“كارثة حل الإسلام السياسى المزعوم”
.نأتي إلي معالم الحل الإسلامي كما يقدمه خالد الزعفراني أو كتاب (الإسلام هو الحل ) بغض النظر عن ملابسات إعداد مادته للطباعة والنشر والجهة التنظيمية الحقيقية التي وضعت مادته وأمرت بإعداده وطبعه ونشره علي هذا النحو ..
ولنبدأ أولاً بهذه الفقرة الكاشفة لقناعاتهم التي تشكلت عبر استنساخ مجتمعات بدوية كانت لها ظروفها المختلفة تماماً عما تعيشه البشرية منذ عبورها للقرون الوسطي وحتي الآن ..
يقول الكتاب في ص 40 :
((فالحل الإسلامي ـ في نظر الكثيرين ـ يتمثل في قطع يد السارق ، وجلد الزاني ، أو رجمه ، وجلد السكيرين ، والقصاص من القتلة ، وتطبيق أحكام الشريعة في إقامة الحدود فقط ، أو في سائر شئون المعاملات أيضًا..
ولاريب أن هذه الأحكام أو القوانين جزء أصيل من الحل الإسلامي
لابد منه ، ولاغني عنه ، يكفر من جحده ، ويفسق من أهمله ،
ولكنها ـ مع ذلك ليست كل الحل الإسلامي ))
فهمنا إذن أنه لاتنازل ولاتوقيف ، ولا إرجاء لقطع يد السارق أو رجم الزانية وجلد الزاني أوما إلي غير ذلك من تطبيق للحدود إرتبط بشروط وظروف مكانية وزمانية معينة وليس في المطلق كما يريد لذلك الأستاذ الزعفراني والعمائم التي كلفته بكتابة هذا الكلام بدليل إيقاف عمر بن الخطاب لتطبيق هذه الحدود لتغير الظروف ولتعذر الشروط ، فضلاً عن أنها قد تعذر تطبيقها لفترات وسنوات في ظل بعض دول الخلافة الإسلامية ، ناهيك عن كارثة التطبيق الإنتقائي لتلك الحدود والتي شاهدناها ونشاهدها في عديد من الدول التي طبقت ماأسمته هي (الشريعة الإسلامية) ..
ماعلينا فمايقصده الزعفراني هو أن هذه الحدود هي أساس الحل الإسلامي ، ولن يتم تطبيق الحل الإسلامي بدون تطبيق هذه الحدود ..
قد لاندري ونحن نقرأ ..
أهذا حل أم كارثة مطلوب أن تحل بالشعب الذي يريدون حكمه ، ناهيك عن أنهم لاقدر الله في حين سيتمكنون نهائيًا من السلطة والدولة سيقولون (هذا حكم الله .. أفحكم الجاهلية تبغون) وطبعاً لن تكون الجاهلية هنا هي جاهلية قريش ، بل جاهليتنا نحن الذين لايرون أي قدسية لأية سلطة تزعم أنها تحكم باسم الله وأنها أمتلكت توكيلاً عاماً للتصرف وفقما تشاء في البشر دونما أن يكون هناك حق لإبداء الرأي أو المعارضة لأن ذلك سيعد كفراً وفسوقاً يستحق ما يستحقه الكفر والفسوق في مجتمع “السلف الصالح” أو “الفرقة الناجية” أو “الطائفة المنصورة” ..
حيث لامكان في المجتمع إلا للطائفة المنصورة ، ولامكان هنا لاطوائف سواها ، ولامذاهب ، ولا عقائد سوي عقيدتها التي هي عقيدة كل جماعات الفاشية المتأسلمة علي تنوعاتها المختلفة
لامجال هنا لمبدأ المواطنة ، ولامجال بالتالي لتنوع الثقافات ،بل لامجال للتنوع الإنساني بشكل عام ..
أي مصر تلك التي كان يمكن لها أن تقام كذلك سواء في القرن العشرين أو في الألفية الثالثة ؟
هم يريدون كارثة لا وطن حينما يرددون كما يردد كتابهم هذا مايلي ..
(( معني “الحل الإسلامي” أن تكون عقيدة المجتمع إسلامية ، وشعاراته إسلامية ، ومفاهميه ، وأفكاره إسلامية ، ومشاعره اسلاميه ))
يقولون في حلهم الإسلامي المزعوم
في التعليم والثقافة (ص 45 )
(( وضع نظام ثقافي إسلامي بحيث يكون عقلية إسلامية موحدة للأمة ، ويصبغ التعليم في جميع مراحله بالصبغة الإسلامية ، ويحدث وعي إسلامي عام ويقف أمام الأنظمة الثقافية المستوردة))
لاحديث هنا في التعليم عن معالجة ظاهرة الدروس الخصوصية مثلاً ، ولا عن تكدس الفصول ، ولاعن تطوير المعامل والبحث العلمي ، ولا عن الصحة المدرسية ، ولا عن تطوير الهياكل التعليمية من إنشاء مبان لمدارس وجامعات حديثة ، ولا عن تطوير مناهج العلوم ، ولا شئ من هذا القبيل ..
