على متن رحلة مصر للطيران رقم 787، عشت موقفًا إنسانيًا لن أنساه.
بعد نحو ساعة من الإقلاع، سمعت رجلًا يجلس في الخلف يصرخ من شدة الألم ويتصبب عرقًا، مرددًا أنه يموت.
تدخلت بصفتي Healthcare Provider، وقدمت الإسعافات الأولية، وتابعت حالته مع طاقم الطائرة. وناقشنا احتمال الهبوط الاضطراري إذا لم تستقر حالته.
كانت لحظات رعب حقيقية. كنت أصلي في سري، راجيةً الله أن يعينني ويجعلني سببًا في عودة هذا الرجل سالمًا إلى عائلته.
والحمد لله، بدأ ضغطه يتحسن، وبدأ نبضه ينتظم، واستعاد وعيه تدريجيًا. وعندما نزع قناع الأكسجين للحظات وقال لي: «الله يخليكي بصحتك»، انهمرت دموعي تأثرًا.
وبكى أفراد الطاقم من شدة التأثر، واحتضنتني إحدى المضيفات بقوة، وقالت لي: «ربنا يكثر من أمثالك». كانت لحظة إنسانية لن أنساها.
وعندما هبطنا بسلام في مطار فرانكفورت، حضر المسعفون لتقييم حالته. ثم طلب قائد الطائرة من الركاب تحيتي، فاستمر التصفيق الحار لأكثر من ثلاث دقائق. وعند نزولي، كانت الأنظار تتجه نحوي، ورأيت بين الركاب مواطنين كنديين بدت عليهم السعادة بما فعلته.
طلب مني قائد الطائرة البقاء لاستكمال بياناتي، تمهيدًا للتواصل معي من مصر للطيران بشأن تكريمي. لكنني أجبت بكل فخر: «أنا لم أفعل شيئًا يستحق التكريم؛ ما فعلته هو ردّ جميل».
وحين استغربت إحدى المضيفات إجابتي، قلت لها بكل اعتزاز:
«لولا مصر، لما أصبح أهلي أطباء، ولما أصبح أبي عالمًا، ولما كنت أنا اليوم الإنسانة التي أنا عليها».
فمصر لها جميل في رقبة عائلتي وفي قلبي، وما فعلته لم يكن سوى موقف إنساني طبيعي، نابع من امتناني لبلد أعتز به وأحمل له كل المحبة.
ولا بد أن أشكر كندا أيضًا، البلد الذي منحني فرص التعلم والتطور واكتساب الخبرات، وأسهم في تكويني. وأعتز بلبنان، أرض جذوري وهويتي.
ما لا يعرفه كثيرون أنني أعاني بدوري من مشكلة صحية، وأن أهلي يدعون لي ولابني دائمًا. وفي تلك اللحظات، شعرت وكأن الله يرسل إليّ رسالة: «انهضي يا كالين، لا تستسلمي؛ فما زال فيكِ من القوة ما يجعلك سندًا لغيرك».
لم أبحث عن تكريم، ولم أعتبر ما فعلته بطولة استثنائية. فأنا لا أحتاج إلى الأضواء كي أعرف قيمة نفسي، ولا إلى التصفيق كي أتمسك بمبادئي.
ولو تكرر الموقف مع منيرة أو أخواتها أو أي إنسان آخر، لما ترددت في تقديم المساعدة. فالإنسانية لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تتغير بتغير الأشخاص أو العلاقات.
أما تحويل المواقف الإنسانية إلى استعراض أو وسيلة لاقتناص الأضواء، فذلك ليس من طبعي. أنا لا أحتاج إلى التقليل من أحد كي أُظهر الفرق بيني وبينه، ولا إلى تضخيم ما فعلت كي أثبت قيمتي.
نحن لا نستعرض أعمالنا، ولا نبحث عن التصفيق لإرضاء غرورنا؛ لأن ما نفعله بإخلاص نتركه لضميرنا، وما بيننا وبين الله لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
الناس معادن، والمواقف تكشف حقيقتها. والأصيل لا يحتاج إلى الأضواء كي يلمع، ولا إلى تكريم كي يعرف أنه فعل الصواب.
الحمد لله الذي أعانني في تلك اللحظات، وذكّرني بأن المرض لا يلغي القوة، وأن الألم لا يمنع العطاء، وأننا مهما تعبنا، قد نكون سببًا في عودة إنسان إلى أحبائه.