عائد من الموت
بقلم _ أمام الشفي
الألم أكبر من أن تحتمله عائلات تحترق قلوبهم المعذبة بعد أن حطمها اليأس حزنا وكمدا والفراق لا يطاق ولا يقوى البدن على احتمال ألم اختطاف جزء منه عنوة ولا يمكن أن تنتزع كبد إنسان أو قلبه أو أصغر شريان من شرايينه قسرا دون أن يقتله الهم والوجع هكذا هي البراعم الخضراء والشموس المشرقة في حياتنا والتي قد تغيب قبل أن يحين وقت الغروب أو هي الأقمار التي تأفل وراء الأفق المبهم وقد لا تعود من جديد بل هم أولئك الزهور اليانعة الذين يختفون أحيانا في ظروف غامضة ثم تأفل الآمال في عودتهم على حياة أسرهم من جديد ليحل حدثا مزلزلا ثقيل الوطئة على كل النفوس المتعبة أو ربما يتجدد ببعض الأمل الضائع لرد الروح فى الجسد ليصبح الحلم الوحيد لهؤلاء رؤية أطفالهم.
الجميع يتناقل فى صمت مطبق قصة الذئاب الثلاثة الذين لم يرحموا توسلات ودموع وعويل وأنين الطالب حسن 17 عاما بالعودة إلي أحضان والديه وقاموا باحتجازه فى مكان مهجور بالقرب من شاطئ البحر المتوسط برشيد بعد ان تجردوا من مشاعر الانسانية واختطفوه تحت تهديد السلاح من أمام مسكن الأسرة وروعوه لأكثر من 10 ساعات مضت كالدهر وباتوا قريرى العين دون أن يؤنبهم ضميرهم أو تتحرك مشاعرهم الجامدة لمساومة والده رجل الأعمال البارز بمدينة رشيدعلي فدية مالية قدرها مليون جنيه لاطلاق سراحه وإعادته سالما.
وجلس الوحوش الآدمية الذين فشلوا فى الحصول على أموال لشراء مواد مخدرة على أحد مقاهى رشيد ينفثون دخان سجائرهم ويشكو كل منهم سوء الأحوال وضيق ذات اليد وعن رغبتهم في ان يعيشوا حياة الكبار وظلوا يفكرون في كيفية الخروج من دائرة الفقر الي الثراء السريع فقادهم شيطانهم الثائر إلي طريق الهاوية وهداهم إلى امتهان جرائم الخطف وسرعان ما بدأوا فى ذلك المخطط الاجرامى وراحوا يحددون فريستهم ويكتبون سيناريو الجريمة فزاغ بصرهم علي طالب كانوا دائما يشاهدونه وهو يستقل سيارة ملاكى أحدث موديل وقام أحدهم برسم الخريطة لشريكيه فى الجريمة.
وبدأوا فى تنفيذ مخطط الخطف حيث راقب المتهم الأول الطريق جيدا بينما أوقف المتهم الثانى محرك “التوك توك” أمام الفيلا التى يقيم بها المجنى عليه منتظرا خروجه وما ان طل بوجهه حتى سارع المتهم الثالث بتتبع خطواته واستدرجه نحو الدراجة البخارية وقاموا معا بشل حركته وأجبروه على التوقف بالاكراه بعد ان ضيقوا الطريق عليه فى منطقة أبو مندور وكمم أحدهم فمه بقطعة من القماش خشية من صراخه وما ان تأكدوا بأنه فقد الوعى حتى تمنكوا من الخروج به من زحام شوارع مدينة رشيد واختطفوه واخفوه داخل غرفة مهجوره بالقرب من برج “النوة”على ظهر شاطئ البحر المتوسط بعيدا عن أعين المارة وسرعان ما شعر الضحية بالرهبة خاصة عندما حل الظلام وأخذ ينادى بصوت أنهكه الاعياء الشديد حتى كاد ان يقتله الخوف والفزع بعد ان قضى ليلة ثقيلة وكئيبة وظل يرتعش بقوة من شديد البرد والفزع بعد ان هددوه بالقتل فى حالة عدم الاستجابة لدفع الفدية وبعد ساعات من الموت الصغير والبقاء وسط الظلام الدامس ومعايشة الذعر فى هذا المكان المرعب.
