حين رفض أن يموت… وقرر أن يحارب السرطان حتى انتصر للحياة
خمس سنوات من الحياة بعد معركة ظن الجميع أنها النهاية!
بقلم الإعلامية شيرين عبدالجواد
هناك بشر لا تكفي الكلمات لوصف قوتهم، ولا تستطيع الظروف مهما بلغت قسوتها أن تكسر إرادتهم. بشر حين تُغلق الحياة أمامهم كل الأبواب، لا يجلسون في انتظار النهاية، بل يبحثون عن باب جديد للأمل.
اليوم لا أكتب عن بطل من الخيال، ولا عن قصة صنعتها السينما، بل عن إنسان حقيقي خاض واحدة من أشرس المعارك التي يمكن أن يخوضها الإنسان… معركة بين الحياة والموت، كان خصمه فيها مرضًا لا يعرف الرحمة: السرطان.
بدأت الحكاية عندما أصيب هذا الرجل بسرطان القولون، ولم يكن المرض في مراحله الأولى، بل كان قد وصل إلى المرحلة الرابعة، وهي أكثر مراحل السرطان تقدمًا، بعد أن امتد إلى مناطق أخرى داخل البطن، حتى وصلت حالته، بحسب ما رُوي لي، إلى مرحلة رأى فيها الأطباء أن التدخل الجراحي لم يعد ممكنًا في ذلك الوقت.
تخيل أن تسمع أن المرض قد انتشر، وأن فرص العلاج أصبحت شديدة الصعوبة، وأن الجراحة التي ربما كنت تتعلق بها لم تعد خيارًا متاحًا!
كم من إنسان يمكن أن تنهار روحه أمام هذه الكلمات؟ وكم من قلب قد يستسلم قبل أن تبدأ المعركة؟
لكن هذا الرجل كان له قرار آخر… لم ينكر خطورة المرض، لكنه رفض أن يجعل الخوف يحكم ما تبقى من حياته.
لم يجلس ينتظر مصيره، ولم يترك اليأس يسكن قلبه. بدأ يقرأ ويدرس ويسأل، ويتعمق في معرفة طبيعة مرضه، ويبحث عن العلاج والغذاء وكل ما يمكن أن يساعده خلال هذه المرحلة.
خضع للعلاج الكيميائي، لكنه لم يكن مجرد مريض ينتظر النتائج، بل كان شريكًا واعيًا في معركته. اهتم بغذائه ونمط حياته، واستعان ببعض المواد الطبيعية، من بينها الكركم وأشياء أخرى ذكرها خلال حديثه عن تجربته.
ولم تكن هذه الوسائل بديلًا عن الطب، ولا يمكن الجزم بأنها ساهمت في شفائه، لكن ما لفت انتباهي هو إصراره على البحث عن كل وسيلة آمنة يمكن أن تساعده في رحلته.
كان يحارب المرض بالعلاج، ويواجه الخوف بالمعرفة، ويتمسك بالحياة بإيمان لا يعرف الاستسلام.
ومع مرور الوقت، بدأت حالته تتحسن مع العلاج الكيميائي، حتى أصبح التدخل الجراحي ممكنًا، وخضع بالفعل للعملية التي كانت مستبعدة في البداية.
ومرت خمس سنوات…
خمس سنوات ليست مجرد أرقام على التقويم، بل أيام وأحلام ولحظات كان يخشى يومًا ألا يعيشها.
خمس سنوات عاد خلالها إلى حياته، وإلى الناس الذين يحبهم، وإلى تفاصيل ربما كانت تبدو عادية في الماضي، لكنها أصبحت اليوم نعمة لا تُقدر بثمن.
إنه رجل لم يسمح لتشخيص مرضه أن يتحول إلى حكم على روحه.
والأجمل أن قصته، كما نُقلت إليّ، أصبحت تثير إعجاب أطبائه، حتى وُصفت بأنها حالة تستحق الدراسة والتأمل.
لكنني أرى أن الدرس الأكبر هنا ليس طبيًا فقط، بل إنساني أيضًا.
فليس كل من اقترب من النهاية انتهى، وليس كل من تعثرت خطواته سقط، وليس كل من أُغلقت أمامه الأبواب فقد حقه في المحاولة.