ولاشئ عن الثقافة والإبداع ولا عن دور الدولة والمؤسسات التابعة لها في دعم المبدعين ..
لاشئ من هذا القبيل
إذن هذا هو التعليم ، وهذه هي الثقافة بالنسبة إلي من وضعوا هذا الكتاب ك”مانفستو” سياسي وإجتماعي وثقافي للحركات المتأسلمة في مصر ..
إنه تعليم وثقافة قندهار ، وتورا بورا ، وحلال آباد علي أفضل تقدير .. في آواخر القرن العشرين وفي مقدم الألفية الثالثة !!
ـ في الناحية الإجتماعية ص 46 .. (( منع الإختلاط المثير بين الجنسين))
ـ في الناحية الإقتصادية ص 47 .. ((الإسلام عبادة مالية هي “الزكاة” وأحد الموبقات السبعة كبيرة ومادية هي “الربا”)) ثم ماذا بعد ذلك ؟
ثم مجموعة من الشعارات العامة التي لاتليق بوضع أي خطوط عامة أو ملامح لأي حل إقتصادي يجب أن ينص علي سياسات محددة وآليات لتنفيذها ..
وتبلغ الكارثة ذروتها الكبري حين نصل إلي آخر بنود حلهم الإسلامي المزعوم ..
وذلك هو البند الخاص ب”الناحية لعسكرية” ..
والغريب هنا أنه لايوجد استخدام لكلمة جيش باعتباره جيش الدولة المصرية فالحديث هنا عن العسكرية دونما ملامح وطنية تحدد الإلتزام الوطني لهذه “العسكرية” ..
فهم يرون حسب (الإسلام هو الحل) ..
1- إعداد أقصي قوة حربية ..
2- خطه جاده متكاملة بالتعاون مع (مكانة المسلمين المخلصين – الإستفتاء نهائيًا عن استيراد العتاد والسلاح) !!!!
3- إشاعة روح (الجهاد) في الأمة
ثم بوضوح تام يفسر ماسبق ويصل به إلي الذروة الكارثية :
((وأخيرًا – وهذا أهم من كل ماسبق – ربط الجهاد بالعقيدة الإسلامية كما فسر ذلك رسولنا”من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله ” .)) ص49
إذن لن يكون هناك في – ظل حلهم الإسلامي المزعوم – جيش دولة وطنية يحارب من أجل حماية حدود ووحدة أراضيها ، وإنما ستكون هناك عسكرة عقائدية تحارب من أجل المذهب والديانة والطائفة سواء في الداخل أو الخارج ..
إذن ستكون المعارك والحروب طائفية ومذهبية والأعداء لن يكونوا أعداء الوطن بل سيكونوا أعداء الإسلام (إسلامهم هم بمدلولاته المذهبية والطائفية والعقيدية المرتبطة برؤيتهم هم ، ومصالحهم هم) .. أي كارثة هذه ؟؟
ثم ينتهي هذا القسم بمجموعة محددات للحل الذي يتحدثون عنه وهي :
أولاً .. إستبعاد فكرة فصل الدين عن الدولة والعودة إلي أنظمة الدولة الإسلامية (الإمامة ثم الخلافة)
ثانياً.. ((لانفصل السياسة في الإسلام عن العقيدة ولاعن الشريعة ولاعن الأخلاق)) ص 50
ثالثاً.. وضع دستور إسلامي يحدد نظام الحكم
((طبقاً لنموذج الدستور الصادر من المجلس الإسلامي العالمي المنعقد في إسلام آباد 10 ديسمبر 1983 والذي يمثل القسم الثاني والرئيسي من متن “الإسلام هو الحل”)) ..
ويحدد الكتاب ملامح السياسة الخارجية في الحل الإسلامي (إسلامهم هم) بأنها تقوم علي أسس أهمها :
أ ـ (إعتبار المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة ) ص 51
وطبقاً لتلك الرؤية فالمقصود هنا إعتبار الأمة هي أمة المسلمين أينما كانوا وبالتالي فأن حقوق المسلم الأندونيسي في مصر هي نفس حقوق المواطن المسلم أما المواطن المصري المسيحي الديانة فحقوقه هنا ستكون تالية لحقوق الأندونيسي أو الغيني أو الأذيربجاني أو الشيشاني طالما كان مسلماً ..