بدأت المأساة تنسج فخ الحزن المظلم حول الوالدين ليقفا مذهولان بعد ان ودعت عيناهم الفرحة على فقدان حسن الطالب بالمرحلة الثانوية فبعد ان خرج من منزل الأسرة كعادته متجها إلى مدرسته وماهى إلا لحظات حتى اختفى عن الأبصار ولم يعثر له على اثر وما ان بدا الظلام يسدل ستاره على المنطقة حتى كان الجميع يبحثون عنه وسط المدينة ويجوبون التوابع المجاورة دون جدوى ساعات طويلة مرت على الواقعة فقدت فيها الأسرة الأمل فى العثور على نجلهم ربما تعرض لمكروه تسبب فى وفاته أو وقع بين شخص معدوم الضمير اتخذ قرارا بخطفه عدة سيناريوهات دارت فى ذهن العائلة التى فقدت ابنها بين عشية وضحاها وظلا الأبوين يشتمون رائحته ويتلمسون ثيابه ويداعبون صوره ويتذكرون عيد ميلاده ولايجدون سوى الدعاء لعودته سالما دون اشارة جادة على مكانه رغم الجهود الحثية التى بذلتها الأجهزة الأمنية بالبحيرة وتمشيطها للمدينة وتوابعها بعد أن حررا والداه محضرا بالواقعة
وفجأة تواصل أحد الخاطفين مع والدة الطفل عبر الهاتف ومساومتها على مبلغ مالى مقابل اطلاق سراحه وإعادته سالما خاصة أنهم يعلمون بثراء والده ويهددها إذا ما أبلغ الشرطة بإنهاء حياته وبصوت ملتاع تخنقه الدموع تبحث عن الحروف لتكمتل الاجابة شعرت بلوعة ومرارة ابنها الذى سكن حلقه وكأن الخوف قد عقد لسانه فذهبت الى زوجها ليعطى الهاتف للمقدم محمد السيسى رئيس مباحث مركز رشيد ليتتبع مكان الخاطفين وينقذ الطفل من المصير المجهول بينما تمكن النقيب أحمد صابر معاون مباحث رشيد من القبض على احد الجناة الذى اعترف تفصيليا بإرتكابهم الواقعة الذي أربك بكاؤه الخاطفين ودفعهم إلي تكرار الاتصال بوالدته أكثر من مرة مما سهل عملية تحديد مكان المتصل وفى الوقت الذى ابلغهم ان “فيلا” والده محاطة بعدد من كاميرات المراقبة بعد ان حاول أحدهم التخلص منه خشية الايقاع بهم تراجعوا فجأة عن استكمال جريمتهم ومحاولة التخلص منه خوفا من افتضاح أمرهم لتتحول دموع الحزن وقلة الحيلة إلى دمعات فرح تتساقط لاستجابة السماء.
كان اللواء محمد أنور هندى مدير الإدارة العامة لمباحث البحيرة قد تلقى بلاغا من “على س ال” بقيام مجهولين باختطاف نجله “حسن” 17 عاما طالب فى ظروف غامضة من أمام منزله واحتجازه وتلقي والدته اتصالا من أحد الأشخاص على هاتف نجلها المخطوف وطلبه فدية مليون جنيه مقابل إعادته وتوصلت التحريات إلى أن مرتكبى الواقعة هم “ع س م” 28 سنة سائق توك توك و”ه ع ع” 28 سنة عاطل و”ر ص م” 35 سنة صياد وأمر اللواء علاء الدين عبدالفتاح مدير أمن البحيرة إخطار النيابة التى باشرت التحقيقات..