وهذه القصة ليست وعدًا بأن كل مريض سيحقق النتيجة نفسها، فهناك مرضى يقاتلون بكل شجاعة ولا يستجيب المرض للعلاج، ولا يقل ذلك أبدًا من قوة إرادتهم أو إيمانهم.
إنما هي رسالة لكل إنسان يعيش لحظة انكسار، سواء بسبب مرض أو خسارة أو فشل أو ظروف جعلته يشعر أن الحياة انتهت.
لا تجعل اليأس يسكن قلبك.
قد لا تملك تغيير كل الظروف، لكنك تملك أن تبحث عن فرصة، وأن تتمسك بما هو ممكن، وأن تطلب المساعدة، وأن تواصل الطريق ما دامت أمامك خطوة تستطيع أن تخطوها.
فالقوة الحقيقية ليست أن تضمن الانتصار في كل معركة، بل أن ترفض أن يهزمك الخوف قبل أن تخوضها.
وأنا شخصيًا أتمنى أن تسمح ظروف هذا الرجل يومًا بأن يخرج ويتحدث عن تجربته بنفسه، ليس ليقول للناس إن الشفاء مضمون، ولكن ليحكي كيف عاش تلك الأيام، وكيف واجه الخوف، وكيف تمسك بإيمانه بالله وبالعلاج وبالأمل.
أتمنى أن يقف أمام الناس ويقول:
«كنت في يوم من الأيام أعيش على حافة الموت، لا أعرف إن كنت سأرى الغد. لكنني تمسكت بربنا، وتمسكت بالعلاج، وتمسكت بالأمل. واليوم أنا هنا بينكم، أعيش وأضحك وأشارككم أفراحكم وأحزانكم… وكأن الحياة منحتني ميلادًا جديدًا».
واليوم، بعد مرور خمس سنوات على تلك المعركة، أجد نفسي أمام إنسان يستحق أن تُرفع له القبعة احترامًا وتقديرًا.
ليس فقط لأنه تجاوز واحدة من أصعب مراحل حياته، بل لأنه أثبت أن الإنسان قد يجد بداخله من القوة ما لم يكن يعرف أنه يمتلكه.
تحية لهذا المقاتل الذي لم يسمح للخوف أن يسرق منه ما تبقى من عمره.
وتحية لكل إنسان خاض معركة لم يرها أحد، وتحمل ألمًا لم يشعر به غيره، وسقط ثم نهض، وانكسرت بداخله أشياء كثيرة، لكنه رفض أن يعيش أسيرًا لانكساره.
تحية لكل من خسر وبدأ من جديد، ولكل من أُغلقت في وجهه الأبواب فصنع لنفسه بابًا، ولكل من ظن أن حياته انتهت، ثم اكتشف أن النهاية التي كان يخشاها قد تكون بداية لميلاد جديد.
تحية لكل إرادة رفضت الانكسار، ولكل إيمان منح صاحبه القدرة على الاستمرار، ولكل روح اختارت أن تتمسك بالأمل رغم قسوة الحياة.
فليس بالضرورة أن يكون عدوك مرضًا خبيثًا؛ أحيانًا يكون عدوك فشلًا، أو خسارة، أو خذلانًا، أو ظروفًا قاسية تسلب منك القدرة على رؤية الغد.
لكن البطولة الحقيقية ليست في ألا تسقط، بل في أن تجد بداخلك شجاعة النهوض، حتى وإن احتجت ألف محاولة.
وأتمنى من قلبي لهذا الرجل دوام الصحة والعافية، وأن يظل بين أحبائه سنوات طويلة، وأن تتحول تجربته يومًا إلى شهادة حية تمنح الأمل لمن يحتاج إليه.
لهذا الإنسان أرفع قبعتي احترامًا… ليس لأنه تحدى الموت فحسب، بل لأنه لم يتخلَّ عن الحياة حين أصبحت الحياة نفسها أصعب معاركه.
وأقول لكل من يقرأ كلماتي:
لا تسمح لليأس أن يقنعك بأن قصتك انتهت، فقد تكون الصفحة التي تبكي عليها اليوم هي نفسها التي سترويها غدًا بكل فخر، وتقول: من هنا وُلدت من جديد.