بقلم : نرمين جمعه
بقينا في زمن غريب جدًا…
أي موقف يحصل في الشارع، في المواصلات، في محل، في مدرسة، أو حتى بين اتنين مختلفين… الموبايل يطلع قبل ما العقل يستوعب اللي حصل.
صوّر…
نزّل…
شير…
ابعت للجروبات…
وبعدها ممكن تلاقي نفسك بتتفرج على مشهد عمرك ما كنت هتشوفه بعينيك لو ما كانش حد صوّره.
وهنا السؤال مش: التصوير صح ولا غلط؟
السؤال الأهم:
إحنا بنوثّق واقع موجود فعلًا؟ ولا إحنا بنخلق واقع جديد كل يوم من خلال اللي بنختار نصوّره وننشره؟
لأن الحقيقة إن التصوير كشف لنا طبقة من السلوكيات والمواقف كانت موجودة، لكن ماكنّاش بنشوفها بالحجم ده.
مش معنى إننا ماكناش بنشوفها إنها ماكنتش موجودة…
لكن زمان كان الموقف بينتهي بانتهائه.
دلوقتي الموقف ممكن يعيش سنين.
يتصور.
ينتشر.
يتعاد.
يتحلل.
يتريقوا عليه.
ويتعمل منه ترند.
وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.
«صوّر زي ما إنت عايز… بس روح اعمل بيها محضر»
أنا مش ضد إن حد يوثق واقعة اعتداء أو جريمة أو انتهاك.
بالعكس، أحيانًا التصوير ممكن يكون وسيلة لإثبات حق أو كشف واقعة.
لكن فيه فرق كبير بين إنك توثق عشان تحمي حق، وإنك تصور عشان تفضح إنسان وتوزع فضيحته على الإنترنت.
لو عندك واقعة تستحق المحاسبة…
صور زي ما إنت عايز، لو كان التصوير مشروعًا وآمنًا، وروح اعمل بيها محضر.
لكن ليه ننشرها في كل الجروبات؟
ليه نحول الإنسان لمادة للفرجة؟
ليه نخلي العقوبة الاجتماعية أضعاف العقوبة القانونية؟
وليه ندي لنفسنا حق إصدار الحكم على الناس من خلال فيديو مدته 30 ثانية، من غير ما نعرف اللي حصل قبله أو بعده؟
طب ليه كل ما نفتح السوشيال ميديا نلاقي خناقة؟
سب وقذف…
تنمر…
فضائح…
ألفاظ خارجة…
مشاهد غير أخلاقية…
ناس بتتصور وهي بتتخانق…
وناس بتضحك على مصيبة غيرها…
وناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان كام مشاهدة وكام لايك.
المشكلة مش بس في وجود المحتوى ده.
المشكلة في كثافة التعرض ليه.
لأن عقل الإنسان بيتأثر باللي بيتكرر قدامه.
الحاجة اللي كانت بتصدمك أول مرة، ممكن بعد عشر مرات تبقى عادية.
والكلمة اللي كنت تستنكرها، ممكن بعد ما تسمعها كل يوم تبطل تستوقفك.
والمشهد اللي كنت تعتبره غير مقبول، ممكن مع كثرة ظهوره يتحول في دماغك من «مرفوض» إلى «موجود»… وبعدها، عند بعض الناس، إلى «عادي».
وده أخطر تغيير ممكن يحصل.
مش إنك توافق على الغلط…
لكن إنك تبطل تستغربه.
وهنا ندخل في الحتة الأخطر…
السوشيال ميديا مش بس بتعرض لنا المجتمع.
السوشيال ميديا بتختار لنا أي جزء من المجتمع نشوفه أكتر.
والخوارزميات بطبيعتها بتحب المحتوى اللي يثير الانفعال.
الخناقة تشد.
الفضيحة تشد.
الصدمة تشد.
الجدل يشد.
أما الإنسان المحترم اللي بيروح شغله، ويراعي بيته، ويساعد حد، ويفعل الخير في هدوء…
غالبًا مش هيعمل ترند.
فتبدأ الصورة عندنا تتشوّه.
نقعد طول اليوم نشوف أسوأ ما في الناس، فنبدأ نتصور إن ده هو المجتمع كله.
مع إنه مش الحقيقة.
دي نسخة منتقاة من الحقيقة.
والأغرب من كده…
لما حد ينشر حاجة إيجابية.
