد يحتاج إلى أن نوفر له الوقت والطاقة والبيئة التي تمكنه من القيام برسالته على الوجه الأكمل.

الموظف.. ضلع لا غنى عنه في المنظومة

أما الموظف الإداري، فقد أكدت الندوة أنه يمثل ضلعًا أساسيًا في المثلث التعليمي.


فالإدارة المدرسية تحتاج إلى موظف يعرف اختصاصه، ويدرك مسؤولياته، ويحافظ على المستندات والإجراءات، ويتعامل مع الطالب والمعلم وولي الأمر وفق الأطر القانونية والإدارية.

وبالتالي، فإن بناء مؤسسة تعليمية قوية لا يعني الاهتمام بالمعلم وحده، وإنما يعني إعادة ضبط العلاقة بين جميع العاملين داخل المؤسسة، بحيث يعمل كل شخص في حدود اختصاصه، ويتحمل مسؤوليته، ويحصل في الوقت نفسه على حقوقه.

ماذا يفعل المعلم أو الموظف عند حدوث مشكلة؟

ومن الجوانب العملية المهمة في المحاضرة، توضيح أن مواجهة أي مشكلة وظيفية يجب ألا تتحول إلى صدام أو رد فعل انفعالي، وإنما تبدأ من الإجراء القانوني الصحيح.

فالقاعدة المهنية تقول:

وثّق.. قدّم طلبك.. اتبع التسلسل الإداري.. ثم تظلّم من خلال القنوات القانونية إذا لزم الأمر.

أي مشكلة يجب أن يكون لها مسار واضح، سواء من خلال الإدارة المباشرة أو الإدارة التعليمية أو الجهات المختصة بحسب طبيعة الواقعة.

كما أن وزارة التربية والتعليم توفر قنوات رسمية لتلقي شكاوى الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والعاملين، وهو ما يؤكد أهمية اللجوء إلى المسار المؤسسي بدلًا من التعامل الفردي مع المشكلات. (Ministry of Education⁠)

المال العام داخل المدرسة.. مسؤولية لا مجال فيها للاجتهاد

وتطرقت الندوة كذلك إلى ملف مهم يتعلق بالإنفاق والموارد المالية داخل المدارس.

وأكدت المناقشات أن أموال المؤسسات التعليمية يجب أن تُدار من خلال الأطر القانونية والمالية المعتمدة، وأن أي موارد أو مبالغ يتم التعامل معها داخل المدرسة يجب أن تخضع للقواعد والإجراءات الرسمية، بعيدًا عن العشوائية أو التحصيل غير المنضبط.

وفي هذا السياق، يأتي الاهتمام البرلماني والمجتمعي بملف تمويل التعليم وحوكمة الإنفاق، باعتبار أن تطوير التعليم لا ينفصل عن توفير الموارد اللازمة له وحسن إدارتها.

كما أن الدولة تتعامل مع التعليم باعتباره استثمارًا مباشرًا في الإنسان، وهو ما ظهر في مناقشات مجلس النواب المتعلقة بالموازنات والحسابات الختامية، وفي الاهتمام بتطوير البنية التعليمية وتحسين كفاءة الإنفاق. (Parliament of Egypt⁠)

التبرعات.. لا بد من إطار قانوني واضح

ومن الرسائل التي تستحق التوقف أمامها أن أي مساهمات أو تبرعات للمدارس لا ينبغي أن تتحول إلى ممارسة إجبارية أو تحصيل خارج الأطر الرسمية.

فالمدرسة مؤسسة عامة لها نظمها المالية والإدارية، وأي موارد مالية يجب أن تكون معلومة المصدر، ومشروعة، وموثقة، وتحت الرقابة وفق القواعد المنظمة.

وهنا تتضح أهمية نشر الوعي لدى أولياء الأمور والمعلمين والعاملين حتى لا تختلط المساهمة التطوعية المشروعة بأي صورة من صور الإلزام أو التحصيل غير القانوني.

من «المثلث التعليمي» إلى منظومة متكاملة

الرسالة الأعمق التي خرجت بها الندوة أن العملية التعليمية ليست مسؤولية المعلم وحده.

هي منظومة تبدأ من الطالب، وتمر عبر المعلم، وتدعمها الإدارة والموظف، وتراقبها القواعد والقوانين، وتساندها الأسرة والمجتمع.

وعندما يعرف الطالب حقه وواجبه، ويعرف المعلم اختصاصه وحقوقه، ويعرف الموظف حدود مسؤوليته، وتعرف الإدارة حدود صلاحياتها، يصبح القانون أداة لتنظيم العمل وليس مجرد نصوص على الورق.

«العام الدراسي».. وعي قبل أن يكون موسمًا

وهنا تتجلى أهمية البرنامج الوطني الشامل:

«العام الدراسي: بين أصالة الهوية وتقنيات المستقبل».

فالبرنامج لا يتعامل مع العام الدراسي باعتباره مجرد موعد لبدء الدراسة، وإنما باعتباره مشروعًا متكاملًا لبناء الوعي.

وعي بالهوية..

وعي بالقانون..

وعي بالتكنولوجيا..

وعي بالمسؤولية..

وعي بحقوق الإنسان وواجباته.

وهو ما ينسجم مع الاتجاه العام نحو تطوير المنظومة التعليمية، ليس فقط من خلال البنية التحتية والمناهج، وإنما أيضًا من خلال تطوير الإنسان نفسه ورفع قدرته على التعامل مع متطلبات المستقبل. (Ministry of Education⁠)

نجاح الندوة.. والرسالة مستمرة

لم يكن نجاح اللقاء في عدد المشاركين فقط، وإنما في طبيعة الموضوع الذي تم طرحه، وفي الانتقال من الحديث العام عن التعليم إلى أسئلة حقيقية تمس الحياة اليومية داخل المدرسة.

من هو صاحب الحق؟

من يتحمل المسؤولية؟

ما حدود الاختصاص؟

كيف نحمي المعلم؟

كيف نحافظ على الطالب؟

كيف نضمن احترام الموظف؟

وكيف نطبق القانون دون تعسف أو تجاوز؟

أسئلة كثيرة، لكن يجمعها هدف واحد:

أن تصبح المدرسة بيئة للعلم والاحترام والانضباط، لا ساحة لتضارب الاختصاصات أو ضياع الحقوق.

وفي ختام الندوة، برزت رسالة واضحة يمكن اختصارها في جملة واحدة:

المعلم رسالة.. والطالب أمانة.. والموظف شريك.. والقانون هو الميزان.

ومن هنا يمكن القول إن الندوة التأسيسية لبرنامج «العام الدراسي: بين أصالة الهوية وتقنيات المستقبل» لم تكن مجرد افتتاح لبرنامج جديد، وإنما كانت خطوة عملية في طريق بناء وعي مؤسسي ومجتمعي حول التعليم وحقوق أطرافه ومسؤولياتهم.

فحين نضع التعليم في ميزان القانون، ونضع المعلم في مكانته، ونحمي حق الطالب، ونحترم دور الموظف..

نحن لا نُصلح مدرسة فقط.. بل نبني إنسانًا، ونحمي مستقبل وطن.

رئيس المبادرة:

المهندس المستشار أشرف نفادي

المنسق العام للمشروع:

الدكتور مصطفى فرج

المحاضر الرئيسي:

سعادة اللواء أ.د. محمد سليمان الموجي

دكتوراه في القانون الجنائي وحقوق الإنسان – محاضر بأكاديمية الشرطة

بقلم : د. نرمين جمعه

Related posts