ولذلك تم التأكيد في (ب) علي أنه ((يجب حماية جميع أقطار المسلمين ولها حق الحماية والنصرة ))
وهذا بالضبط ماطبقه الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي حينما ردد هتافه المشهور في جموعه المحتشدة “لبيك سوريه” وأمر بفتح باب التطوع لصفوف عصابات التأسلم الفاشي في سوريه (النصرة وجند الشام ، وداعش فيما بعد) ..
ثم فتح سيناء كنقطة تمركز وتدرب وكمسرح لعمليات تلك العصابات التي دخلت إليها في عهده من مناطق وبلاد شتي ..
ثم يطرح الكتاب أول شروط هذا الحل وهي :
1- ضرورة الدولة المسلمة ، وحاجة الإسلام إلي دولة (ص55)
ـ بمايعني إقصاء كل مظاهر المدنية عن الدولة وإصباغها بالصبغة المذهبية الدينية ..
بل أن هناك وظيفة جديدة للدولة ستتمثل في :
((فالصلوات الخمس: لابد أن “تشرف” الدولة علي “حسن آدائها” فتنشئ المسجد ، وتنصب الإمام ، و”تراقب” إقامة الفريضة ، وترغب في إقامة هذه الصلوات ، و”تؤدب” المستهترين بهذه الفريضة )) (ص 56)
2- الإستمداد من مصادر الإسلام (ص 57)
ـ ذلك بمعني أن يكون إسلام الجماعات والتيارات الفاشية هو مصدر شرعية أي إلهام أو فكر أو علم أو عمل ..
3 ـ لابد من عنوان الإسلام (ص58)
ـ بمعني أن توضع عناوين إسلامية لكل شئ ، وإن تتم إزالة أية عناوين تخالف ذلك ..
4- أن يكون الإسلام هو غاية (ص59)
معني أن يكون الهدف من أي عمل ومنتهاه هو خدمة الإسلام لاغير ، وليس خدمة الوطن أو المواطن أو حتي الإنسان بعكس مانعرف جميعنا أن جميع الديانات قد وجدت لخير وسعادة الإنسان
5- الإسلام شامل لايقبل التجزئة (60)
أي أن حلهم الإسلامي المزعوم لابد وأن يطبق مرة واحدة ككل لايقبل التجزئة ولا إرجاء جزء وتقديم جزء ..
وأخيرًا يصل الكتاب إلي الموقف مما أسماه تبجحاً ب(الأقليات الغير مسلمة) ويخصص له جزءاً تحت عنوان رئيسي هو
((الحل الإسلامي والأقليات غير المسلمة)) ص79
ومن الواضح تماماً أن هذا الفصل مخصص للإجهاز علي أي ظن حسن قد يفترض أن هؤلاء الفاشست المتأسلمين قد يغضون النظر الطائفي ولو قليلاً ليسمحوا بالتعامل علي أساس قيم المواطنة مع تنوعات مذهبية أو عقائدية طبيعية تحت سقف الوطن ..
الموقف محدد هنا وهو بعبارات مثل الرسول أوصانا خيراً بالأقباط ، طعام أهل الكتاب ونسائهم حل لنا ، أو ما إلي ذلك إلي أن ينتهي بفرض مبدأ الجزية علي “غير المسلمين” !!!
طبعاً مع تقديم برهان الرحمة والتسامح المتمثل في إعفاء الأعمي والمريض المزمن ، والرجل العاجز، والشيخ الكبير من الجزية !! ثم
((ولاتضرب الجزية علي نساء أهل الكتاب ، ولاصبيانهم حتي يبلغوا)) (ص81) ..
أهذا حل إسلامي إذن أم كارثة مدمرة لكل معاني المواطنة والحقوق الإنسانية ، فضلاً عن تفجير الوطن من داخله بمثل هذه التروهات ؟؟
لننتقل إذن لبيت القصيد الذي طبع من أجله هذا الكتاب ..
إلي الجزء الذي يدل علي أن هذا الكتاب قد صدر كتكليف معمم وكدليل عمل موحد تعمل من أجله كل جماعات وعصابات التأسلم السياسي في بلدان العالم ..
إلي النموذج المعمم للدستور الإسلامي الذي أقره المجلس الإسلامي العالمي في 10 ديسمبر 1984 كفريضة واجبة التحقيق علي كل هذه الجماعات والتيارات والتنظيمات بعمائمها ودعاتها ومسلحيها وزعاماتها السياسية ..
وهذا سيكون موضوع المنشور القادم بالجريده
إن سمح الأجل
ــــــــــــــ
حمدى عبد العزيز
كاتب وشاعر
محافظة البحيره \المحموديه
8 أكتوبر 2018