حد يساعد كبير سن.
حد يتبرع.
حد ينجح بعد تعب.
حد يعمل مبادرة.
حد يربي أولاده بشكل محترم.
حد يتكلم عن الأخلاق أو المسؤولية…
تلاقي واحد داخل يقول:
«كلام وخلاص.»
«مثالية زيادة.»
«إحنا عارفين الدنيا عاملة إزاي.»
طب ليه؟
ليه السلبي عندنا «حقيقي» والإيجابي «تمثيل»؟
ليه لما نشوف شخص بيعمل غلط نقول:
دي الحقيقة.
ولما نشوف شخص بيعمل صح نقول:
ده استثناء.
إيه التركيبة الغريبة دي؟
إحنا محتاجين نراجع «جرعة» اللي بندخلها لعقولنا
زي ما الجسم بيتأثر بالأكل اللي بناكله…
العقل كمان بيتأثر بالمحتوى اللي بندخله له كل يوم.
مشهد وراء مشهد.
خبر وراء خبر.
شتيمة وراء شتيمة.
فضيحة وراء فضيحة.
تنمر وراء تنمر.
وبعدين نستغرب إن مزاجنا بقى أسوأ، وثقتنا في الناس قلت، وصبرنا قل، وطريقة كلامنا اتغيرت، وحكمنا على الآخرين بقى أسرع وأقسى.
إحنا مش آلات.
والتكرار له تأثير.
خصوصًا على الأطفال والمراهقين، لكن مش هما بس.
الكبار كمان بيتأثروا.
«بس ده الواقع!»
الجملة دي محتاجة وقفة.
أيوه، ده جزء من الواقع.
لكن هل لازم كل واقع يتعرض؟
هل كل حاجة نشوفها لازم نصورها؟
هل كل حاجة نصورها لازم ننشرها؟
هل كل حاجة ننشرها لازم نعيد إرسالها؟
لا.

مش كل ما تستطيع تصويره… يستحق النشر.
ومش كل ما هو حقيقي… مفيد إنك تحطه قدام ملايين الناس.
الإعلام عنده مسؤولية.
وصانع المحتوى عنده مسؤولية.
والمستخدم العادي كمان عنده مسؤولية.
لأنك لما تعمل «شير» مش مجرد بتبعت فيديو.
إنت بتساهم في تحديد إيه اللي يستحق الانتشار.
وإحنا محتاجين نرجع نسأل نفسنا سؤال بسيط:
أنا لما أنشر المحتوى ده… أنا بصلّح حاجة ولا بزوّدها؟
لو فيه جريمة، بلغ.
لو فيه اعتداء، وثّق بشكل مسؤول وسلّم الدليل للجهات المختصة.
لو فيه خطر على الناس، حذّر.
لكن لو الهدف مجرد فضيحة، سخرية، تشهير، أو فرجة…
فاسأل نفسك:
أنا كده بحارب السلوك ده… ولا بنشره لدرجة أخليه جزء من يومنا؟
لأن أخطر حاجة ممكن تحصل لأي مجتمع…
مش إن الغلط يظهر.
الغلط كان موجودًا دائمًا.
الأخطر إن الغلط يتكرر لحد ما العين تتعود عليه… والعقل يبطل يرفضه.
وفي المقابل…
كل مرة ننشر فيها قيمة، أو موقف محترم، أو نجاح، أو مساعدة، أو إنسانية، إحنا بنقول إن ده كمان موجود.
وإن المجتمع مش بس خناقات وفضائح.
فيه ناس محترمة.
فيه ناس بتساعد.
فيه ناس بتشتغل.
فيه ناس بتربي.
فيه ناس بتجتهد.
وفيه خير كتير جدًا…
بس الخير مش دايمًا بيزعق.
يمكن مشكلتنا مش إن المجتمع اتغير بالكامل…
يمكن مشكلتنا إن عدسة الموبايل بقت بتكبر لنا جزءًا منه، وإحنا صدقنا إن الجزء هو الكل.
فالسؤال الحقيقي مش:
«إنت مع التصوير ولا ضده؟»
السؤال:
إنت بتستخدم الكاميرا عشان توثّق الحقيقة… ولا عشان تصنع واقعًا يتفرج عليه الناس؟
لأن الكاميرا ممكن تكون شاهدًا على المجتمع…
وممكن، من غير ما ناخد بالنا، تكون واحدة من الأدوات اللي بتغيّره
