من صفحات الأصدقاءكيف أثر إليوت في شيكسبير؟

 

 

من صفحات الأصدقاء

كيف أثر إليوت في شيكسبير؟

بقلم دكتور / أحمد حسن صبره 
استاذ الدراسات العليا جامعة أم القري

 

بدا السؤال مفاجئا لبعض طلبتي في مرحلة الماجستير وأنا أطرحه عليهم في إطار مادة “الأدب المقارن”، يعرفون أن إليوت ينتمي إلى القرن العشرين، بينما مات شيكسبير في العام 1616، وبحسب مفاهيم المدرسة الفرنسية فإن السؤال يجب أن يكون معكوسا، وكنت أنتظرهم حتى ينتهوا من كل هواجسهم، ثم أؤكد لهم أن صيغة السؤال صحيحة، وأن هناك اتجاها الآن في الأدب المقارن يحاول أن يعيد الحياة إلى المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن بعد أن تأثرت بشدة بعد مقالة رينيه ويليك الشهيرة عن “أزمة الأدب المقارن” التي كانت إيذانا ببدء مرحلة جديدة، ما يسمى الآن بالمدرسة الأمريكية في الأدب المقارن.
مفهوم التأثير مركزي في المدرسة الفرنسية، وخلاصته أن هناك أعمالا أدبية مهمة تأسست على أعمال سابقة عليها، وأن من واجب الدارس أن يبحث عن أصول هذه الأعمال ويبين أوجه التشابه والاختلاف، ومدى نجاح اللاحق في احتذاء السابق، وربما التفوق عليه، ويضربون مثلا في هذا السياق بالكوميديا الإلهية التي قالوا إنها تأثرت بطريقة ملتوية برسالة الغفران لأبي العلاء المعري. وكل هذا يرتبط بالمبدع والطريقة التي يتأثر بها. أما الاتجاه الجديد في المدرسة الفرنسية فيحاول أن ينقل هذ المفهوم إلى المتلقي؛ كيف يمكن للمتلقي أن يعيد تقييم تجربة شعرية قديمة على ضوء الأشكال الشعرية الجديدة التي يقرؤها الآن؟ وهم يستشهدون في هذا بمثال إليوت وشيكسبير. هذا التوجه أكثر صعوبة في البحث مقارنة بالتوجه القديم الذي يركز على المبدع، لكنه ممكن وممتع.
مناسبة هذا الكلام هو أننا يمكن أن نأخذ هذه الفكرة: تأثير اللاحق في السابق، ونطبقها على مجالات كثيرة نعيد فيها تقييم ما سبق، والحالة الشائعة الآن في “السوشيال ميديا” هي حالة جمال عبد الناصر. لقد ظل هذا الرجل “زعيما ملهما” لقطاع كبير من الناس حتى لهؤلاء الذين ولدوا بعد وفاته، إلى أن أُجهضت ثورة 25 يناير، وتحكم في الدولة الأبناء الطبيعيون لمن قاموا بثورة يوليه، على وعد بأن نرى مصر “أد الدنيا”. ثم أصبحت الأحوال على ما نعرف جميعا. هنا كانت المقارنة طبيعية ومشروعة، أعاد شباب “السوشيال ميديا” تقييم تجربة السابق “عبد الناصر” على ضوء اختيارات اللاحق “السيسي”. وبدأت صورة عبد الناصر تهتز بشدة حتى تمنى أحدهم بأنه لو عاد به الزمان لتمنى أن يعود إلى ما قبل العام 1952 حتى يبلغ الملك فاروق عن “تنظيم الضباط الأحرار”. تجاهل الشباب كل انحيازات عبد الناصر الطبقية وإنجازاته، ورأوا أنه لم يؤسس لدولة مستقرة، دولة حرة ديمقراطية مستقرة، دولة دستور وقانون، وأنه لو كان قد فعل ذلك، لما وصلنا للحظة 5 يونيه الكارثية، ولما وصلنا حتى إلى لحظة 25 يناير الرائعة، لأنه ما حاجتنا إلى الثورة والأمور مستقرة، والعدالة ناجزة. الآن تتصاعد النبرة ضد عبد الناصر، ويبدو أنها لن تخفت قريبا، وكلما شعر الناس بأن القانون لا يطبق، وأن الدستور تمت إعادة هيكلته لتكريس أوضاع لا يعلم إلا الله إلى ماذا ستؤدي بنا، كلما أشاروا إلى عبد الناصر، وقالوا إنه هو المسؤول عن كل هذا. لا أتمنى أن تحدث ثورة أو حتى انتفاضة جديدة في مصر، أتمنى أن تتغير الأمور بهدوء، وأن يتم إصلاح دستوري وقانوني حقيقي على المدى الطويل، لكن لو حدثت هذه الثورة التي لا أتمناها، فلا أظن أن صورة عبد الناصر سترفع مرة أخرى مثلما فعل بعض الشباب في ميدان التحرير.

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏وقوف‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏نظارة‏‏‏

 

Related posts