سيدي توفيق بكّار… كبيرنا الذي علّمنا السحر

متابعة سامية بن راشد

مشروع كتابة لرسم ملامح هذا الجبل / توفيق بكّار

بقلم فوزي الديماسي / تونس

هو خزّاف يداعب الحرف ، كما داعب أبو هريرة برودة الرمل ذات فجر في محراب الرقص – رقص الفتاة والفتى عاريين إلّا من عشق الحياة على الكثيب (1) –

رجل تعلّق بالحرف ، ووتعلّق به ، وعاشا معا متلازمين كحالة عشقية سرمديّة ، أو كما الحبّ العذريّ المتيّم بالصباح واللقاء تفاعلهما ، يتبادلان في فلك الكلمات طقوس الفناء وتعبيراته .

أتته اللغة المغناج طوعا ، فركب صهوتها ركوب فرسان الفلاة ، بحثا عن أعلى درجات صفائها ، وما به تكون الحياة حياة على ضفّة الكلم الزّلال.

كان حاله مع النّصوص كحال المجذوبين في حلقات الذكر ، أو كحال المسافر في متون الكتب وثمارها ، يراقص هذا ، ويحاور ذاك محاورة الرفيق لرفيقه في وحشة الطريق .

منهجه حفر في صخر الحروف ، وبناء دؤوب لحصون المداد “عبارة فوق عبارة ” (2) . هو حالة من الجنون النصّي فريدة ، يتقن فنّ الغناء على الغناء ، ولا يحمل بيمينه مشرط النقد ، وأوجاعه ، وإنّما يحملك معه على جناح المتعة إلى أقاصي مدائن الجمال واللذّة .

هو رأس مدرسة في النقد ، لا تشبهها مدرسة ، يأخذ من كلّ شيء بطرف ، حداثيّ ، ملمّ بمدارس الإفرنجة النقديّة ، ومدرك لحدّها وحدودها . متأصّل ، متجذّر في بيئته ، محيط بالدرس النقديّ العربي القديم ومتمثّل له .

إنّه ” عبد العزيز العروي النقدي ” ، يحبّب لك الأدب وأهله ، والنقد وعشيرته ، بأسلوب يراوح مكانه بين الإنفتاح والتأصيل ، يلامس تفاصيل النصوص ومفاصلها بلغة قدّت من بهاء الأفق ، وأريج الكلمات ، إفرنجيّ الهوى في ساحات النقد في غير إسراف ، عربيّ الهوى في غير تقديس ، يخرج عليك من بين أنامل النصوص بلغة متدفّقة ، مخاتلة ، شموس ، ” زعبانة ” ، شاملة ، محيطة بالمسرح وطقوسه ، ومدركة لعالم الرواية ونواميسه ، وعارفة بأرض الشعر وصلواته ، وواقفة على أرض صلبة من حجر السرد ” الصوّان ” .

لغته مسافرة مع الريح تداعب هذا المتن ، وتزكّي بالنصح والملاحظة ذاك ، كما ، تتعاطى مع النصوص بحالة عشقيّة عالية متفرّدة ، تأخذ بيدك مترفّقة ، وكأنّها تهدهدك ، أو تدندن أغنية تونسية ” كحلة الأهذاب ” ، لا عنتريات حداثوية فيها ، ولابكاء على الأطلال والدّمن . تحمل بين جنبيها الأب بملامحه الأولى ، وكذا ترعى نطفة الحداثة وأمشاجها ، وأرجع البصر مرّة أخرى ، فلن ترى الإ الحرف سويّ الخلق لا يشوبه تشويه .

نواسيّ ( أبو نواس ) في منادمته للنصوص ، إذ يعرف المقامات ، ولا يذكر إلا ما يناسبها من المقالات ، معريّ المنهاج ( أبو العلاء المعري ) تقوم معاشرته للكلمات على الشكّ والسخرية والبناء .

كما ” بهلوان السيرك ” يمشي على حبل النقد ، إفرنجيّ الخطوات والهوى ، عربيّ واثق اللغة ،و المبتغى ، لا إفراط في قوله ، ولا تفريط ، جعل من نصّه في عالم النصوص منهجا وسطا ، يبشّر بمدرسة في النقد مبتدعة ، عالية في إنشائيتها ، واثقة في منهجها ، راقية في معاقرتها لفصوص النصوص ، من النصّ ينطلق وإليه يعود .

****
الهوامش :
1- رواية ” حدّث أبوهريرة قال ” لمحمود المسعدي
-2- مقدمة توفيق بكار لرواية ” السدّ ” لمحمود المسعدي

Related posts